الجزائر
الخطّاط ناجي عبد العالي في حوار مع "الشروق":

التكنولوجيا أنستنا الخط اليدوي.. وكثيرون رسبوا في الامتحانات بسبب رداءته

راضية مرباح
  • 1103
  • 2

يعتبر من بين أصحاب الأنامل الذهبية المتفننين في رسم الخط العربي، والناشطين لإحياء هذا المجال في زمن أصبحت الكتابة اليدوية تعاني الزوال بسبب الاكتساح الكبير للتكنولوجية إذ تحول القلم إلى عملة نادرة، يتحدث الخطاط الجزائري ناجي عبد العالي في هذا الحوار مع “الشروق”، عن مشروعه المتعلق بإحياء الخط بالمدارس والفترة العمرية التي تسمح للطفل تعلمه وكيفية الحفاظ على هذا الإرث، وقواعد الكتابة السليمة وغيرها من الأمور التي يمكن أن نتدارك بها الزوال الذي يلاحق هذا الفن الجميل الذي انطفأ مع الزمن الجميل..

من هو عبد العالي ناجي.. وكيف ولجتم عالم الخط العربي؟

هو صحفي صاحب 36 سنة خبرة ميدانية شاقة، اشتغل بعديد الجرائد كمراسل صحف، والبداية كانت من جريدة الشعب سنة 1984 حيث كوّنني الأستاذ “لزوق مهدي”، وبعدها صحفي إلى أن أصبحت مديرا لمكتب عديد الجرائد الجهوية، كوّنت خلالها عشرات الصحفيين، منهم من هم يشتغلون كمراسلين لقنوات وجرائد وطنية وخارج الوطن، بالإضافة إلى أنني أعمل كصحفي ورئيس قسم المراسلين في قناة خاصة وصحفي ورئيس تحرير أكبر مجلة متخصصة في الغذاء والصحة والصناعة التقليدية تُوزّع في الجزائر وفي أوربا.

أما بخصوص فن الخط فقد اكتشفت موهبتي أيام كنت تلميذا بمتوسطة “غول بولنوار” بدائرة عين بوسيف ولاية المدية، أيامها كنت أدرس في النظام الداخلي وكان أستاذي “بوحسين عيسى” يدرسنا مادة التربية الفنية حيث كنت أساعده في تحضير المعارض بمناسبة يوم العلم وكذا المناسبات الوطنية والدينية، فأردت أن آخذ من نهر فنه ولو القليل، كنت أقلده في كل ما يكتب من لوحات خطية في منتهى الروعة والجمال، ومع الوقت أصبح القلم رفيقي إلى أن خطر بذهني تعلم فنون الخط على أصوله وكان ذلك في بداية التسعينيات حينما ذهبت إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة ولحسن الحظ أن الأستاذ مدير المدرسة “محمد جحيش” الذي أرسلني إلى مدير الدراسات بالمدرسة “عبد الرحمان عيدود” والذي أخذني بنفسه إلى الأستاذ الدكتور “محمد بن سعيد شريفي”، خطاط المصاحف والعملة الوطنية، تعلمت على يديه رسم الحروف بمقاييسها ومن محاسن الصدف فإن عديد الخطاطين الذين تعلمت من كتبهم قواعد الخط العربي يحملون لقبي “ناجي”، من بينهم المهندس المعماري الفنان والخطاط العراقي “ناجي زين الدين المصرف”، وهذه الرحلة الشاقة ساعدتني لسنوات عديدة أن أصبح متخصصا في الندوات التربوية وتكوين المعلمين في الخط والكتابة للأقسام الأولى والثانية والثالثة ابتدائي خصوصا واحتكاكي بمديري المؤسسات التربوية وامتهاني مهنة التعليم قبل أن أصبح مستشارا لمدير التربية مكلّف بالإعلام والاتصال والصحافة بمديرية التربية لشرق ولاية الجزائر.

ما هو طموحك؟

أحلامي لا تسعها صحراؤنا الشاسعة لكن أذكر بعضها وهي أنني أقدم دروسا في الخط والكتابة لتلامذتنا وأكوّن المعلمين خصوصا المتخرجين حديثا من المدارس العليا للأساتذة وكل هذا مجانا خدمة للوطن الغالي ومن دون مقابل. طموحي أن تستجيب وزارة التربية لاعتماد كرّاسي (كرّاس القسم في الخط والكتابة) الذي طبعته ونال إعجاب المعلمين إلى درجة أنهم أكدوا جميعا أنهم سوف يتعلمون منه قبل التلميذ خصوصا مقاييس رسم الحرف، إلى جانب هذا فهو يريحهم من عناء التحضير اليومي لجميع كراريس التلاميذ، فكتابة نموذج الدرس لكل تلميذ يوميا يرهقهم ويأخذ منهم الوقت والجهد، لذا فالكرّاس لو اعتمد فسوف يكون بنفس طريقة توزيع الكتاب المدرسي مع تخصيص جزء مجّاني مثل توزيع الكتب المجانية للفئة المعوزة. أما أكبر طموحي فهو إنجاز كراس الخط كهدية لروح المرحومة (عائشة باركي) رئيسة جمعية (اقرأ) سابقا، هدية منّي (لفصول محو الأمية) بعدما أطلعتها على الموضوع منذ ثلاث سنوات.

أين يتموقع مجال الخط في الجزائر؟

الخط العربي في الجزائر مثله مثل الفن الرابع (المسرح)، ليس لديه مكانة كباقي الفنون إلا نادرا، ويعود السبب إلى قلة المدارس والحصص التلفزيونية في بلادنا التي تساهم في غرس هذا الفن في نفوس أبنائنا عكس ما نراه اليوم، ففي كل حي مقهى للأنترنيت أو قاعة رياضة أو محل للأكل السريع وحتى في وسائل الإعلام يقدمون ومضات إشهارية لأتفه الأمور وحصصا جافة وهنا على أهل التربية مراجعة حساباتهم ومفاهيمهم بما يتعلق بالكتابة فهي أهم شيء لأبنائنا، لأنّ تحسين الخط عند الأطفال كما قال أهل الاختصاص مطلوب كون الخط الواضح عموما والجميل منه خصوصا له تأثير إيجابي عجيب على قارئه، فترتاح له نفسه قبل أن تسر عينه، حتى ولو كان ضعيف المضمون.

لا نملك مادة تعليم الخط بالمدارس..لماذا؟ وما هي المرحلة التي يكتسب فيها التلميذ الكتابة بشكل واضح ؟

تعتبر مادتا الخط والكتابة من أولويات العملية التربوية وخاصة في مرحلة الدراسة الأساسية، ومن المؤكد أن غياب هذه الأولوية كان السبب المباشر في رداءة الخط عند الأطفال. فالخط والكتابة يعتبران مادتين أساسيتين في المدارس الإعدادية في دول المشرق العربي ويطلق عليها اسم (مدارس تحسين الخطوط العربية) ونجدها بكثرة في سوريا ومصر. فالحكم على الطفل بالفشل في رسم الحرف كان لزاما في الأول تشخيص حالته النفسية والصحية التي قد يعاني منها كضعف العضلات الدقيقة الموجودة في راحة اليد، وخاصة ما قبل الخامسة من العمر، لذلك ينصح بأن لا يبدأ تعلم الكتابة قبل هذا العمر، لأن عضلات وأعصاب يده ما تزال ضعيفة ويصعب معها تعليمه الإمساك بالقلم والسيطرة عليه وتحريكه في المسارات الصحيحة. لذا ينصح بتقوية عضلات اليد عند الطفل من خلال اللعب بالعجينة والكرات المطاطية، لتمرينها حتى تسهل له عملية الكتابة كما تعتبر مشكلة ضعف البصر من أسباب رداءة الكتابة، فاللوم يعود إلى عدم تكوين معلمي المدرسة العليا للأساتذة في مجال الخط.

ألا ترون أن الكمبيوتر والاستعمال المفرط للوسائل التكنولوجية الحديثة ستغني الطفل عن الكتابة وتنسيه تلك اليدوية التقليدية التي تعتمد على القلم؟

التكنولوجيا الحديثة أخلطت كل الحسابات وأصبح أبناؤنا آلة راقنة أو آلة حاسبة فأصبحت ممارسة الخط عند الكثير في طي النسيان مثله مثل الرسالة التي كنا نبعث بها إلى أهلنا وأصدقائنا لننتظر بعد ذلك موزع البريد حاملا الرد وحتى من ناحية حل واجباته المنزلية وإنجاز بحوثه في كذا مواضيع فإنه يعتمد على سحب ما هو مكتوب في المواقع، وألوم كل اللوم الأستاذ الذي يقبل مثل هذه المواضيع المستنسخة ويصححها للتلميذ ويعطيه العلامة وكأن التلميذ هو من بحث وفكر وأنجز البحث، ويبقى في النهاية للخط العربي مكانته العظيمة فمهما تطوّر عقل الإنسان البشري فإنه يبقى يميل لخط اليد خصوصا لما يقف أمام لوحة خطية من إبداع فنان في الخط العربي بهندسة عبقرية، أذكر من بينهم أحد الخطاطين العباقرة التركي حامد الامدي رحمه الله مدرس أستاذي القدير محمد بن سعيد شريفي. وأقول إن الكتابة بالقلم تعتبر الأفضل لرسم الحرف لدى الطفل حيث لا تزال بعض مناطقنا محافظة على الكتابة بشتى المساجد والزوايا والكتاتيب.

هناك من يعتقد أن الخط سيندثر مستقبلا.. ما رأيكم؟

أبدا لن يندثر الخط العربي … كيف ذلك وقد أقسم الله تعالى بالقلم في سورة القلم (ن والْقَلَمِ وَمَا يَسْطرُوَنَ)، الأمر المهم والمقدّس أن الله تعالى أول ما خلق في الكون هو القلم ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة.

إلى جانب هذا، فهناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فهم يدوّنون القرآن بخط اليد من بينهم خطاط المصاحف والعملة الوطنية أستاذي الدكتور محمد بن سعيد شريفي.

كم من أوراق أجوبة أقصيت من الامتحانات بسبب الخط الرديء..كيف ترون ذلك وهل من نسب بحوزتكم ؟

المشكل المطروح حاليا ليس في رداءة الخط فحسب بل في الأخطاء النحوية والإملائية، فبعض طلاب الجامعات لا يكتبون جملة مفيدة وإذا كانت اللغة غير سليمة حتى وإن كان الخط جيدا فالمفاهيم تتغير لذا فإن الكثير ممن رسب في الامتحان بالرغم من إجابته الصحيحة بسبب سوء خطه فهذا النوع من الطلاب والتلاميذ لا يحتاجون إلى أستاذ يصحح لهم المادة لكن إلى خبير في فكّ شفرة كتاباتهم، ومع ذلك فنسبة هؤلاء متأرجحة ولا يفصح المصححون في ملاحظاتهم عن إقصاء أي ورقة بسبب رداءة الخط.

بالأمس كان الأستاذ يملك خطا جميلا يقلده تلامذته.. والآن حتى المعلم خطه رديء.. فما هو السبب؟

لا يمكن تحسين خط الطفل إذا كان خط المعلم نفسه سيئا، فمعلم الخط يجب عليه أن يكون ملما بقواعد الخط وأصوله وذلك عبر التدريب والنمذجة والمحاكاة، هذه الأخيرة تكون من قبل المعلم حيث يؤدي عمليا كل مهارة من مهارات الخط أمام تلاميذه، ومن ثم يقوم الطفل بتقليد المهارة، ومع التدريب يرتقي من المحاكاة والتقليد إلى الممارسة. وهنا ينبغي للمعلم كذلك أن لا يخلط بين تعليم الكتابة وتعليم الخط، فالكتابة مجالها تهجئة الكلمات وأصوات الحروف، أما الخط فمجاله طريقة رسم الحروف.

ومن بين أسباب تحسين خط الطفل ما يرتبط بالأدوات التي تستخدم في الكتابة، وأهمها القلم والورق والكراسات، فطول وحجم القلم وشكله ينبغي أن يكون مناسبا للطفل، ذلك أن القلم القصير جدا أو حجمه السميك أو الرقيق جدا لن يمكن المتعلم من الإمساك الجيد به، ما يضعف قدرته على الكتابة بخط جيد. كما أن الورق ينبغي أن يكون مسطرا واضح الخطوط، والكراسات ينبغي أن تكون ميسرة بيداغوجيا، فالتدريب على الكتابة وتحسين الخط يخضعان لمجموعة من القواعد التي تضبط ممارسة الكتابة بخط صحيح وجيد، وهي قواعد معروفة عند معلمي القسم الأول ابتدائي، لكنهم يقومون بتجاهلها حين تكون دروسهم مركزة على الكتابة (النّسخ) أكثر من الخط.

ومن بين هذه القواعد مثلا المقاييس الصحيحة للحروف نزولا وارتفاعا ليتحكم المتعلم برسمها على الورقة، والتأكد من سلامة وضعية جلوس الطفل، والزاوية والوضعية الصحيحة لمسك القلم ووضعية الورقة، مع مراعاة اتجاه نور المصباح، والتدرج في كتابة الحرف بالعجينة أولا وفي الهواء وعلى المقعد ثم على السبورة وأخيرا على الألواح وختامها على الكرّاس.

هل يستطيع عبد العالي ناجي أن يعطينا سرّ من أسرار التفنن في الكتابة بخط جميل؟

لا يوجد سرّ في محاولة تفنني في الخط العربي لكن وراء نجاحي هو أستاذي الدكتور محمد بن سعيد شريف من دون أن أنسى أستاذي الفاضل عبد القادر بومالة أستاذ بالمدرسة العليا للفنون الجميلة الذي علّمني طريقة بري القلم، فهو من أعطاني تقنيات صنع القلم وجودته وكيفية جعله يرن لأن من مميزات القلم هو البري ورنّته يأتي كذلك في نفس المقام الحبر والورق والمسند والمقط وغيرها من الوسائل الأساسية التي تتوفر لدى الخطاط فالسر يكمن في التعب والسهر وطول البال ومعرفة الكثير من الخطاطين سواء من العصر الحديث أمثال خضير البور سعيدي، محمد كمال البابا، ناجي زين الدين المصرف، والخطّاط أحمد ناجي أو العصر العباسي على سبيل المثال ابن مقلة وياقوت المستعصم الضحاك وبن عجلان وإسحاق بن حماد وإبن البواب، ويبقى أستاذي الدكتور (محمد بن سعيد شريفي) أطال الله في عمره، قدوتي ومدرستي.

كلمة نختم بها حوارنا الشّيق الذي أخذنا إلى حلاوة الحرف العربي..

أشكركم بقوة الاحترام والتقدير على سعيكم من أجل إبراز مكانة الخط العربي وانشغالكم بمستقبل أبنائنا التلاميذ كما أهنئ الحاصلين على شهادة البكالوريا خاصة ابنتي ماجدة بنجاحها في شعبة رياضيات تقني، وفي الختام أقف وقفة إكبار وترحم للقامة الإعلامية الأستاذ علي فضيل رحمه الله وأتمنى لجريدة الشروق الاستمرارية على نهجه.

مقالات ذات صلة