الرأي

الجزائر وتحديات الإقليم  …من صمت الصحراء إلى هندسة التوازنات

لعلى بشطولة
  • 2425
  • 0

في زمن إقليمي تتغير ملامحه بصمت لا يلتقطه إلا من عاش قرب رمال تندوف وبشار وأدرار، تقف الجزائر أمام مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة، مرحلة تتشابك فيها التحولات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، وتعيد رسم خرائط النفوذ من الساحل إلى المتوسط. مشهدٌ يختلط فيه صوت الريح على الكثبان مع صدى تحركات القوى الكبرى، في تنازع هادئ أحياناً ومباشر أحياناً أخرى، لكنه في كل الحالات يفرض على الجزائر أن توازن بين مقتضيات الجغرافيا وضغوط المرحلة ورهانات المستقبل.

من تندوف إلى تخوم مالي والنيجر، ومن بوابات ليبيا إلى السواحل الأطلسية، يتصدر سؤال جوهري: كيف يمكن للجزائر أن تحافظ على توازنها الداخلي، وتؤمّن مجالها الحيوي، وتبقى فاعلاً إقليمياً أساسياً دون أن تنجرف إلى لعبة المحاور؟ هذا السؤال يختصر ثِقل الجغرافيا، وعمق الذاكرة، وحساسية اللحظة.

الصحراء بالنسبة للجزائر ليست امتداداً شاسعاً بلا معنى، بل فضاء استراتيجي تتشابك فيه ملفات الأمن الوطني والجوار الجنوبي والصحراء الغربية والتوازنات المغاربية. ومن يزور تندوف أو بشار يدرك أن الحذر الذي تتعامل به الدولة ليس تردداً، بل خلاصة تجربة تاريخية مريرة أدرك خلالها الجزائريون أن أي اضطراب في محيط غير مستقر قد يُترجَم بسرعة إلى تهديد مباشر للأمن الوطني. هذا الإدراك هو الذي جعل الجزائر تختار مقاربة هادئة وحذرة في التعامل مع التغيرات الجارية في مالي والنيجر. فبينما اندفعت قوى دولية وإقليمية إلى محاولات إعادة ترسيم النفوذ عبر دعم هذا الطرف أو ذاك، فضّلت الجزائر إعادة تفعيل اتفاق الجزائر 2015، وتذكير الشركاء بأن الأمن في الساحل هو قبل كل شيء مسار محليّ لا يمكن فرضه بالوسائل العسكرية وحدها.

وقد لخّص أحد المسؤولين الأمنيين في الجنوب هذه المقاربة بكلمات بسيطة لكنها عميقة الدلالة: «لقد دفعنا ثمناً باهظاً يوم تساهل العالم مع التوتر في شمال مالي، ولن نسمح بتكرار ذلك». إنها شهادة لا تُكتب في التقارير الرسمية، لكنها تحمل خلاصة رؤية تقوم على منع انتقال العدوى قبل وقوعها، وتحويل الحدود من خطوط هشّة إلى مساحات تماس مُراقبة بعناية.

وفي المقابل، تعيش المنطقة اليوم سباق نفوذ متعدد الأبعاد. الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت حضورها عبر النيجر، خصوصاً بعد تراجع الدور الفرنسي التقليدي. فرنسا تحاول العودة إلى المنطقة بأشكال جديدة حفاظاً على مصالحها التاريخية. روسيا تعزز وجودها عبر الشراكات الأمنية، والصين تتقدم بهدوء عبر الاقتصاد والبنية التحتية. هذا التنافس لا يمرّ دون تأثير على خارطة العلاقات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يضع الجزائر أمام ضرورة الحفاظ على استقلالية قرارها.

لقد قال دبلوماسي جزائري سابق في الأمم المتحدة جملة تختصر الكثير من ملامح السياسة الخارجية الجزائرية: «نحن نتعامل مع الجميع، لكننا لا ندور في فلك أحد». وفي الحقيقة، هذا النهج المتوازن هو ما جعل الجزائر قادرة على بناء علاقات عملية مع مختلف الشركاء الدوليين—من واشنطن إلى موسكو، ومن بكين إلى باريس—دون أن تُختزل في محور أو تُحسب على حسابات ضيقة. إنها سياسة براغماتية، لكنها أيضاً امتداد لوعيٍ استراتيجي قديم يقوم على أن استقلال القرار هو الشرط الأول لحماية الوطن.

ومع كل هذه التحركات، يبقى الساحل أكبر التحديات وأكثرها تعقيداً. فالمشهد الأمني هناك تغيّر بشكل جذري خلال العقد الأخير. لم تعد الجماعات المسلحة ذات طبيعة عقائدية فقط، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى شبكات تعمل بأسلوب اقتصادي منظم، بمصادر تمويل عابرة للحدود، واتصالات متطورة، وتنسيق مع شبكات تهريب دولية. أحد الضباط العاملين في الجنوب قال عبارة تلخص هذا التحول بوضوح: «نحن اليوم أمام مجموعات تتصرف ككيانات اقتصادية أكثر من كونها جماعات عقائدية، وهذا يجعلها أكثر مرونة وأصعب مواجهة».

ورغم هذا التعقيد، استطاعت الجزائر الحفاظ على استقرار حدودها الجنوبية، ليس عبر القوة الصلبة وحدها، بل من خلال رؤية تنموية موازية. فالمشاريع العمومية في ولايات الجنوب، من الطاقة إلى اللوجستيك، لم تكن مجرد استثمارات اقتصادية، بل كانت جزءاً من سياسة أمنية واقتصادية تهدف إلى تقليص جاذبية اقتصاديات التهريب، وتحويل السكان المحليين إلى شركاء في حماية الاستقرار. هذا المسار قد يبدو بطيئاً، لكنه أكثر رسوخاً ونجاعة من السياسات العسكرية الضيقة.

أما على المستوى الدبلوماسي، فقد حافظت الجزائر على خطاب عقلاني يدعو إلى الحوار والعودة إلى الحلول السياسية. وقد عبّر وزير الخارجية في اجتماع غير معلن عن هذا التوجه حين قال: «لا يمكن لأي جهة خارجية أن تفرض علينا قراءة جاهزة لما يحدث في المنطقة. نحن نعيش هنا، ونعرف هشاشة التوازنات». هذا الموقف يعكس عقيدة دولة تدرك أن كل نزاع مهما بدا محدوداً قد يتسع بسرعة ليشمل حزاماً جغرافياً واسعاً، ويأخذ أبعاداً خارج السيطرة.

من جهة أخرى، تملك الجزائر أوراق قوة أساسية تجعلها فاعلاً لا يمكن تجاوزه: جيش محترف ذو خبرة ميدانية، حدود مؤمّنة رغم اتساعها، مخزون طاقوي يمنح استقلالية في القرار، علاقات غير متوترة مع الجوار الجنوبي، فضلاً عن رصيد تاريخي يجعل صوتها مسموعاً في القضايا الإقليمية. غير أن أهم هذه الأوراق يظلّ قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وعلى قراءة دقيقة للتوازنات دون انفعال أو اندفاع.

وأتذكر هنا قول شيخٍ من أدرار التقيته في 2019، قال لي بهدوء يليق برجل عاش تقلبات الزمن: «السلم يُصنع في القلوب قبل الاتفاقيات… والبلاد التي تعرف قيمة أبنائها لا تخيفها الرياح». هذا الصوت الشعبي، البسيط والعميق، يلخص الحاجة الماسة في الساحل والمنطقة إلى هدوء وحكمة وإرادة جماعية للخروج من دوامة الاضطراب.

إن الجزائر اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة: أن تتحول من دولة تتفاعل مع الأحداث إلى دولة تُسهم في توجيهها. فالمسار الذي يبدو أنه يتشكل يقوم على ثلاث ركائز: حماية الداخل، إعادة ترتيب المجال الحيوي، وصياغة مقاربة أمنية جديدة تربط بين التنمية والاستقرار. وفي عالم تبدو فيه الأصوات كثيرة والقراءات متباينة، تحتاج الجزائر إلى سردية هادئة وواثقة تقول للعالم: لسنا هامشاً لخرائط الآخرين… نحن جزء من صناعة الموازين الجديدة.

مقالات ذات صلة