“الجزائر لم تطلب اعتذارا ولكن تنتظر أن تبادر فرنسا إلى ذلك”
أكد وزير الخارجية مراد مدلسي، أن الجزائر لم تطلب “رسميا” الاعتذار من فرنسا على الجرائم الاستعمارية التي ارتكبتها في حق الجزائريين طيلة 132 سنة، وأكد بالمقابل أن الجزائر تأمل في أن تبادر باريس بتقديم الاعتذار للجزائريين.
وقال مدلسي في حوار خص به قناة “العربية” الفضائية “الجزائر الرسمية لم تطلب اعتذارا رسميا من فرنسا، ولكنها تنتظر ذلك على غرار الشعب الجزائري”، فيما لم يشر الوزير مدلسي إن كانت الجزائر قد قدمت طلبا رسميا بالاعتراف بالجرائم الفرنسية .
ومعلوم أن ملف جرائم الماضي الاستعماري، أو ما تصطلح عليه الأدبيات التاريخية الفرنسية بـ”الذاكرة”، يعتبر من أكبر الملفات التي سمّمت العلاقات الجزائرية الفرنسية ولا تزال حتى يومنا هذا، ومع ذلك يبقى هذا الأمر من القضايا المسكوت عنها، خاصة من الجانب الجزائري، باعتباره الضحية في هذه القضية.
ويرى الدبلوماسي والوزير الأسبق، عبد العزيز رحابي، أن “الأفضل هو مطالبة فرنسا أولا بالاعتراف، لأن الاعتراف يعني الإقرار بالجريمة، وعندها تصبح فرنسا مطالبة بالاعتذار ثم التعويض عن الأرواح التي أزهقتها والثروات التي نهبتها وبددتها، وهذا هو سر رفض فرنسا وهروبها إلى الأمام”.
وكان أقوى تصريح صدر عن الدولة الجزائرية بخصوص هذه القضية، هو الذي أدلى به الرئيس بوتفليقة، في الذكرى الستين لمجازر الثامن من ماي (2005)، وجاء فيه: “إن الشعب الجزائري مازال ينتظر من فرنسا أن تعترف بما جرى طيلة الاحتلال، بما في ذلك حرب التحرير وذلك لتنفتح آفاق واسعة وجديدة للصداقة والتعاون بين الشعبين”، وذلك بعد أن وضع جرائم فرنسا الاستعمارية في مستوى “المحرقة” التي يزعم اليهود أنهم تعرضوا لها على يد جيش ألمانيا النازية.
واللافت في هذا التصريح، أنه تزامن مع مصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، على قانون 23 فيفري 2005، الذي مجّد الممارسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر وشمال إفريقيا، وفرض إدماجها في المقررات المدرسية الفرنسية، ما يعني تلقين مئات الآلاف من أبناء الجالية الجزائرية معلومات مغلوطة وخاطئة عن دور الجيش الفرنسي، وهو الذي أباد أزيد من مليون ونصف مليون جزائري في مدة سبع سنوات فقط.
ومنذ 2005 إلى غاية اليوم، ظل الموقف الرسمي بشأن هذه القضية، متأرجحا بين القوة والضعف، يحكمه تطور الأحداث في البلدين وانعكاساتها على ترمومتر الغضب الشعبي، ويمكن القول إن الموقف الجزائري بدأ يخمد إلى أن وصل حد المطالبة بـ”إخماد حروب الذاكرة”، كما جاء في خطاب رئيس الجمهورية، في الذكرى الـ67 لتخليد مجازر 8 ماي 45، التي تزامنت مع انتخاب مرشح اليسار فرانسوا هولاند.
وبدا واضحا أن الرئيس بوتفليقة، فضّل خيار التهدئة مع الوافد الجديد إلى قصر الإيليزي، بعد الإشارات الإيجابية التي أرسلها هولاند في حملته الانتخابية، خلافا لسلفه ساركوزي، الذي عاشت العلاقات بين الجزائر وباريس في عهده واحدة من أحلك فتراتها.
وأيا كانت المواقف الرسمية من الماضي الاستعماري، فإن الطرف الجزائري يبقى هو الخاسر، ما دام أنه عجز عن ارغام أو اقناع الطرف الفرنسي بالاعتذار، وهو الذي اعتذر لمدغشقر وأجبر ألمانيا النازية على الاعتذار عن اجتياحها للتراب الفرنسي في الحرب العالمية الثانية، بالرغم من البون الشاسع في حجم المعاناة التي تكبدها الجزائريون مقارنة بالشعب الملغاشي أو الفرنسي ذاته.