التكنولوجيا تُنتزع ولا تُعطى: درس إيران الأهم!
حتى قبل أن تتوقف الحرب، مكنتنا مواجهة إيران للعدوان الأمريكي الصهيوني عليها من أكثر من درس، بل وأعطت الأمل لكافة بلدان الجنوب في إمكانية مقارعة الظلم والاستكبار العالميين والصمود والانتصار، ليس بالشعارات ولا بالخطب الحماسية، إنما بالفعل الميداني على أرض معركة غير مسبوقة في تاريخنا الحديث.
لقد أوضحت التجربة الإيرانية كم هي واسعة مجالات الممكن لشعوبنا في ظل نظام عالمي يرفض للدول النامية امتلاك المعرفة والقوة واستكمال سيادتها السياسية بسيادة اقتصادية وتكنولوجية وقدرة على صناعة القرار المستقل بعيدا عن الخوف أو الإذعان أو السقوط في ظل التبعية.
-أول ما أفادتنا به هو إمكانية التحكم في أرقى أنواع التكنولوجيا بالإمكانيات المحلية. إذ إن اختراق طبقات القبة الحديدية وتجاوز قدرات “باتريوت” و”مقلاع داود” و”ثاد” وغيرها من الأنظمة المضادة للصواريخ ليس بالأمر الهين، إنما يتطلب قبل كل شيء تفوقا تكنولوجيا في منظومات الدفع الصاروخية، وأنظمة التوجيه المركّب، وتصحيح مسارات الصواريخ عبر الأقمار الصناعية لتعقب الأهداف وإصابتها بدقة حيثما كانت بما في ذلك الأهداف المتحركة بكل ما يتطلب ذلك من باحثات بصرية حرارية وحساسات ومستشعرات متطورة وقدرة على المناورة والانشطار وتغيير المسارات… إلخ. وقد بينت التجربة الإيرانية أن ذلك ممكن لدولة نامية وتحت الحصار فوق ذلك! ومنه الدرس الأهم: التكنولوجية تُنتزع ولا تعطى، والتبعية هي في العجز عن ذلك والاعتماد على الآخرين في الدفاع عن النفس.
– ثاني ما أفادتنا به هذه التجربة الإيرانية النوعية، أن الطاقة بدل أن تكون بترولا وغازا نخاف عليه ونسعى لحمايته يمكنها أن تتحول إلى سلاح يخاف الآخرون منه في حالة استهدافه بالتعطيل أو التخريب. فضرب المنشآت النفطية الإيرانية أو الخليجية لم يؤثر فقط على البلدان المالكة بل أثر على العالم أجمع. أي إننا تعلمنا أن ما نملك من طاقة بقدر ما يخدمنا هو يخدم العالم وبقدر ما نحتاجه يحتاجه العالم وأحيانا أكثر. إِذْ هو مَن يملك مصانع أكثر وشبكات كهرباء أعقد وبنية تحتية تحتاج للطاقة مئات المرات أكثر مما نحتاج. فلم لا نقلب المعادلة: بدل أن نخاف على البترول والغاز ينبغي الردع بهما.
– ثالث ما أفادتنا به هذه التجربة، أن التعويل على القواعد العسكرية الأجنبية يحمل مخاطر جمة على السيادة والأمن الوطنيين، ذلك أن مَن يقابل الموت ويضحي بنفسه هم أبناء الوطن قبل غيرهم، لا يمكن للقوى الأجنبية التي يتم الاستعانة بها أن تحمي سيادة وطن ليس وطنها. وهي رسالة واضحة لمن لا يزال يقبل أن تتمركز بأرضه قواعد عسكرية أو قوات أجنبية مهما كانت قوتها أو نوعيتها. بما يعطينا خلاصة تقول بأن خلو الدول النامية من القواعد العسكرية الأجنبية هو أحسن وسيلة للدفاع عن نفسها ولا معنى لها في حالة تهديد أجنبي وشيك.
– رابع ما أفادتنا به هذه التجربة، أن أي قوى معارضة تعول على الأجنبي لدعمها لن تربح أي شيء سوى صفة العمالة ومآلها في آخر المطاف الانهزام. كم من مرة وعد الرئيس الأمريكي الداخل الإيراني بأنه قادم للدعم وما عليه سوى الخروج والانتفاضة ضد دولته وأخلف الوعد؟ كم من يد أجنبية حاولت التلاعب بالمعارضة وتسليحها ضد شعبها بحجة مواجهة السلطة القائمة وتم التخلي عنها في آخر المطاف؟
– خامس ما أفادتنا به، أنه ينبغي ألا نستهين أبدا بأهمية الموقع الجيواستراتيجي للدولة. فقد كشفت الحرب لإيران أهمية موقعها ومساحتها الشاسعة أكثر مما كانت تعتقد، وعززت موقفها التفاوضي أكثر مما كان، إذ بات واضحا اليوم أن عدم استقرار المنطقة يكفي لِتتضرر غالبية دول العالم بما فيها الولايات المتحدة. وهذا يدفع بنا للتفكير مليا في إدراك أهمية مواقع دولنا الجيواستراتيجية وأهمية مساحاتها في صد العدوان خاصة بالنسبة للدول الإفريقية والعربية التي كثيرا ما نظرت لِموقعها ومساحتها كعبء استراتيجي بدل النظر إليها كعامل إضافي في سلم القوة.
– وأخيرا، بينت لنا هذه الحرب أن الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة لم يعد كما في العقود السابقة متضامنا بقيادة الولايات المتحدة، إذ يكفي أن دول الحلف الأطلسي ذاتها لم تعد على موقف واحد، ناهيك عن موقفها من التعامل مع الدول الكبرى الأخرى كروسيا والصين وبقية العالم.
ولا تتسع مساحة الأمل هذه لذكر عشرات الدروس الأخرى التي باتت واضحة أمام أعيننا بعد هذه الحرب، فهل يكفينا هذا لبلورة سياسات مناسبة لنا في المستقبل؟