الجزائريون يصرّون على دفن موتاهم في الضحى والخبازون يعملون بعد التراويح
تميّز نهار الخميس، ببلوغ الحرارة درجات قياسية خاصة في المناطق الداخلية الغربية، ولأنه صادف اليوم الثاني من شهر رمضان، فإن ما يشبه حالة الطوارئ أعلنها الكثير من الجزائريين تحضيرا للنصف الثاني من جويلية وأيام أوت الأولى، بعد أن ابتعدت الدولة نهائيا عن الاجتهاد، لأجل تقديم برامج تتماشى مع موسم الحر كما هو حاصل في أوروبا من خلال تطبيق توقيت صيفي خاص، أو كما يحدث في الشرق الأوسط، حيث يعيش نصف المجتمع ليلا والنصف الآخر في النهار، من خلال فتح البنوك والأسواق ومراكز البريد وغيرها من الوزارات إلى غاية الفجر، والدليل على ذلك أن الكثير من العمال اختاروا بداية شهر جويلية ليحصلوا على عطلتهم السنوية، التي تزامنت مع شهر الصيام.
ولحسن الحظ لم تشهد لحد الآن غابات الجزائر الحرائق التي شهدتها في رمضان 2012 وهو ما جعل عناصر الحماية المدنية بعيدون عن التدخل لإخماد النيران، التي لم تصل بعد ألسنتها للغابات، خاصة أنه من العادة أن لا تكون الغابات عرضة للحرائق في منتصف شهر جويلية الأول، وهم في حالة طوارئ ليس بسبب النيران وإنما بسبب الحرارة التي تبلغ أقصى درجاتها إذا اندلعت النيران المحتملة في الغابات، رغم أن لباس رجل الإطفاء واق ضد الحرارة، إذا كان هذا حال رجال الحماية المدنية، فإن رجال الأمن الذين لوحظ تواجدهم القوي خاصة في الليلة الأولى في كل المدن، والدرك الوطني، مجبرون على التواجد بقوة في الطرقات وأحيانا تحت لهيب نار لا تقل فيها درجة الحرارة عن الخمسين، إذ لا يمكن السياقة للمواطن البسيط من دون مكيِّفات، ولا يمكن البقاء في الشارع ولو لدقيقة واحدة، فما بالك وقوفا لعدة ساعات وبلباس ساخن فيه أيضا واقي السلاح، أو ما يسمى بـ”جيلي أونتي بال”.
والغريب أن التواجد الكثيف لرجال الدرك الوطني لا يصاحبه المصحات المتنقلة، خاصة أن بعضهم قد يصاب بضربات شمس قاتلة ويكون التواجد على مسافة بعيدة عن أقرب مصحة لتلك المنطقة، ويتسابق رجال الدرك لأجل الحصول على عطلهم السنوية خلال شهر رمضان المعظم المتزامن مع ثلثي جويلية الأخيرة والثلث الأول من شهر أوت، ولكن لضرورات أمنية خالصة عادة ما تُرفض طلباتهم مع استثناءات ذات بعد اجتماعي وإنساني وصحي، وهم عكس المهنيين والحرفيين وأصحاب المتاجر من الخواص الذين يحلّون مشاكلهم مع الحرارة القياسية بطرقهم الخاصة، كأن لا يصنع الخباز منتوجه في منتصف النهار، بل يباشر العمل في الأفران النارية ليلا، في جو منعش أو مقبول الحرارة ويبيع منتوجه في الحرارة الكبرى وهم يختارون فترة ما بعد صلاة التراويح، وعموما صار الفرّانون يعتبرون عملهم الصيفي وخلال شهر الصيام في جويلية أو أوت بالجهاد الأكبر والتضحية من أجل المواطنين.
ويبقى تواجد عمال نفطال الذين يزوّدون المواطنين من دون انقطاع بوقود المرْكبات بعد أن انفرجت أزمة المازوت والبنزين قبل رمضان، هو الأمر الغريب لأن مؤسسات نفطال التابعة للدولة من المفروض أن تمتلك الإمكانيات، لأجل تغطية المحطات كما يفعل الخواص، ولكنها لا تفعل سواء في الشتاء الماطر أو حرارة جويلية وأوت القاتلة ولا يجد العامل البسيط سوى ارتداء قبعة ليقي رأسه من خبطة الخمسين درجة تحت أشعة الشمس، ويتساءل عمال نفطال: كيف لشركتهم القدرة على مضاعفة الإنتاج في رمضان 2013 ولا تقدم لهم خدمة وقايتهم من حرّ الصيف، أما عمال المناجم خاصة في الونزة بولاية تبسة، فقد تعوّدت إدارة المؤسسة على مساعدة عمالها بتسريحهم كلما ارتفعت الحرارة، وبلغت أرقاما غير مسبوقة، ناهيك عن الموافقة على منحهم عطلهم في زمن الصيف، رغم أن ظروف العمل في المناجم قد تغيرت مقارنة بسابق عهدها.
وإذا كان الجزائريون متعوّدين على دفن موتاهم في الظهيرة بعد صلاة الظهر أو حتى بعد صلاة العصر، حيث لا تنزل درجة الحرارة عن أقوى أرقامها، رغم شرعية الدفن في أوقات أخرى، إلا أن الجزائريين يسيرون على طريقة العادات القيمة، فإن حفاري القبور يعيشون الجحيم، حيث أخطرونا بأنهم يعانون في الصيف ويفرّون بجلدهم، خاصة أن مرتباتهم دون 25000 دج شهريا، وهم تابعون للبلديات، وتكمن صعوبة العمل في كون الأرض تصبح جافة وأحيانا يقضي الحفار قرابة الثلاث ساعات في حفر القبر تحت الشمس الحارقة وأحيانا يهاجم من طرف العقارب والأفاعي بالخصوص، وهو ما يجعل مهنة حفر القبور الأصعب على الإطلاق في مثل هذه الحرارة العالية، كما أن عمال البلدية البسطاء لا تمنحهم البلديات أي امتياز في الصيف عندما تدفعهم للحفر.
وربما الزبالون أحسن حالا من هؤلاء، حيث يعملون ليلا والكناسون صباحا، مما يعني نجاتهم من لهيب منتصف النهار، ولحسن حظ الحصادين أن مرحلة الحصاد قد انتهت، رغم أن الفلاحين بصدد جني منتوج الطماطم والسلطة والبطيخ ومختلف الفواكه المطلوبون لأكلات رمضان، لكن عزاءهم أن العمل في النار يمنحهم جنة مالية منعشة ستمكنهم من اقتناء سيارات ومكيفات في المستقبل القريب..
والغريب أنه بالرغم من أن الحرارة التي تهدد حياة الناس والحيوانات والنباتات بالموت فإن البعوض وحده من تمكن من الصمود والحياة، حيث تكاثر بقوة هذا العام وعاث في أبدان المواطنين لسعا فمنعهم من نعمة النوم والراحة، يحدث هذا التغير الجوي الذي حذرت منه جميع المنظمات العالمية وحتى المنظمة العالمية للصحة والمنظمات الفلاحية أمام صمت رهيب للدولة الجزائرية التي من المفروض أن تتعامل مع الحرارة الجديدة المصادفة للصيام.
وأمام التحديات التي تنتظرها بأسلوب جديد، حتى لا يصبح الصيف موعدا لبيات صيفي وأن تأخذ من الدول المتوسطية التي تمكّن بعضها مثل مصر واليونان وتركيا ومالطا من تحويل الليل إلى نهار، عبر فتح المرافق العمومية والأسواق ليلا حتى تمنح للمواطنين حق التسوق واستخراج وثائقهم وغيرها من الضروريات التي لا يمكن القيام بها في أيام شهري جويلية وأوت خاصة في شهر الصيام والقيام، وفي الوقت الذي لا تقوم فيه الدولة بمجابهة الحرارة، يقوم المواطنون بمقاومة اجتهادية خاصة، حيث أصبحت المكيفات أمرا واقعا، ويوجد من الجزائريين من يعيش في عالم مكيّف طوال شهر الصيام، فهو يعمل في متجر أو إدارة مكيفة ويتنقل عبر سيارة مكيفة، ويقطن في بيت مكيّف، وحتى المسجد الذي يختاره لأداء صلاة التراويح يكون مكيفا.
وفي غياب أي محاربة للبعوض، حيث ترفض غالبية البلديات محاربة البعوض منذ تفقيس بيضه في فصل الربيع حتى تبزنس مع الخواص المكلفين بنفخ المبيدات، صار لكل مواطن طريقته في محاربة البعوض، لأن عدم تمكن الأفراد من النوم، سيجعل من صوم النهار صعبا.
وخلافا للأحياء العتيقة في المدن الكبرى التي تمنح الانتعاش لساكنيه وعابري سُبلها الضيقة، فإن المدن الجديدة والأحياء الحديثة تتواجد في العراء في غياب الغطاء النباتي، وهي أشبه بالصحراء القاحلة، ويبقى الهروب من المدن الساخنة غير ممكن حيث أن غالبية الجزائريين يحبذون الصوم في منازلهم حتى ولو بلغت درجة الحرارة أرقاما قياسية، وجميعهم رفضوا المغريات التي قدمتها لهم المركبات السياحية التونسية التي وفرت لهم أجواء رمضانية وسياحية خاصة في أجواء منعشة بغرف مكيفة تطل على شاطئ البحر، وأثمان في متناول الجميع، ولكنهم رفضوها جملة وتفصيلا وقاوموا لوحدهم حرارة الجو من أجل البقاء في الوطن.