الجزائر
إبداع أثار دهشة وإعجاب الجميع

التنكيت يبلغ مداه في زمن الحراك

الشروق أونلاين
  • 3521
  • 0
ح.م

بلغ التنكيت مداه في الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ 22 فيفري الماضي، حيث أبدع الجزائريون افتراضيا وواقعيا في توصيف الواقع الجزائري ورفضهم للنظام الحالي من خلال لافتات حملوها، بعضها مكتوب وبعضها الآخر مرسوم، فيما اختار آخرون تقمّص أوصاف شخصيات مغضوب عليها ومحاكمتها شعبيا، وذهب خيال آخرين أبعد من ذلك عندما “انتحلوا” شكل شيطان رفع لافتات يتبرأ فيها من الفاسدين السراقين ومن العصابة التي نهبت خيرات البلاد.

مع مسيرة كل جمعة يظهر أسلوب إبداعي تنكيتي جديد يثير دهشة المتابعين له وإعجابهم الشديد به، كما تناقله ملايين الفايسبوكيين وبقية روّاد مواقع التواصل الاجتماعي.

وتحوّل التنكيت إلى أسلوب تعبير مرافق للحراك في مختلف مراحله حاول من خلاله المتظاهرون التنفيس عن أنفسهم وإبلاغ رسائلهم إلى النظام والزمرة الحاكمة في شكل هزلي.

ومن أهم ما تداوله بعض الشباب في العاصمة ما قام به مجموعة من الشباب بساحة أودان في مسيرة الجمعة التاسعة “19 أفريل” حيث افترشوا الأرض ونصبوا مظلة الاصطياف والمناشف في رمزية إلى أنهم سيقضون الصيف في المسيرات إذا لم تحقق مطالبهم.

وفي الجمعة التي سبقتها 12 أفريل خرج أحد المتظاهرين يسير في ساحة البريد المركزي مرتديا لباس الحمام “سورتي دوبان” حاملا في يده منشفة وقارورة غسول ومشطا في تعبير رمزي عن استعداده لمواجهة خراطيم المياه التي استعملتها مصالح الأمن.

وتكرّر المشهد من قبل متظاهرين آخرين رفعوا لافتات ألصقت بها مناشف وغسول الشعر ومشط وكتبوا شعارات “مايخوفناش الماء السخون.. مستمرون حتى تتنحاو قاع” مرفوقة بالمنشفة والمشط وغسول الشعر”، فيما رفع آخرون مزهريات مناشدين أعوان الشرطة عدم التبذير وسقي النباتات بدلا من ذلك.

وارتفع سقف التنكيت والمحاكاة لدى بعض المتظاهرين، فتقمّص صورة شيطان يتبرأ من تصرفات سارقي البلاد وناهبي خيراتها وكتب “الشيطان” على لافتته: “مانيش أنا اللي قلتلكم اسرقوا أموال الشعب.. أنا شيطان بريء منكم”، فيما تقمص آخرون شخصيات بعض رموز الفساد وحاكموهم شعبيا وأيديهم مكبّلة بالسلاسل.

من جهتهم، شارك مسنون ومسنات في رسم مشهد التنكيت وأخرجوا معهم إلى الشوارع المكنسات ومنتجات التنظيف من جافيل وصابون وكتبوا: “ارحلوا باغي نسيّقو”.

وفي شرحه للظاهرة، أوضح المختص الاجتماعي الأستاذ الجامعي يوسف حنطابلي أن التنكيت موضوع مطروح منذ بداية الحراك الشعبي، وهو يعبر عن حالة نفسية جماهيرية، كما يعد رسالة لتخفيف الضغط عن الطرف الآخر الذي يعتبر أن أي انتفاضة تؤول إلى العنف لذا يلجأ المتظاهرون إلى مصاحبة الحراك السلمي بالتنكيت والبهجة لتخفيف الضغط وتجنب الانزلاقات واستخدام العنف من الطرف الآخر.

كما يعد التنكيت وفق المختص الاجتماعي “رسالة استباقية لأي عملية قد يؤول بها الحراك إلى غير سلميته”.

أما الفكرة الثانية التي أراد الأستاذ حنطابلي تبليغها فتتعلق بأن أي معاناة عبر التاريخ تأخذ أشكال التعبير عنها صور نقيضة لها وهو ما يعرف حسبه بـ “التراجي كوميك” أو المأساة المضحكة التراجيديا الهزلية ترجمة المعاناة في شكل هزلي وهو نوع معروف على مر التاريخ للتنفيس والترويح عن النفس بصورة مناقضة.

وتحدث المختص حنطابلي عن أشكال الإبداع ودرجته العالية التي كشف عنها الحراك بشكل واضح جدا واعتبرها امتدادا لإبداع افتراضي سبق إليه الجزائريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي الذي أصبح حاليا واقعا معيشا في الشارع.

فهو إذن “ليس إبداعا في آنيته وإنما امتداد لإبداع افتراضي على مر الفترة السابقة عندما كان يتعذر على الفرد الجزائري التعبير عن نفسه في العالم الحقيقي”.

مقالات ذات صلة