الجزائر
اعترافات سفيرها السابق تعرّي العقلية الاستعمارية

الجزائر بالنسبة لفرنسا شأن داخليّ وليس دبلوماسيّا!

محمد مسلم
  • 5615
  • 1
أرشيف
السفير الفرنسي السابق، كسافيي دريانكور

يروي السفير الفرنسي السابق، كسافيي دريانكور، حساسية العلاقة بين الجزائر ومستعمرتها السابقة، إلى درجة أنها تدفع كل من يكتب مذكراته ويتعرض فيها إلى هذا البلد، إلى التفكير مسبقا في مآلات ما قد يصدر عنه من عبارات وكلمات.

وعبر دريانكور في مذكراته، والتي عنونها بـ”اللغز الجزائري: أوراق سفارة في الجزائر”، عما اكتنفه وهو يسطر أولى كلمات كتابه: “كل ما يُكتب عن الجزائر، لا سيما في باريس، والذي يمكن إلى حد ما، ألا يكون منسجمًا مع ما يقال في الجزائر، هو مشتبه به مسبقا”.

السفير السابق وقبل أن يقرر تدوين مذكراته عن المهمة التي أنجزها في الجزائر كسفير لمدة قاربت العشر سنوات، وقال إنه فكر مليا وقرأ العواقب جيدا: “أتوقع أنه سيتم تحليل هذه الذكريات القليلة والملاحظات التالية والتعليق عليها وانتقادها بلا شك، في الجزائر، وفق ما جاء في مقتطفات من الكتاب الذي نشرته دار “أوبسيرفاتوار”.

وقد يصل الأمر حد استدعاء السفير الفرنسي على خلفية مذكرات صادرة عن سفير سابق، وفي ما كتبه “قد يتم استدعاء السفير الفرنسي، وسيسأل عما إذا كانت فرنسا هي التي تتحدث من خلال السفير السابق، وسيتم إطلاق العنان للصحافة وسيتم تنشيط شبكات التواصل الاجتماعي”، وذلك رغم أن هذه المذكرات لم تُلزم السلطات الفرنسية، بل تلزم كاتبها دون سواه.

وفي هذا الصدد، استحضر الدبلوماسي الفرنسي ردود الفعل التي أحدثتها مذكرات سفير فرنسا الأسبق بالجزائر، بيرنار باجولي، والعبارات القليلة المأخوذة من كتابه، والتي أخرجت من سياقها وتم إلباسها قراءات أخرى في غير محلها، وذلك رغم أنه تحدث عن شجاعة الجزائريين ولطفهم وكفاحهم ومثابرتهم، عندما قال: “لقد أظهروا ذلك أيضا خلال سنوات النضال الطويلة ضد فرنسا”.

وتطرق الدبلوماسي الفرنسي إلى الفترة السياسية الصعبة التي عاشت الجزائر على وقعها إثر الجلطة الدماغية التي تعرض لها الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، وكيف أثرت على عمله كمراقب للوضع (كسفير) في بلد له أكثر من أهمية بالنسبة لفرنسا: “كنت أعرف مدى صعوبة هذا البلد، والحياة الصعبة في الجزائر، والتعقيد الكبير للغاية، بسبب الوضع السياسي الداخلي منذ السكتة الدماغية للرئيس بوتفليقة في عام 2013، وبالطبع الشعور بالوحدة الهائلة التي يعاني منها سفير فرنسي في الجزائر”.

كما تحدث أيضا عن “الحراك الشعبي” الذي اندلع في 22 فيفري 2019، والذي أطاح بالرئيس السابق، وكيف أثر على عمله، لأن السلطات الجزائرية آنذاك كانت قد طالبت بإبعاده بسبب ما تردد عن وجود علاقة له في تأزيم الوضع الداخلي.

وكشفت مذكرات السفير الفرنسي السابق بجلاء أهمية الجزائر بالنسبة لفرنسا، عندما يسجل “دون الذهاب إلى حد تناول عبارة الرئيس السابق فرانسوا ميتران في العام 1954، والتي قال فيها إن الجزائر هي فرنسا. أقول بعد قرابة ثماني سنوات قضيتها هناك (أي الجزائر)، إنها بالفعل سياسة داخلية فرنسية بقدر ما هي دبلوماسية. ذلك لأن الجزائر بالنسبة للفرنسيين لا تقل أهمية عن ألمانيا من حيث التاريخ المشترك والشراكة الاقتصادية”.

وينقل درايانكور تصريحا لموريس جوردو مونتاني، الأمين العام للسفارة عندما كان هو في الجزائر، قال فيه: “بالنسبة لفرنسا ودبلوماسيتها، كان هناك بلدان مهمّان بشكل خاص ولأسباب مختلفة بالطبع: ألمانيا والجزائر. لذلك يجب أن نكون منتبهين لعلاقاتنا مع هذين الشريكين الرئيسيين”.
وتؤكد هذه الاعترافات تجذر العقلية الكونيالية لدى الساسة الفرنسيين في علاقتهم بالجنة المفقودة، لكنها أضحت في ظل اليوم الندية التي فرضتها الجزائر أحلاما من الماضي.

مقالات ذات صلة