الرأي

الجذر التربيعي للاسلاموفوبيا

عمار يزلي
  • 765
  • 0

أمام الخطاب اليميني المتطرف في فرنسا إزاء ما يحدث تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة، أنشر هنا نصّا ترجمته للمثقف الفرنسي “باسكال بونيفاس” في ترجمتي لكتابه “المثقفون المغالطون”. هذا النص يكفي لفهم جذور الاسلاموفوبيا في فرنسا.

“.. بمناسبة انتخاب باراك أوباما للرئاسة الأمريكية في 2008، أنجز سبر آراء لحساب “جورنال دوديمانش”، لمعرفة ما إذا كان الفرنسيون مستعدّين لاختيار رئيس منحدر من الأقليات العرقية. السؤال كان: هل يمكن في يوم من الأيام أن تصوِّت في الانتخابات الرئاسية لصالح مرشَّح أسود؟«. 80% أجابوا إيجابيا: »مرشح من أصل آسيوي«، 72% و58% فقط من أجل مرشح من أصل مغاربي. بالتأكيد، يمكننا في هذه الأثناء أن نلاحظ ما إذا كان الفرنسيون يعبّرون عن ارتياح بالنسبة إلى التنوع، مع ذلك هناك اختلافٌ مهمّ بين السود والآسيويين من جهة، والمغاربيين من جهة ثانية. مع ذلك يشكّل المغاربيون موضوع شبهة ورفض ملحوظين. هذا ليس جديدا، ولم يبدأ فقط من تاريخ 11 سبتمبر2001؛ ففي أكتوبر 1988، نشرت “لوفيغارو ماغازين” في أحد أعدادها هذا العنوان: »هل سنبقى فرنسيين في الثلاثين سنة القادمة؟«، مع صورة لـ”ماريان” (لوحة دي لا كروا) تضع الخمار الإسلامي. في 5 جانفي 2011، نُشر سبرٌ  آخر للآراء في “لوموند” يوضح فيه أن 40% من الفرنسيين يرون في الإسلام تهديدا.

بالتأكيد، فإن الإرث الاستعماري هو أول عنصر لتفسير ذلك. هذه الشعوب قد تم غزوُها، اعتبرت منحطّة وعوملت على هذا الأساس بغية إعطاء الشرعية للاستعمار.

ولأن الاستعمار كان مؤلما، خاصّة مع حرب الجزائر، فقد ترك نُدبا أخرى. انتصار جبهة التحرير الوطني، الترحيل السريع والقسري للفرنسيين الذين كانوا يعيشون في الجزائر نحو فرنسا، مع مستوى العنف الذي حصل خلال حرب التحرير، يفسّر كيف أضيفت العداوة عند البعض إلى التحقير. كما أن الهجرة المغاربية بعد حرب الجزائر جاءت لتنشِّط فكرة “جاءوا ليأخذوا رزقنا”. وعليه، فقد غذّت المنافسة من أجل وظائف العمل الأقل تأهيلا، غذت عنصرية شعبية.

لقد قيل كثيرا إن العرب الحاضرين فيزيقيا في فرنسا منذ جيلين أو ثلاثة أجيال، أنهم لم يتمكنوا من الاندماج، لأنهم مسلمون، بخلاف موجات الهجرة السابقة القادمة من إسبانيا وإيطاليا وبولونيا إلخ… فإذا كان التشخيص مضبوطا، فهناك خطأ حول أسباب الظاهرة. التفسير ليس دينيا وعرقيا، بل اجتماعي؛ فقد تحمل أجيال المهاجرين السابقين صدمتي الرفض والعنصرية، قبل أن يندمجوا خلال عقد أو عقدين بفضل المدرسة والعمل، ثم إن موجة الهجرة الإسلامية، قد وصلت إبان انفجار البطالة، حينها كانت آلة الإدماج قد فسدت، ومنه كانت محاولة البعض تحويل القضايا الاجتماعية إلى مسبِّبات عرقية.

السقف الزجاجي موجود في أعلى السلم الاجتماعي، للنواب ورؤساء الشركات والموظفين السامين. الاندماج الذي هو في طريق النجاح، يقتضي جهودا جديدة. الشباب العربي ينجح أكثر فأكثر في دراسته، اندمجوا مهنيا بشكل جيد جدا، واضطلعوا في هدوء بمكانتهم في مجتمعهم. هناك أطباء أكثر فأكثر ومحامون عرب ومسلمون. نجاح أخاف الذين يرون أن منافسة جديدة قد وصلت.

تصريحات “مارين لوبان” في ديسمبر 2010  التي تشبِّه فيها صلاة المسلمين في الشارع، بـ”الاحتلال النازي” إبان الحرب العالمية الثانية، أحدثت استياءً، لكنها كلها تدخل ضمن موقف واحد، فـ”مارين لوبان” هنا، أبعد من أن تكون الوحيدة التي تتبنى خطاب الإقصاء أو التشكيك تجاه المسلمين.

ولأن اليسار كان استعماريا، والحجج المرتبطة بالحقبة الاستعمارية وفي تصفية الاستعمار، هي في معظمها اليوم محسوبة على اليمين، فلكي يتم التعامل مع رأي اليسار من أجل تقبّل فكرة أن العرب المسلمين يشكّلون تهديدا، يجب أن يعزف على أوتار أخرى. ذلك أن تهمة تقويض حرية المرأة ومبدأ الدفاع عن العلمانية، سيمكِّنها حينئذ من تطوير خطاب مناهض للإسلام يكون صحيحا سياسيا ومقبولا من قِبل جزء من رأي اليسار العامّ. إلا أن الدفاع عن العلمانية هنا في هذه الحالة، سينزلق أحيانا نحو الدفاع عن هوية يهودية مسيحية يقصى منها المسلمون.

فسح المجال أمام “الأحاسيسية”، سوف يجسِّد المسلم في صورة “إرهابي” على المستوى العالمي و”منحرف” على المستوى الداخلى. طبعا، ومن أجل تجنب التعرُّض للانتقاد والوقوع تحت طائل تهمة العنصرية، يصرحون عادة بوجوب التمييز بين المسلمين المعتدلين والمسلمين المتطرّفين.

لكن هذا التمييز ليس سوى ذر للرماد في الأعين، فالمسلمون في عمومهم هم مسلمون معتدلون. ولكي تعتَبر مسلما معتدلا في فرنسا، على المسلم ألا يكون شديد الاحترام للتعاليم الإسلامية، وأن لا يكون على الأرجح مؤمنا. الصلاة والصوم، يعتبران دليلين على “التطرّف الديني”!

مقالات ذات صلة