الجزائر في “المستكبل الكريب”!
لم أعرف كيف حصل، لأجد نفسي أعيش في المستقبل، مع أنه بدا لي أنه في الجزائر، لا مستقبل لأحد!! كنت وكنا جميعا مخطئين! فالجزائر لها مستقبل! كما كان لها ماضي، ولم يكن لها حاضر! وجدت نفسي أعيش قرنا في المستقبل أي في 2114!.
بدا لي الأمر عاديا ولكن غريبا نوعا ما! فالبلاد هي نفسها! لم تتغير بشوارعها وأزقتها وحوارييها وشعبها. كنت أنا قد عشت خلال السنوات العشرة الماضية في دولة خليجية بعدما هربت من البلاد التي لم تعطيني حقي من المكانة! مهندس تكون في المدارس والجامعة الجزائرية، ولم يجد حظا له في التوظيف سوى ضمن سياسة “إشغال الشباب” (خوفا من إشعال الحريق”)! ذهبت إلى دولة خليجية وهنا تم اعتمادي على كفاءتي، وأخذت بعد 10 سنوات الجنسية البحرينية وعدت هذه المرة بحرانيا من أصل جزائري! أي من جزيرة في البحر، إلى عرض البحر! بل إلى عرض بحرين!! والبحر على الجزائر كلها! عدت معززا مكرما لأحتل منصب مدير شركة صناعية في الجنوب! ماهيتي الشهرية تفوق شهرية والي الولاية قبل مائة سنة (راتب الوزير كان لا يعني شيئا، لأن الامتيازات الأخرى تضرب المرتب في 100 أو ألف!). لهذا، بدت لي البلاد تغيرت قليلا لكنها لم تتغير بما فيها الكفاية! كانت تبدو كما لو أن التغير قد حصل خلال 10 سنوات فقط ! مع أن التغير الذي كنت أعيش، حدث منذ 100 سنة!: لا فرق بين الأمس واليوم! ما بين القرن الماضي والقرن الحاضر! ذو القرنين لا يزال هنا! وأقراني أيضا الذين كنت أعرفهم لا يزال البعض منهم على “قيد الموت”! الكثير منهم مات وارتاح والقليل منهم من لا يزال في ريعان الكهولة! ما أخذ بلبي وسمعي وبصري، ولكنه بدا لي عاديا، هو أن البلاد تحولت إلى مملكة ديمقراطية وراثية! الملك يملك ولا يحكم! مثل بريطانيا! والذي يحكم هو الوزير الأول! لقد غيروا الدستور بعد 40 سنة، وحولوا البلاد إلى “مملكة ديمقراطية”!. نحن الآن إذن في جانفي 2114 ميلادية: والله ماراني عارف كم يعادل هجرية!..لقد نسينا الهجري! بل نسينا العربية، لأن كل الدوائر والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية وحتى العدالة، صارت الوثائق فيها والتعاملات، تكتب من اليسار إلى اليمين! الآن، إنهم يعملون على كتابة العربية الدارجة بالفرنسية لتصبح لغة رسمية. السلطة ترى أن نظام أتاترك العلماني هو خير سبيل من أجل التطور! والتطور هو أن تتنكر للغتك ولدينك وتلتحق بالغرب! لقد فرض نظام الملكية في البداية لكي يتم التعامل مع الحركات المناهضة للسلطة من شباب وحقوق إنسان وحيوان وحقوق المواطنة المسلوبة، والسكن والعمل والصحة والتعليم..بكل أشكال العنف خوفا من ربيع يأتي في الخريف أو من شتاء يأتي في الصيف! فالانفجار كان يهدد البلاد والنظام في كل لحظة! مما جعل النظام يلجأ إلى العصا بعد أن جرب سياسة “العفيون” ولم تنجح! لقد أعطى الزطلة لكل الناس، وأسكر كل عباد الله المخلصين، وأطلق الحابل على الغارب لكل من أراد أن يستغني أو يسترزق أو ينتفع بدون المساس بالمصالح العليا للبلاد التي هي الأمن السياسي والمالي! لكن مع تطور الاحتجاجات التي بدأت مع 2020، وانتهت بثورة شبه كاملة في 2030! (بعد قرنين من الاحتلال الفرنسي وبعد قرن من الثورة التحريرية!)، قمعها النظام بكل ما أوتي من قوة أمنية وعسكرية شاركت فيها فرنسا والحلف الأطلسي وقمع التمرد الشعبي وفرضت الملكية وأعلن الملك عبد العزيز الثاني ملكا مفدى للبلاد! وسك النقود والعملة الوطنية باسم عبد العزيز الأول، بعدما حذف الأمير وحذفت الحيوانات البرية من على أوراق البنك! صار القصر الملكي حاكما فيما يسير البلاد ظاهريا، رئيس وزراء على طريقة الدول الأوربية الملكية الدستورية! لكن في بلد مثل بلداننا، يستحيل أن يأخذ الملك تقاعده السياسي ويتحول إلى ديكور، فلا يزال عندنا الملك هو السلطان المعظم، على غرار بعض دول الخليج!. حدث هذا في الوقت الذي وقت فيه ثورة في كثير من الملكيات، وقلب النظام إلى نظام جمهوري! فعادة ما تجري الرياح بما لا يشتهيه الحراقة!
مائة سنة..والبلاد لا تزال هنا! بحفرها في الشوارع، وبإدارتها المضرة بالصحة، وبطباعها التي غلب عليها التطبع! وبنمط تعليمها الذي لم يعلم أحدا ولم يتعلم منه أحد.. وبسياستها الانتخابية النخبوية التي تقصى الناخب وتنتخب الإدارة محل المنتخب! الرياضة لا تزال على حالها! المنتخب الوطني لكرة القدم قد تأهل قبل أيام فقط إلى الدور الأول للتصفيات على كأس الشمال الإفريقي بعد أن تغلب على دولة البوليزاريو الشقيقة بصفر مقابل صفر! (التعادل كان يكفينا للتأهل! نحن دائما هكذا متواضعين حتى مع المتواضعين جدا!)، ونتوقع أن نلتقي مع موريتانيا حيث سيكون الماتش جد صعب ولا أحد يعتقد أننا سنمر! المدرب اليوم هو أحد أبناء عمومة القصر الملكي وكان لاعب شطرنج في غرداية!
الأحزاب المشاركة في البرلمان، تطالب بمزيد من المال والمرتب الشهري وتطالب بعهدة برلمانية رابعة وخامسة لكل عضو، أي أن يبقى النائب ما لا يقل عن عشر سنوات ليستفيد من التقاعد والامتيازات الكبيرة. الشهرية حاليا للبرلماني هي ماهية سنة كاملة للأستاذ الجامعي برتبة بروفيسور في السلم 12، أي نهاية العمر!. المعلمون والموظفون والجامعيون والأطباء، لم يستفيدوا من أي زيادة منذ قرن! أعوان الدولة من جيش وأمن وموظفي الدولة في الداخل والخارج، رأوا رواتبهم تنفجر وتنشطر إلى آلاف القطع ليتضاعف الراتب إلى ألف مرة أحيانا! مما جعل المدير المركزي في وزارة في رتبة نجيب ساويريس! والوالي برتبة ملك دولة كاللوزوطو! والمير، بمرتب ربراب!..إلا الموظف البسيط وعمال النظافة والباحثين والجامعيين والأطباء، وبعض أمثالهم ممن بقوا على السقف الأسفل للمرتبات..أما أنا، فقد نجحت لأني عدت إلى البلاد بجنسية تؤهلني لأن أكون جزائريا من الدرجة الأولى، بعد أن كنت جزائريا من الدرجة الثانية، لأني لم أكن أحمل جنسية من الدرجة الأولى!
وأفيق وقد غرقت في عرق حمى منذ أن تحممت وانقطع عني الماء فأكملت بالتيمم..هذه الحمى اللعينة وهذا الرشح، جعلني لا أعرف حتى كيف أحلم!