التواصل الرقمي مع التلاميذ بين النظرة التقليدية ودعوة إلى تطوير التعليم
بلهني: لابد من إطار قانوني لتنظيم العملية
بن يغزر: مهمة الأستاذ تقتصر على التدريس داخل القسم فقط
خالد أحمد: تسجيل الدروس رقميا ليستفيد منها التلاميذ
سعدي: منصات التواصل تقدم “السّم في العسل” للمراهقين
في ظل التوجه العالمي نحو الرقمنة وتحديث أساليب التعليم، تتجلى ضرورة تعزيز التكنولوجيا في العملية التربوية، ليس فقط باستعمال الألواح الرقمية أو الحواسيب، بل أيضًا من خلال تسجيل وتصوير الدروس وإنشاء مجموعات على الإنترنت أو منصات رقمية يتم عبرها تبادل الدروس والتمارين والمعلومات التربوية بين الأساتذة والتلاميذ، بهدف تقريب الدرس من التلميذ بأسلوب حديث ومبتكر، ولحمايته من التأثير السلبي لإدمان الهواتف الذكية وتحويل أنظارهم نحو تلقي العلوم.
في عصر الجيل الرقمي تطرح وبشدة فكرة تحديث وعصرنة الأقسام المدرسية، بهدف تسهيل التواصل بين الأساتذة والتلاميذ، وتوسيع دائرة التعلم خارج جدران القسم، وهي فكرة تلقى ترحيبًا من طرف بعض الأولياء الذين رأوا فيها خطوة نحو تعليم عصري يواكب تطورات العصر، لكنها في المقابل أثارت تحفظًا واسعًا في أوساط الأساتذة.
ويعتبر أنصار الرقمنة، أن المدرسة الجزائرية تحتاج إلى إدماج فعلي للتكنولوجيا، لأنه عبر المنصات الرقمية يمكن أن نعزز القيم التربوية، ونساعد التلاميذ على مراجعة الدروس بطرق حديثة، ويتقارب أكثر الأستاذ والتلميذ.
وتحديث الأقسام رقميا، هو فكرة يتمناها التلاميذ في ظل تعودهم على استعمال الهواتفهم الذكية، ولأنهم يعتبرون الرقمية أفضل وسيلة لتحسين تحصيلهم الدراسي، فلماذا لا يقدم الأساتذة دروس بعض المواد غير الأساسية مثل التربية المدنية أو الفنون عبر ملخصات تنشر في مجموعات رقمية تضم تلاميذ القسم الواحد، مثلما هو معمول به في جامعاتنا غالبا؟ أين يتلقى الطلبة محاضرات وحتى أسئلة عبر منصات رقمية، ويتحصلون على علاماتهم رقميا أيضا، ولماذا لا يتواصل تلاميذ القسم مع أستاذهم ويطرحون عليه أسئلة حول بعض الدروس رقميا.
مهمتنا التدريس داخل القسم فقط..
ويعتبر أساتذة تحدثت معهم “الشروق” أن فكرة رقمنة الدروس في المحيط المدرسي “صعبة التجسيد” رغم أهميتها ونبل أهدافها، لأن مهامهم، حسب ما يؤكدون، محددة في التدريس داخل القسم فقط، ولا تشمل العمل خارج ساعات الدوام أو تقديم محتوى إضافي عبر الوسائط الرقمية.
كما يخشى البعض أن يتحول الأمر إلى واجب إلزامي غير معترف به إداريًا، في وقت يعيش فيه المعلم أصلاً ضغطًا كبيرًا بسبب الحجم الساعي، وكثرة البرامج الدراسية، والتعامل مع أقسام مكتظة.
وفي الموضوع، يؤكد الأستاذ المتقاعد من التعليم الثانوي، عبد الرحمان بن يغزر، أن الأساتذة ينحصر واجبهم التربوي داخل القسم، وأن التدريس عبر التطبيقات أو المنصات الرقمية حتما سيكون خارج أوقات الدراسة القانونية “وهو ما لا يمكن للأستاذ من الالتزام به دون تعويض أو تنظيم قانوني واضح، لأنه بعد الخروج من المدرسة لدينا أسرة وحياة شخصية”.
ويرى محدثنا أنه يمكن أن يعطي بعض الأساتذة خاصة الشباب منهم، بعضا من وقتهم لإدخال الرقمنة في مهام التدريس، خارج أوقات الدراسة، في حال حصلوا ربما على تعويضات مادية، وقال: “السبورة التقليدية، ستظل الحصن الأخير في وجه التعليم الرقمي، الذي سيفقد الدروس الحضورية في القسم أهميتها، ويجعل التلميذ مشتت الذهن بين الهاتف الذكي والسبورة، في حال اللجوء لرقمنة الدروس”.
ويرى آخرون، بأن واقع كثير من المؤسسات التعليمة، والتي تفتقر غالبا لأبسط وسائل التكنولوجية كالحواسيب والإنترنت، يجعل تطبيق الرقمنة صعبًا على أرض الواقع.
كثرة أعباء الأستاذ تمنعه من ولوج الرقمنة
ويؤكد الخبير في التربية، موسى بلهني في تصريح لـ”الشروق”، بأن نجاح أي مشروع رقمي في التعليم يتطلب تكوين الأساتذة وتحفيزهم، إضافة إلى تخفيف أعبائهم اليومية، علاوة عن وضع إطار قانوني ينظم العمل التربوي الرقمي حتى لا يبقى مجرد اجتهاد شخصي.
ويضيف محدثنا قائلا: “..واضح أن مشروع إدخال الرقمنة في التعليم الجزائري يقف اليوم بين طموح التحديث ومقاومة الواقع، فالأساتذة القدامى سيتمسكون بالتدريس الكلاسيكي، بينما تسعى إدارة المدرسة إلى اللحاق بركب التكنولوجيا، والحل هو في إيجاد توازن ذكي بين الوسائل الحديثة والمنهج التقليدي، حتى لا يتحول التعليم الرقمي إلى عبء جديد بدل أن يكون خطوة نحو المستقبل”.
منصات التواصل تقدم “السّم في العسل” للمراهقين
وفي الموضوع، ذكر رئيس الاتحاد الوطني لأولياء التلاميذ، حميد سعدي، في تصريح لـ ” الشروق”، بأن إدمان الأطفال والمراهقين على الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، بات يشكل خطرا متزايدا، في ظل غياب التوجيه والمراقبة وهو ما جعله يدعو أولياء التلاميذ، إلى مرافقة أطفالهم المتمدرسين وتوجيههم، ومراقبة ما يتابعونه من محتويات على الإنترنت.
وقال محدثنا، بأن مشبوهون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يحاولون اصطياد فئة المراهقين “وتقديم السم لهم في العسل، باعتبارهم من الفئات الأكثر إقبالا واستعمالا لمنصات التواصل الاجتماعي، فيتواصلون معهم رقميا “ويُسمّمون” عقولهم بأفكار هدفها تفكيك المجتمع الجزائري، ويحرضونهم على سلوكات غير قانونية، مثل الحرقة وتعاطي المخدرات والانفصال عن الأسرة، واستغلالهم في شبكات دعارة، وتحريضهم على العنف في المجتمع.”
واعتبر، حميد سعدي، بأن فئة المراهقة “باتت هشة أكثر وسهلة الانقياد في ظل الانفتاح الرقمي الحاصل”.
وحول إمكانية تعويض الجانب السلبي للهواتف الذكية وأثره المدمر على الجيل الحالي، عن طريق تحويل اهتمام التلميذ نحو الدروس المدرسية الرقمية، يقول سعدي: “من أبرز مهام الأستاذ داخل القسم هو تقديم الدروس حضوريا”.
أما رقمنة الدروس، بحسب تعبيره، فإنها لا تدخل ضمن هذه المهام، التي يمكن أن يتحصل عليها التلميذ من مصادر أخرى، مثل دروس الدعم الرقمية أو عبر اجتهاده الشخصي”، لأن الاستعانة بالرقمنة في التعليم، تبقى وسيلة اختيارية من التلميذ خارج أوقات دراسته الرسمية، على حد قوله.
لابد من مرافقة وتعزيز عمل الأستاذ بالتكنولوجيات الحديثة
من جهته، يرى رئيس الجمعية الوطنية لأولياء التلاميذ، أحمد خالد في تصريح لـ”الشروق” بأن إدخال التكنولوجيات الحديثة إلى المدرسة العمومية “هو أمر مفيد جدا، في ظل التطور الرقمي الهائل الحاصل عالميا، وما رافقه من ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي كادت تعوض التفكير البشري”.
وذكر خالد، بأنه لابد من تعميم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأطوار الدراسية المختلفة “حتى يأخذ كل تلميذ حقه في تكنولوجيات الإعلام، وعلى وزارة التربية الوطنية التفكير في الموضوع مستقبلا، وطبعا شرط عدم المساس بجوهر المدرسة العمومية، وعدم المساس بمهنة التعليم النبيلة، التي لا يمكن تعويضها أبدا، وإنما لابد من مرافقة وتعزيز عمل الأستاذ بالتكنولوجيات الحديثة، بتسجيل شرح الدرس رقميا حتى يستفيد منه أيضا التلميذ الغائب عن القسم”.