الرأي

الثّبات أمام فتنة الشهوات

سلطان بركاني
  • 1132
  • 0

زماننا الذي نعيشه أيامه ولياليه، هو زمان الثورة التكنولوجية والانفتاح الإعلاميّ، وهو أيضا زمان الفتن المتلألئة في كلّ مكان والمتدفّقة من كلّ حدب وصوب.. الحرام أصبحت الطرق المؤدية إليه سالكة ومعبّدة، وعليها شياطين إنس وجنّ يزيّنونها ويشجّعون النّاس على سلوكها.. والحلال أصبحت كثير من سبله تكاد تكون خاوية وهي فوق ذلك وعرة وعليها شياطين إنس وجنّ يصدّون عنها! أصبح من يطلب الحلال يتعب وينصب ويطول انتظاره للوصول إليه والظّفر به.. بينما يظفر من يطلب الحرام بمبتغاه سريعا من دون أيّ تعب أو مشقّة!
في زمان مضى، كان النّاس متقاربين في مستواهم المعيشيّ، وما كان بينهم كبير تفاوت، ولم يكن المال فتنة كبيرة للنّاس.. أمّا في زماننا هذا فقد تكاثرت طرق الحصوص على المال، وزيّن الشّيطان للنّاس سبل تحصيله من الحرام، وساد التفاوت بين النّاس، وأمسى المال فتنة عظيمة لكثر من المسلمين فضلا عن غيرهم. وصدق في حقّ كثير منهم ما أخبر النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بحصوله حين قال: “لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرام”.
في زمان مضى، كان الأب لا يجد أيّ صعوبة في تربية أبنائه على الدين القويم والخلق الحسن، ويعينه على ذلك الجار والقريب والمعلّم. أمّا في زماننا هذا، فإنّ الأب يجد صعوبة بالغة في تربية ابنائه، لأنّ الظّروف من حوله لا تعينه ولا تسعفه، بل ربّما تهدم له ما يبنيه وتجتثّ له ما يغرسه!
في زمان مضى كان التبرّج نادرا وله حدوده، وكان الرّجل قلّما يرى امرأة متبرّجة؛ فلم تكن فتنة الشّهوات عظيمة.. أما في زماننا هذا فقد أشرع باب التنافس على المظاهر بين النّساء وصارت المظاهر هي الميزان الأوحد للتمايز والتفاضل والتفاخر، وانتشر التبرّج والعري بصورة لم تعرف الأمّة لها نظيرا.. ولو كانت الفتنة بما يُرى في الواقع ما هان الأمر ولكانت فتنة عظيمة، كيف وقد زاد الطّين بلة فتنة الإنترنت والمواقع التي سهّلت رؤية الحرام والوصول إليه، وأصبحت هذه الهواتف التي لا تكاد تتركها الأيدي وتفارقها الأنامل إلا قليلا، فتنة عظيمة لكثير من الشّباب وحتى بعض الكهول والشيوخ والأطفال!
كانت فرصة عظيمة أن نصبغ الإنترنت ومواقع التواصل بصبغة ديننا وقيمنا وأخلاقنا ونسخّرها في خدمة ديننا وأمتنا وفي تعليم وتثقيف أنفسنا، وقد أحسن كثير من شباب الأمّة وفتياتها ورجالها ونسائها استثمار هذه المنحة فنالوا خيرا كثيرا، وفقهم الله وثبّتهم وجزاهم خيرا.. ولكن في المقابل كم من شباب وفتيات ورجال ونساء ما رأوا من الإنترنت ومواقع التواصل غير جانبها المظلم! وأصبحوا وأمسوا بسببها عبيدا للشهوات والتفاهات! كم من شباب يعيشون الآن على هامش الحياة لا شغل لهم ولا عمل ولا همّ غير همّ الشهوات والتفاهات! عليها يصبحون وعليها يمسون وعليها يبيتون! بل كم من أزواج أغناهم الله بالحلال ولكنّهم أضاعوا دينهم ودنياهم وتركوا الحلال وأقبلوا على الحرام، وتحوّلت حياتهم مع زوجاتهم من الودّ والاحترام والسكينة والوئام، إلى الخلاف والخصام، بسبب الهواتف والإنترنت ومواقع التواصل! يزهّد الشيطان الزّوج في الحلال ويغمض بصره عن زوجته ويغريه بالتطلّع إلى النّساء على المواقع، وقد يصل به الأمر إلى التربّص بزوجات وحرمات إخوانه المسلمين من حوله، أو يغريه بدخول مستنقعات القذارة والإباحية ويزهّده في الحلال ويبغضه إليه!
لقد أصبحنا وأمسينا وبتنا نعيش فتنة هوجاء ماحقة للدّنيا حالقة للدّين، وما عاد ينفع أن نلمّح أو نورّي.. كثير من المسلمين ما عاد يربطهم بالدّين غير خيط رفيع، بسبب فتنة الهواتف والمواقع والإنترنت! ومنهم من يصلّون الجمعات في المساجد، لكنّ لقلوبهم شأنا آخر، الواحد منهم لا يتحمّل سماع القرآن ولا طول الوقوف في الصّلاة ولا يصبر لسماع خطبة أو درس.. القلب مغلّف تماما، ولو أنّ أحدهم علم أنّ ملك الموت سيزوره بعد ساعة فربّما ما استطاع عن حاله تحولا.. ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون)).. قال الحسن البصريّ –رحمه الله-: “هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب”.

في أزمنة مضت، كانت ذنوب الخلوات قلّما تتيسّر للعبد حتى وإن حدّثته نفسه بها وأرادها.. لكنّنا في زماننا هذا تيسّرت لنا أسباب ذنوب الخلوات، وهي فتنة عظيمة وجليلة وخطيرة.. وكم من عباد مسلمين كانوا على خير وصلاح، أغراهم الشّيطان بفتنة الهاتف؛ نظرة أعقبتها نظرة، ورسالة تبعتها رسالة، حتى وصلوا إلى درك ما كانوا يتصوّرون أن يصلوا إليه. وحتى أبدلوا الصّلوات بالشهوات، والنظر في المصاحف بالنظر إلى القاذورات!
الفتنة عظيمة وخطيرة. والثّابتون أمامها هم القابضون على الجمر، الذين قال عنهم النبيّ -صلى اللـه عليه وسلم-: “ليأتينَّ على الناس زمان، المتمسك بدينه كالقابض على الجمر” [رواه الترمذي].

مقالات ذات صلة