جواهر
دعوات لوقفه بعد فاجعة رحيل صانعة محتوى مغربية

“التنمّر الإلكتروني” يفترس رواد الشبكات.. ماذا يحدث خلف الشاشات؟

نادية شريف
  • 2527
  • 0
شبكات التواصل الاجتماعي
التيك توكر المغربية سلمى رفقة زوجها

سلط الرحيل المُوجع لصانعة محتوى مغربية شهيرة، الضوء على خطر “التنمّر الإلكتروني” الذي أصبح المفترس الأول لرواد الشبكات في غياب تام للرقابة والوعي، فيما يزيد صمت المجتمع من جراح المتعرضين لسهام النقد وفقا لخبراء.

وفي عالمٍ أصبحت فيه الشاشات نوافذ يومية للتواصل، لا تبدو الابتسامات الرقمية دائمًا صادقة، ولا التعليقات كلها عفوية، فبين منشور وآخر، ورسالة وغيرها، يتسلّل “التنمّر” كوحش خفيّ، يفتك بالأرواح في صمت مطبق، ويزرع القلق والخوف في نفوس الكثيرين، حتى عند أولئك الذين يظهرون أقوياء خلف صورهم اللامعة!

سلمى المغربية، المعروفة بلقب “زوجة تيبو”، واحدة من هؤلاء، وقد توفيت فجر الاثنين، عقب إجرائها عملية جراحية لإنقاص الوزن، كانت قد قررت الخضوع لها بسبب تعرضها المستمر لحملة تنمر واسعة استهدفت شكلها.

وكانت التيك توكر الشهيرة، التي تحظى بمتابعة أزيد من مليون ونصف شخص، قد أجرت عملية جراحية لتغيير مسار المعدة في إحدى المصحات الخاصة بتركيا، بعد معاناتها نفسيا لفترة طويلة من تأثير التعليقات السلبية التي فاقت حدود احتمالها.

وعلى إثر ذلك، تدهورت الحالة الصحية لها بشكل سريع، قبل أن يعلن زوجها وفاتها، ما شكل صدمة لمتابعيها الذين وجهوا أصابع الاتهام إلى المتنمّرين، ممن لم يتوقفوا لحظة عن إيذائها بكلماتهم السامة حتى دفعوها نحو النهاية المأساوية.

التنمّر الإلكتروني في قفص الاتهام

لقد أصبح التنمّر عبر “السوشيال ميديا” ظاهرة مقلقة، تتجاوز السخرية إلى التحقير، ومن المزاح إلى الإيذاء النفسي الجسيم، فماذا يحدث خلف الشاشات؟ ومن يداوي الجراح التي لا تُرى؟ وكيف نتفادى مخاطر تزحف في ظل غياب الرقابة والوعي الفردي والمجتمعي.

وبرحيل سلمى، أكد خبراء أن هذه الحوادث المأساوية تُظهر خطورة التنمّر، الذي أصبح ظاهرة مقلقة تستدعي تحركا جادا من الأسرة، المدارس، المنصات الرقمية، والمشرّع، لتوفير بيئة إلكترونية أكثر أمانًا.

ووجّه أحد النشطاء رسالة إلى المتنمرين قال فيها: “إلى كل من جعل السخرية من الأجساد هواية، والتنمر على النساء تسلية، أنتم لم تقتلوها مباشرة، لكنكم دفعتموها إلى حافة الموت خطوة بخطوة، بكلماتكم، بنظراتكم، بضحكاتكم المسمومة”.

وأردف متأسفا: “سلمى لم تمت بسبب عملية فاشلة فقط، بل بسبب مجتمع فاشل”.

وأضاف آخر إن “وفاة سلمى ليست حادثا فرديا، إنما مرآة لمجتمع يحتاج إلى إعادة نظر في سلوكياته، وفي كلماته قبل أن ينطق بها، فكل سخرية، كل تعليق جارح، كل نظرة دونية، قد تكون القشّة التي تقتل”.

وتابع: “سلمى لم تُقتل فقط بمشرط الجراحة، بل بصمت المجتمع، وغلظة الكلمات، وسخرية العيون، لقد دفعتها قسوة التعليقات الجارحة إلى قرار مصيري، في محاولة للهروب من أذى النفوس المريضة أكثر من أذى السمنة نفسها”.

كما ظهرت أخت التيك توكر الراحلة لتصب جام غضبها على المتابعين الذين دفعوا سلمى نحو الهاوية بتعليقاتهم التي تجاوزت حدود الوصف، مؤكدة أنها كانت متصالحة مع نفسها وشكلها ولكن بعد خمس سنوات من الصبر على الأذية قررت وضع حد للمعاناة بإجراء تدخل جراحي يسكت الأفواه الشامتة.

حتى المتفوقون دراسيا لم يسلموا من الألسنة السليطة!

يعتقد الكثيرون أن المشاهير والمؤثرين فقط من يتعرضون للتنمّر بسبب طبيعة المحتوى الذي يقدمونه عبر قنواتهم وحساباتهم للتواصل، لكن الحقيقة أن المتفوقين دراسيا أيضا لم يسلموا من الألسنة السليطة.

وفي سياق الحديث عن المخاطر الجمّة لهذه الظاهرة، لفت البعض إلى أن النجباء كانوا أيضا من بين ضحايا مرضى النفوس، الذين يقعون كالذباب على الجرح ولا يرون إلا الجوانب السلبية في الأشياء والأشخاص.

وكان آخر من تعرض لانتقادات لاذعة وحملة تنمر فاقت كل الحدود في مجتمعنا، التلميذ النجيب “باكير أنيس” صاحب المرتبة الثانية وطنيا في شهادة التعليم المتوسط، والذي اضطرت والدته للظهور والحديث لحماية ابنها من الكلمات المسمومة قبل أن تؤثر على نفسيته.

وقالت أم أنيس وكلها فخرا بفلذة كبدها: “الصوت والشكل لا يصنعان الإنسان، بل أخلاقه وعزيمته واحترامه للغير ؛ من يسخر من الآخرين بسبب صفاتهم الجسدية، إنما يكشف عن فراغ داخلي وجهلٍ عميق، فليتّقِ الله كلّ من يتنمّر، وليعلم أن السخرية من خلقة الله إساءة للخالق قبل المخلوق”.

وسبق أن تلقى سهام النقد الجارح الطالب مقران محمد أمين، صاحب المرتبة الأولى في بكالوريا 2024، ما اعتبره عديد النشطاء جهلا بمكانة طالب العلم، وتجاوزا لحدود اللباقة وأخلاق الإسلام الداعية لترك التنابز والغيبة وكسر النفوس.

ما هي الحلول للحدّ من مخاطر التنمّر الإلكتروني؟

بتحول التنمّر الإلكتروني إلى أزمة متشابكة بين المنظور النفسي والرقمي والقانوني، وبناءً على أحدث الدراسات والتوصيات الدولية (2024–2025) يمكن تفادي مخاطر “التنمّر الإلكتروني” بالإجراءات الآتية:

1ـ تعزيز الوعي الأسري والتربوي، وذلك بتثقيف الأطفال والمراهقين حول المخاطر المحتملة، وتشجيع الحوار المفتوح بين الآباء والأبناء بشأن ما يتعرضون له على الإنترنت.

2ـ توفير خدمات الدعم النفسي المجاني أو شبه المجاني لضحايا التنمّر، وتخصيص خطوط ساخنة للاستشارة النفسية بسرية، مع تطوير برامج “المناعة الرقمية” لمساعدة الشباب على التعامل مع الضغط الرقمي.

3ـ تشريعات واضحة وتنفيذ حازم، وذلك بتحديث القوانين لتجريم التنمّر الإلكتروني بوضوح، وتسريع التحقيقات في البلاغات الرقمية المتعلقة بالتهديد أو الإساءة النفسية، وأيضا فرض غرامات على المنصات التي تتقاعس في إزالة المحتوى الضار.

4ـ استخدام خوارزميات لرصد الإساءة والتنمّر في التعليقات والمنشورات، وتطوير أدوات تنبيه فوري للمستخدمين عند التعرض لمحتوى مسيء، مع تمكين المستخدمين من أدوات فعّالة: مثل الحظر، الإبلاغ، إخفاء التعليقات.

5ـ تنظيم ورش ومدارس صيفية حول الأمان الرقمي، وإشراك المؤثرين في نشر ثقافة الاحترام، دون إغفال إطلاق مبادرات خاصة على مستوى المدارس مثلا أو الجمعيات للكف عن التنمّر.

6ـ حظر دخول المنصات للفئات العمرية الأقل من 13 أو 16 عامًا (كما تُوصي دول أوروبية)، مع فرض أدوات تحقق من العمر لضمان حماية القُصّر، وتطوير تطبيقات رقابية للأهل بإشراف تربوي.

مقالات ذات صلة