الجزائريون لا يريدون مسيرات بالـ”تيلي كوموند” والوقت بدل الضائع
المسيرات المليونية المزمع تنظيمها زوال اليوم الجمعة، بقدر ما كانت فرصة لتأكيد مشاعر الجزائريين تجاه إخوانهم الفلسطينيين، بقدر ما أحزنت الكثيرين، لأنها جاءت متأخرة جدا، وسبقتها مسيرات ومظاهرات كبيرة في بلدان غير عربية ولا إسلامية ومن باب انتقاد الذات، يمكننا الاعتراف بأن موقف الجزائر حكومة وشعبا وحتى إعلاما، لم يرق إلى ما يجب أن يكون، في أحداث غزة التي تصحو وتنام على المجازر الصهيونية، ليس لأن الجزائر شابهت بقية الدول بموقفها، وإنما لأنها كانت دائما الأولى في قضية فلسطين ويجب أن تبقى، منذ أن قالها هواري بومدين ذات 1974 نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، صحيح أن تركيا وقطر وحتى إيران يلعبون السياسة غير البريئة، فتركيا مثلا لها علاقة ديبلوماسية مع الكيان الصهيوني، وغير مستعدة لقطعها، والثانية معترفة بوجود إسرائيل في مختلف تعاملاتها مع الكيان الصهيوني، وتبحث الثالثة عن مكان لشمسها، إلا أن الجزائر كان بإمكانها أن ترتقي بموقفها إلى درجة أهم.
وصراحة حتى الموقف الشعبي أيضا واهتمام الناس، كان دون المأمول، وهو لا يقارن إطلاقا باهتمام الجزائريين بمنافسة كأس العالم قبل وفي بداية شهر رمضان، ويكمن الإشكال في أن الجزائر كانت دائما في قلب الحدث منذ أن بدأ الصراع العربي الصهيوني قبل 66 سنة ليس بالقول وإنما بالفعل، فقد حذر المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي من الصهيونية في محاضرة هزت القاهرة عام 1937، وشارك الجزائريون كأفراد في حرب 1948، وردوا الجميل لمصر بعد العدوان الثلاثي عليها عام 1956 عندما تطوعوا للدفاع عنها بالرغم من أن الجزائر كانت ملتهبة بالثورة التحريرية، وشاركوا دولة وجيشا نظاميا، بالنفس والنفيس في حربي 1967 و1973 وما بينهما من حرب استنزاف، وللجزائر العشرات من الشهداء الذين توفوا في مصر وعلى أرض فلسطين وكان الجزائريون في كل الحروب التي يشمون فيها الرائحة الصهيونية، يعربون عن استعدادهم للمشاركة كجنود في لبنان وفي فلسطين، وحتى في صفوف جيش صدام حسين عندما أرسل صواريخه على تل أبيب، وعرض جزائريون أنفسهم على حزب الله للمشاركة في حرب تموز عام 2006 ولكن هذا الاهتمام الشعبي المتقطع وعدم خذلان النظام الجزائري الذي رفض دائما التطبيع مع إسرائيل وقاطع في فترة من الفترات حتى الذين طبعوا، حيث قادت الجزائر جبهة الصمود والتصدي رفقة ليبيا وسوريا واليمن الجنوبية منذ أن قام الرئيس المصري السابق أنور السادات بالإمضاء على معاهدة كامب ديفيد، ولكن في الفترة الأخيرة فقدت الجزائر موقعها الريادي في القضية في الوقت الذي تقوم إيران من جهة وقطر وتركيا من جهة أخرى بمحاولة القيام بعملية تبييض الصورة بمواقف إنسانية بعضها في منتهى العنترية، أمام العالم دفاعا عن غزة، وما زاد في ضبابية الموقف، أن الجزائر من الدول العربية القليلة التي تعيش استقرارا أمنيا فتونس ومصر مثلا غارقتان في مشاكل أمنية وسوريا والعراق أصبحتا مغلوبتين على أمرهما وتعيش ليبيا في الفترة الأخيرة ما يشبه الحرب الأهلية وتقطّع الأزمة الاقتصادية المغرب واليمن والسودان والأردن، ومع ذلك لم تستغل الجزائر الفرصة حتى تكون مع فلسطين المظلومة، كما يجب أن تكون، وتمنينا أن تنقل فضائيات العالم مسيراتنا قبل مسيرات لندن وبرلين ولشبونة، ولكن كما يقول المثل الغربي “أن تصل متأخرا أحسن من أن لا تصل إطلاقا”.