العالم
السفيرة الأندونيسية بالجزائر سفيرة محروسة لـ"الشروق":

الجزائـر هي الشريك الاقتصادي الثامن عالمياً لأندونــيسيا

الشروق أونلاين
  • 258
  • 0
بشير زمري

في هذا الحوار الذي خصّت به “الشروق”، تشخّص السفيرة الأندونيسية بالجزائر، سفيرة محروسة، واقع العلاقات الثنائية بين أندونيسيا والجزائر، وبشكل مفصل في الجانب الاقتصادي، وتذكر الدبلوماسية أن هنالك حواجز تعرقل استثمارات بلدها في الجزائر، وقدّرت أن قاعدة الاستثمار الأجنبي 51 -49 معرقلة كثيرا وتأمل في أن تُستثنى أندونيسيا من القاعدة خاصة لنشاط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، علاوة على وجود اتفاقيات موقعة بين البلدين لم تدخل حيِّز التنفيذ.

وتكشف السفيرة محروسة عن إنشاء مجلس أعمال بين البلدين، وتؤكد أنه باستطاعة بلادها إزاحة الشركاء التقليديين للجزائر كالصين وفرنسا وأمريكا، اعتمادا على العامل الديني والتطوُّر الكبير الذي صارت عليه أندونيسيا.

 

استلمت مهامّك قبل شهرين، على هذا الأساس كيف يمكن تقييم واقع العلاقات الثنائية بين أندونيسيا والجزائر؟ ماهي مجالات التعاون التي ستشتغلين عليها؟ وما الرسالة التي كُلِّفت بها من قبل القيادة السياسية في بلدك؟

هنالك مؤشراتٌ إيجابية في علاقتنا مع الجزائر، وهذا منذ قدومي قبل شهرين الى بلدكم، وتتسم هذه الفترة القصيرة بتبادل الزيارات المكثفة لرجال أعمال البلدين، فمن أندونيسيا هنالك زيارة رئيس المحكمة الدستورية إلى الجزائر، ثم زيارة رئيس الأرشيف الوطني الإندونيسي، والزيارة الثالثة قبل أيام لنائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية على مستوى مجلس النواب.

ومن الجزائر، هنالك زيارة للعالم الكبير عبد الرزاق قسُّوم لحضور الملتقى الدولي للزعماء المسلمين المعتدلين، ثم زيارة للوفد التجاري الكبير من الجزائر المتكوّن من رجال أعمال شاركوا في القمة الاقتصادية التي أقامتها منظمة أبكاسي “الجماعات المحلية بإندونيسيا”، وتُوِّجت الزيارة بفتح مكتبي استيراد وتصدير في جاكرتا لرجل أعمال جزائري، وإقامة استثمار لرجل أعمال جزائري بإندونيسيا، ولو أن قيمة النشاط ليست كبيرة فإن المؤشر إيجابي.

كما أن علاقتنا في المجال السياسي متميزة، وتتسم العلاقة، بتبادل الدعم في مجال الترشيحات لعضوية المنظمات الدولية، والتوقيع على اتفاقية تفاهم، ومنها بين الأرشيف الوطني الجزائري والاندونيسي يخص تسجيلات حول حركة عدم الانحياز، وستكون مواصلة للتنسيق بين البلدين في الاجتماعات المقبلة حتى شهر أكتوبر القادم، من أجل تسجيل هذا الإرث التاريخي كذاكرة عالمية في اليونيسكو.

وفيما يخص المساندة المتبادلة، لقد ساندت الجزائر إندونيسيا في ترشيحها في اللجنة الدولية للقانون، ومساندتنا للانضمام الى المنظمة العالمية للبحار، كما طلبت الجزائر مساندة اندونيسيا للترشح في عضوية منظمة “سيداو” التي تعنى بمحاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة، ومساندة الجزائر كذلك لعضوية منظمة القانون الدولي.

وفي المجال السياسي كذلك، هنالك اتفاقيات أخرى تم التوصل اليها، خلال زيارة رئيس المحكمة الدستورية الى الجزائر مؤخرا، خاصة في موضوع تقديم الشكاوى للمحكمة الدستورية حول دستورية القوانين، من طرف المواطنين، الجزائر ستسنّ قوانين في هذا المجال، اندونيسيا لها تجربة طويلة في هذا المجال، ولهذا يود المجلس الدستوري الجزائري الاستفادة من هذه الخبرة، وتم الاتفاق على تكوين لجنة مختلطة بين الجانبين لمتابعة الموضوع، كما أنه يوجد تعاونا بين برلمانيي البلدين، خاصة ترقية المرأة في الهيئة التشريعية، فرغم إلزامية قوانين بلدي بترشيح كوطة للمرأة بـ30 من المئة، إلا أن اللواتي فزن من 560 عضو في البرلمان منهم 96 سيدة فقط، وهو عدد قليل مما هو في الجزائر.

 

وفي المجال الاقتصادي؟

في العشرية الأخيرة هنالك ظاهرة لصعود العلاقات بين البلدين، ففي 2005 الميزان التجاري كان صغيرا وبلغ 186 مليون دولار، وارتفع الميزان في 2013 إلى 457 مليون دولار، ولكن الميزان التجاري مؤخرا سجل تراجعا ملحوظا بسبب عوامل عدة، منها سقوط أسعار النفط عالميا، ما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في البلدين، وانخفاض الاستيراد من عدة بلدان، وتوجد عوامل أخرى تؤدي الى انخفاض هذا الميزان التجاري، بسبب تهاوي أسعار النفط، وسجلنا انخفاضا في استيراد النفط الجزائري.

فيما يخصّ التصدير، لم يعرف التصدير تغيرا كبيرا في العلاقات، ولكن بعد 2013 الصادرات الجزائرية إلى اندونيسيا سجّلت ارتفاعا كبيرا، خاصة بعد الاستثمار الذي أقامته شركة اندونيسية للبترول، بعدما اقتنت أصولاً لشركة أمريكية كانت تنشط في الجزائر، بقيمة 1.75 مليار دولار، وبهذا ارتفعت الصادرات الجزائرية في اندونيسيا، ولعلكم فبلدي من الدول الكبرى المستوردة للبترول في العالم. فيما يخص إنتاج الشركة في سنتين فقد بلغ 21 مليون برميل، واستفادت اندونيسيا من 7 ملايين برميل، وتم الاتفاق بين مسؤولي الشركة والمسؤولين الجزائريين على زيادة قيمة الاستثمار الإندونيسي خلال السنوات العشرة القادمة بقيمة مليار دولار إضافي، الأمر سيزيد في حجم العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وتطوّرت حقا مؤشراتُ التعاون بين البلدين؛ ففي 2005 احتلت الجزائر المرتبة الثامنة بين شركاء اندونيسيا، وفي السنة الماضية احتلت المرتبة السادسة، فهنالك صعود مستمر للعلاقات الثنائية في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي.

 

إقامة الاستثمارات في الجزائر، مشروطٌة بقاعدة 51 للطرف الجزائري و49 للأجنبي، على هذا الأساس هل تعتبرونها معوقة بالنسبة لكم؟ وكيف تقيِّمون مناخ الأعمال؟

فيما يتعلق بشرط الاستثمار الأجنبي، لقد تمّ بحثه خلال لقائي مع وزير التجارة، وأشركنا خلال اللقاء آراء المتعاملين الاقتصاديين الاندونيسيين، ونرى أن القاعدة تُعرقل نوعاً ما الاستثمار الأجنبي في الجزائر. الرئيس الاندونيسي وبعد انتخابه رئيسا جديدا في البلاد، ولتشجيع الاستثمار الأجنبي، ألغى نحو 200 قانون يخصّ الاستثمار كان يعرقل النشاط الاقتصادي، خاصة دخول الاستثمار الأجنبي، ونتيجة لهذا الإلغاء تضاعف الاستثمارُ الأجنبي بشكل كبير في اندونيسيا، وخلال زيارة الرئيس الى الصين وبريطانيا وروسيا تم التوقيع على عقود استثمار بأغلفة مالية كبيرة جدا، وهذا دليلٌ على أنه لو نسهِّل ونحسِّن المناخ فإن الأمر سيكون مفيدا لدخول الاستثمار الأجنبي، وهو الحاصل في اندونيسيا.

نحن نأمل ألا تُطبَّق هذه القاعدة بشكل متساوٍ في كل القطاعات، ربما تُطبَّق في القطاعات الإستراتيجية، ولكن في القطاعات الصغيرة والمتوسطة لا تُطبَّق القاعدة، وكذلك عدم تطبيق القاعدة بشكل عام على كل الدول، نأمل أن نُمنح استثناءً في هذا الخصوص.

نحن نرى أن إندونيسيا دولة مهمّة، نظرا لعوامل محدّدة، كعدد السكان البالغ 250 مليون نسمة، وهي الرابع عالميا، وأكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، واقتصادها هو 16 عالمياً، وحسب توقعات خبراء اقتصاديين خلال 10 سنوات القادمة سيحتل اقتصادُنا المرتبة العاشرة، وهنالك من يتوقع احتلالها المرتبة السابعة عالميا، متقدمة على المانيا وبريطانيا.

ولهذا نرى في المجال الاقتصادي توثيق العلاقات مع الجزائر، ونأمل أن تغيِّر الجزائر الوجهة من أوروبا وأمريكا إلى دول تتقدّم وتنمو، مقارنة ببقاع أخرى من العالم.

فيما يخص المَهمّة التي كُلفت بها، أولوياتي الدفع بالعلاقات الاقتصادية الى أعلى مستوى، ولذلك سنعمل في هذا الاتجاه، ولعلمكم لترقية العلاقات مع الجزائر، اندونيسيا منذ شهر سبتمبر 2015 ألغت التأشيرة على الرعايا الجزائريين الراغبين في زيارة بلدنا، ونأمل أن تقوم الحكومة الجزائرية بنفس الخطوة، لأن إلغاء التأشيرة سيفتح فرصا كثيرة بين البلدين، وعلى سبيل المثال بعد إلغاء تركيا التأشيرة على الرعايا الإندونيسيين، قام عددٌ كبير منهم بزيارات سياحية الى تركيا.

اندونيسيا تعتبر الجزائر دولة محورية وهمزة وصل بينها وبين إفريقيا وأوروبا وحوض المتوسط، توجد شركات اندونيسية كثيرة تقوم باستثمارات في الجزائر، وتشيّد المصانع في الجزائر، وهذه ستفتح المجال لاستيعاب اليد العاملة الجزائرية، وتقوية العلاقات بين البلدين.

الاستثمار الاندونيسي ستستفيد منه الجزائر، ويزيد احتياطاتها من العملة الصعبة، ولترقية العلاقات التجارية والاقتصادية، سنؤسس مجلس الأعمال الاندونيسي الجزائري، ولعلمك فقد حاولت الرئيسة ميقاواتي في 2003 إنشاء هذا المجلس، ولكن  لم يلق الترحيب نوعا ما من الجانب الجزائري، ونحن إن شاء الله وبعد لقائنا مع وزير التجارة الجزائري، اقترح التسريع بإنشاء هذا المجلس، خاصة بعد لقائنا مع رجال أعمال جزائريين في بسكرة، وهم أبدوا حماسة كبيرة في تأسيس هذا المجلس، وسيتمّ ذلك قريبا، لأن الجانبين جدِّيان هذه المرة.

 

نُقل عنكم خلال زيارتك قبل أيام إلى ولاية بسكرة، أنك اشتكيت من وجود عراقيل للتواجد الإندونيسي في المجال الاقتصادي، ماهي العراقيل التي لاحظتها؟

في ذلك المحفل مع رجال الأعمال الجزائريين، قلت حينذاك إن من العراقيل المعوقة للعلاقات التجارية بين البلدين، الجمركة لعدم وجود اتفاق تعاون بين البلدين، ما يصعِّب إجراءات الجمركة، وتسهيل دخول السلع من الجزائر الى إندونيسيا، ومن اندونيسيا الى الجزائر، هنالك متعاملون اقتصاديون جزائريون أتوا بسلع اندونيسية إلى الجزائر ولكن لما وصلت إلى الميناء تمّت جمركتُها بأسعار مرتفعة جدا، ونتيجة لهذا الأمر ارتفعت أسعار المنتجات بشكل كبير، وكُدِّست السلعُ لمدة طويلة في الميناء، الأمر يؤثر في الأسعار، لدينا اتفاقية في الميدان التجاري، وُقعت في بداية التسعينيات ولكن بقيت على الورق، وسنقوم بتعديل الاتفاقية، كما لدينا اتفاقية تخص عدم ازدواجية الضريبة، وبقيت كذلك على الورق.

لذلك سنعمل على تعديل الاتفاقيات، وخاصة في مجال التجارة والتعليم والجانب الديني، ومذكّرات التفاهم.

 

تحدثت باهتمام عن إقامة مشاريع اقتصادية اندونيسية في الجزائر، لكن هل لكم القدرة على منافسة الشركاء التقليديين للجزائر، كفرنسا وأمريكا والصين واليابان؟

لمواجهة الشركاء التقليديين للجزائر، لو نرى التاريخ، الجزائر كانت محتلة من فرنسا، ولكن حاليا نرى بأن الصين أصبحت مسيطرة في الجزائر، بل في عموم إفريقيا، ونرى أن الجو المسهِّل للاستثمار هو المشجِّع لقدوم رأس المال الأجنبي، وليس المنافسون، لدينا طريقة خاصة في اندونيسيا للاستثمار في أي بلد.

نحن لا نستثمر في القطاعات الكبرى فقط، نستثمر في القطاعين الصغير والمتوسط، كذلك إندونيسيا لديها إمكانيات كبيرة، وتستطيع تلبية كل حاجيات السوق الجزائرية من المنتجات والسلع، لأن اندونيسيا تتوفر على إمكانيات كبيرة في هذا المجال.

هنالك عوامل مشتركة تجمع البلدين، فنحن دولٌ مسلمة، وهذه فرصة لا تملكها الدول المنافِسة لنا، العامل الديني إن شاء الله سيساعدنا كثيرا في التبادل والاستثمار، كما أن لدينا الخبرة والمؤهِّلات التي تجعلها تضاهي الدول التي تسمّى تقليدية في الشراكة مع الجزائر.

مؤخرا عرضنا على الجزائر، تقنياتٍ في مجال النفط وهي لا تقل أهمية عما تملكه الدول المتقدمة، بل إنها فريدة من نوعها في العالم، بإمكاننا التعاون مع الجزائر بهذه الخبرة، ونظرا لامتلاكنا هذه الخبرات نحن على يقين، أنه بإمكاننا منافسة الشركاء التقليديين للجزائر، كما أنه توجد شركة اندونيسية عمومية تنشط في الجزائر، تنجز مقطعاً من الطريق السيار شرق- غرب في جزئه الرابط بين برج بوعريريج وقسنطينة كمناولة لشركة كوجال اليابانية، ولقد قامت الشركة بإنجاز المقطع بجودة عالية وفي الوقت المحدد وتقنيات متطوِّرة، نالت بفضله إشادة من الحكومة الجزائرية والشريك الياباني، الذي مدَّد العمل معها في مشاريع أخرى.

 

المؤكد أن العلاقات بين البلدين ليست مقتصرة على المجالين السياسي والاقتصادي فقط، بل تحدي مشترك هو الإرهاب والتطرف، فالعملية الإرهابية التي شهدتها جاكرتا أوقعت ضحية جزائرياً، ما هو النهج المُتَّبع من حكومتكم لمواجهة الإرهاب والتطرف؟ وما هي سبل التعاون بين البلدين في هذا الخصوص؟

نحن آسفون وقلقون من هذه الظاهرة التي اجتاحت العالم الإسلامي بكامله، لا دول آمنة كلية من هذه الظاهرة، لقد استغلّ المتطرِّفون الراديكاليون الإسلام كتبرير لمهاجمة الغرب، وأزاحوا بتلك الأفعال الوجه النيِّر المعتدِل للإسلام الوسطي المتسامح، وأظهروا الإسلام أنه دينُ قتلٍ وسفك للدماء، لقد جرى تشويهُ الإسلام بتلك الأفعال.

ولمواجهة الظاهرة، وضعت اندونيسيا خطة من أربع نقاط، أوّلاً أنشأنا الديوان الوطني لمكافحة الإرهاب وله صلاحيات واسعة، كاتخاذ خطوات لعدم ظهور الإرهاب، والقيام بخطوات استباقية، كما تم سنّ قانون لمواجهة الظاهرة، وبادرنا بإقامة تعاون مع الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب، والشيء المهمّ كذلك نشر وتنوير الرأي العام فيما يخص الإسلام الوسطي المعتدِل الذي هو رحمة للعالمين، وأشركت اندونيسيا دوائر أخرى في العملية، خاصة العلماء لأنَّ لهم تأثيرا كبيرا في المواطنين.

هنالك الآن تحدٍّ آخر؛ ففضاء الإنترنت ساهم في وصول الفكر المتطرِّف، ولهذا نعمل على اقامة شراكة للتعاون في هذا الخصوص، وقد تكلَّمت في هذا الموضوع مع مسؤول دائرة آسيا واقيانوسيا في الخارجية الجزائرية، يجب علينا التعاونُ معكم لأن الجزائر التي سُمّيت قديما “المحروسة”، لأنها محروسة من دول الجوار، صارت مهددة نتيجة للازمات التي تعرفها المنطقة.

مقالات ذات صلة