الجزائريون يحضّرون لـ”بريكول” الانتخابات
تعرف سوق العقار هذه الأيام حراكا ولكن ليس عن طريق الوكالات العقارية بل عن طريق سماسرة الأحياء السكنية، يحجزون بـ”العربون” محلات وشققا وحتى برارك في الأحياء الشعبية لتأجيرها للأحزاب السياسية وأصحاب القوائم الانتخابية الحرة لإدارة حملتهم في الانتخابات التشريعية المقبلة.
هذا هو أكبر “بريكول” يستفيد منه أغلب المواطنين الذين يملكون مساكن أو محلات تجارية أو بيوتا قصديرية في الأحياء الشعبية، يقومون بتأجيرها في كل موعد انتخابي لمختلف الاحزاب السياسية الكبيرة والصغيرة، لكن هذه المرة سيكون الأمر مختلفا ومنتعشا نظرا للعدد الخيالي للأحزاب السياسية التي تستعد لدخول الانتخابات التشريعية، رفقة مئات المترشحين في القوائم الحرة والتي يتطلب طلب قائمة استئجار مقرات مداومة وأخرى لتنشيط الحملة الانتخابية في كبرى الدوائر والبلديات، فمع كل موعد انتخابي تنقلب السياسة إلى تجارة وتتحول المحلات والبيوت والشقق وأقبية العمارات ومحلات الرئيس و”التاكسي فون” والفاست فود والمواد الغذائية ومحلات “الشيفون” وحلاقة النساء وغيرها إلى مكاتب للحملة الانتخابية تعلق فيها صور المرشحين والأحزاب وتتعالى منها النشيد الوطني والأغاني الوطنية ويتردد عليها كل من له مصلحة وراء فوز هؤلاء، ويتقاضى أصحاب هذه المحلات مبالغ مالية معتبرة تدفع مسبقا ليضمن المواطنون حقهم سواء فاز المستأجر أم خسر الانتخابات.
ويعرض هذه الايام آلاف المواطنين عبر كامل تراب الوطن عقاراتهم الراقية في حيدرة والمرادية وبن عكنون والابيار أمام أكبر الاحزاب السياسية التي تدفع مقابل ثلاثة أسابيع من الحملة الانتخابية 10 ملايين سنتيم للمقر الواحد لا يتجاوز مساحته 30 مترا مربعا، وأحزاب تستأجر في قلب الجزائر العاصمة مقرات بين 10 الى 15 مليون سنتيم، ونظرا لعدم وفرة العقار وندرته تؤجر عائلات جزائرية منازلها للحملة الانتخابية مقابل بعض المال أو الدخل “الاضافي”، ففي شارع ديدوش، والعربي بن مهيدي تم الحجز فيه قبل الانتخابات بشهرين من طرف عدد من الأحزاب حسب الوكالات العقارية، وقالت مديرة إحدى الوكالات العقارية إنها تلقت عرضا لتأجير عدة مقرات بشكل مكاتب في هذة الفترة ويحبذ ملاكها أن تكون موجهة لأحزاب سياسية معتمدة حديثا .
ويستغل الجزائريون الانتخابات كمصدر رزق يحصلون على بعض المال من تأجير أملاكهم مهما كانت مساحتها أو موقعها سواء في الأحياء الراقية أو الفقيرة. وتعد الأحياء الشعبية المكتظة والآهلة بالسكان والبطالين الأكثر إقبالا من طرف الاحزاب لإلقاء خطبهم السياسية بما فيها الأرندي والأفلان وحمس والإصلاح والقوائم الجديدة التي لم يضبط عددها بعد.
صاحب دكان: أنا لا أساند أي حزب والمحل لمن يدفع أكثر
ويعرض تجار وسكان في باب الوادي والحراش وبوروبة وكل الأحياء الشعبية مقرات ومستودعات ودكاكين وأكشاك وغرفا داخل منازلهم للإيجار خلال الحملات الانتخابية ويجرون اتصالات بسماسرة ومناضلين لإيجاد حزب يؤجرون له جزءا من بيوتهم ومحلاتهم خلال الحملة الانتخابية، وبدأ التحضير قبل الانتخابات بأكثر من شهرين، يقول أحد المواطنين في باب الوادي أنه يؤجر محله الذي لا يتجاوز 20 مترا في كل موعد انتخابي بـ3 ملايين سنتيم لمدة شهر واحد، وسبق وأن أجره في الانتخابات الرئاسية في 2004 و2009 للجان مساندة الرئيس، ويستعد لتأجيره لمن يدفع أكثر ويقول لست مناضلا في أي حزب ولا أساند أي حزب “أنا مع من يدفع أكثر”.
أما في بوروبة والحراش فتستأجر الأحزاب السياسية مقرات قديمة وفي أحياء فقيرة وشعبية قريبة من سوق الماشية، وهي مقرات تستأجرها أحزاب معروفة لها مكاتب دائمة خاصة بنشاطها السياسي، لكنها توسع تواجدها خلال الحملة الانتخابية القادمة، في كل الأحياء والشوارع.
نفس الاحزاب المعروفة الكبيرة في الساحة السياسية كما تستأجر في حيدرة وبن عكنون والمرادية، تستأجر “برارك” في ديار الشمس بالمدنية وهو من أكبر الأحياء الشعبية التي سعت الحكومة الى ترحيل سكانه إلى سكنات لائقة في الآونة الأخيرة، وتعد أحياء “ديار المحصول” نموذجا لـ”البريكول” فتتحول هذه المنطقة كلها الى مكاتب للحملة الانتحابية حيث يتم تأجير “البراكة” بمليون سنتيم.
وعلى الرغم من ترحيل المئات من سكان ديار الشمس وديار المحصول إلا أن ما بقي من هذه الأحياء الشعبية يستعد لأن “يحيى” مع الانتخابات القادمة برفع أجر “البراكة” إلى 15 ألف دينار لكل حزب أو قائمة حرة، يقول أحد سكان أحياء المدنية، “عليكم أن تزوروا المدنية خلال الانتخابات بعد أن تفتح عشرات المكاتب في هذا الحي القديم، فمن لديه أربعة جدران وسقف يؤجره، فالطلب كبير على هذا الحي الشعبي، فخلال الانتخابات الماضية، كل المرشحين والأحزاب استأجروا مقرات للحملة الانتخابية بـ”ديار المحصول” مقابل 7000 دينار للمقر الواحد الذي لا تتعدى مساحته أربعة متر مربع يتسع لمكتب وكرسي فقط تعلق فيه صور المرشحين ويتردد عليه بعض المناضلين والمساندين والآملين في أن تتغير وضعياتهم بعد كل موعد انتخابي، فهناك سماسرة متخصصون في عرض هذه المقرات للإيجار خصيصا في الحملات الانتخابية .
ويتهافت الطلب أيضا حسب الوكالات العقارية على المقرات الشاغرة وسط التجمعات السكانية والمدن العمرانية الجديدة كأحياء عدل بباب الزوار، وحي مختار زرهوني بمقاطعة الدار البيضاء وحي عدل بـ “السبالة” حيث يوجد من 1000 الى 1500 سكن، وهي المقرات التي تم تأجيرها من طرف لجان مساندة الرئيس في تنشيط الحملة الانتخابية في الرئاسيات الماضية.
وعلى غرار المواعيد الانتخابية السابقة فإن تشريعيات ماي القادم ستكون أكثر زخما بالقوائم والأحزاب التي ستفوق الخمسين تتنافس على مقاعد البرلمان، حيث بدأ التحضير من خلال حجز العقارات والمحلات في المناطق الاستراتيجية والمعروفة بالحركية الانتخابية، كما ستكون فرصة كبيرة لآلاف الجزائريين ليقتاتوا من هذا الموعد، من خلال تأجير ممتلكاتهم العقارية بكل مستوياتها من الفلات الى البيوت القصديرية.
في المقابل هناك أحياء مثلا لم تعرف تأجير أي مقر لأي حزب سياسي كحي البدر بباش جراح حسب ما أكده لنا أقدم سكان الحي، قائلا إن لا أحد يؤجر مقرا لممارسة السياسة في هذا الحي على الرغم من محاولة بعض الأحزاب دون أن يشرح لنا الأسباب.