الجزائر: الدولة ضد الأمة
لطالما حذّر المفكرون وعلماء السياسة والاجتماع والتاريخ من خطورة الفصام المتواجد بين القمة والقاعدة في المجتمعات العربية، لأن اتساع الهوة بين الحكام والمحكومين لا يؤدي إلا إلى إحلال الفوضى بدل النظام
-
والعداء بدل المصالحة، حيث تتموقع خيارات المسؤولين في موقع النقيض مع خيارات الشعب الذي يضطر في كل الأحوال إلى تحمّل الأخطاء التي يقع فيها حكّامه.
-
هذه المأساة كتب عنها الدكتور برهان غليون قبل سنوات كتابه “المحنة العربية: الدولة ضد الأمة”، كما عبّرت عن بعض فصولها السيدة لويزة حنون في ندوتها الصحفية، عندما اعتبرت أن “المجلس الشعبي الوطني أصبح خطرا على الأمة”، لأن “نوّاب الشعب” صاروا يزكّون القوانين التي تضرّ الشعب بدلا من الدفاع عن مصالحه.
-
الجزائر تعيش اليوم هذا الوضع المأساوي، حيث أضحت الدولة في جهة، والأمة في جهة أخرى، وأصبح الشعب المسكين يحتل المرتبة الأخيرة في قائمة اهتمامات المسؤولين، ويُكلّف بدفع فاتورة الأخطاء التي يرتكبونها هم بقرارات ارتجالية أو انفرادية أو تعسفية، ودون استشارته في ذلك.
-
المواطن الجزائري يفقد، تدريجيا، الثقة في مؤسساته، لاسيما وأنه يرى أن سنوات الثراء التي حظيت بها الجزائر بسبب الطفرة النفطية لم تشفع له في الظفر بحياة كريمة لائقة، وهاهو اليوم يسمع خطابا تحذيريا من تداعيات الأزمة المالية العالمية على الجزائر، والتي كسرت أسعار النفط ونزلت به إلى مستويات منخفضة، في سياق تحضير نفسي لكي يدفع الفاتورة المقبلة، والله وحده يعلم ما هو ثمنها.
-
من حق الجزائري أن يتساءل عن هذا الفشل الذريع الذي يربط الرّعاة بالرّعية، وكيف يُجنَّد اليوم ليتحمل نتائج انخفاض الأسهم النفطية، وهو الذي لم يستفد يوما من ارتفاعها: فمشاكله وهمومه مع غنى الجزائر توازي أو تزيد عن مشاكله وهمومه مع فقرها المحتمل، وهو مع ذلك لا يجد من يدافع عن مصالحه سوى حفنة من الأحزاب التي تقايض مستقبله بصوته الانتخابي، فتبيعه وعودا مؤجلة إلى حملة انتخابية أخرى.
-
مأساتنا اليوم أن تتحول الدولة ضد الأمة في الجزائر، وذلك لأن المسؤولين يُجهزون على “الإنسان” داخل المواطن، فتتلاشى روح الوطنية والمواطنة، وتتحول الأمة إلى أفراد لا تتحقق مصالح بعضهم إلا بالقضاء على البعض الآخر، وعندها.. لن تبقى في هذه الجدلية لا أمة ولا دولة ولا مواطن.. فمن سيحل هذه المعادلة القاتمة؟