الحايك والعجار والقفة.. الثالوث المميت في حرب التحرير
لباس أبيض، ناصع، كان جزءا مهمّا في معركة التحرير، خاصة في المدن الكبرى كالعاصمة، حيث ارتبط بعمليات فدائية وخطط لوجيستية.. وتحت ذاك القماش الناعم، نامت القنابل قيلولتها الأخيرة، لتنفجر في وجه العدو أينما كان. وتحت العجار المخرم الجميل، انطبعت ابتسامة النصر، في كل مرة تنتصر فيها الثورة. الحايك والعجار والقفة، التي هي بلا قرار، ثالوث أرهب فرنسا الجبانة.
ارتبط الحايك ارتباطا وثيقا بالحرب التحريرية المجيدة، خاصة في العاصمة، ما عرف باسم معركة الجزائر. ومن لا يتذكر تلك اللقطة، في الفيلم التاريخي “معركة الجزائر”، حين راح جندي فرنسي يحاول تفتيش امرأة، كانت ترتدي الحايك، وتخفي وجهها بالعجار، فصرخت في وجهه: “نحّ يدك يا واحد الكافر”.. رغم أن قفتها كانت مدججة بالسلاح، الذي كانت تهربه إلى المجاهدين، وكلها ثقة في النجاح، رغم صعوبة المهمة.
من أكثر المشاريع التي فشلت فيها إدارة الاستعمار الفرنسي، محاولتها المستميتة في محاربة الحايك، وكل ما هو رمز للحشمة والحياء.
المناضل التحرّري، فرانز فانون، كتب عن حايك المرأة الجزائرية، وتشبّثها به، ودوره في الثورة التحريرية، فقال: “ارتبط الحايك وحيّ القصبة العتيق بمعركة الجزائر، التي خاضها جيش التحرير، ضد المصالح الاستيطانية داخل العاصمة”.
بعد 1955، تغيرت نظرة القيادات الثورية إلى الحايك والعجار والقفة.. فقد تحولت من ألبسة وإكسسوارات، إلى وسائل لنقل الأسلحة والذخيرة، بالتمويه في القفة، وإخفاء الرسائل السرية الحيوية لنجاح عملياتها. كما استغلت الثورة الحايك في تنفيذ الهجمات الفدائية، فكانت المجاهدة تخفي الأسلحة تحت حايكها، أو في قفتها.. وحين تصل رفقة الفدائي مكان العملية، يستل هذا الأخير سلاحه من قفتها أو تعطيه إياه، من تحت ردائها الأبيض، فينفذ مهمته على أكمل وجه، غير آبه بالموت. ويتم عادة إعادة المسدس إلى مكانه في القفة، أو تحت الحايك، فيتحرك الجميع، دون أن يكشف أمرهم.
أحيانا، يتنكر الثوار، المطلوبون في قوائم فرنسا، بالحايك، للتسلل بين المدن، بعيدا عن أعين العدو. وفي القصبة مثلا، كان الجزائريون يستغلون معرفتهم بكل ركن فيها للاختفاء، مثل الأشباح، بين الأزقة والدروب السرية. وفي أي لحظة، يفتح باب من الأبواب، فيندفع من خلاله المجاهدون، ثم يذوبون في متاهة القصبة.
من بين قصص البطولة، ملحمة معركة الجزائر، بين قوات الاحتلال الفرنسي وقيادة المنطقة المستقلة للثورة في العاصمة، التي كان يقودها المناضل ياسف سعدي. واضطر هذا الأخير، مع عدد من المناضلين، إلى ارتداء الحايك، للتنقل داخل حي القصبة. وعند مرور دورية عسكرية فرنسية، لاحظ أحد الجنود أن تحت حايك من الحياك، ظهر حذاء رجالي. ويصيح الجنود المصطكة أسنانهم رعبا: “توقفوا.. ارفعوا أياديكم”. وفي لحظة خاطفة، يخرج الثوار أسلحتهم وينهالون بالرصاص على العدو، فيسقط من سقط، ثم يختفون إلى الأبد. وقام فيلم “معركة الجزائر”، للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، بتصوير هذا المشهد بدقة.
هذه المشاهد، وضعت الحايك محل شبهة، فاعتمدت الكثير من الفدائيات على اللباس الأوروبي، لتنفيذ مهامهن، وهن اللواتي عرفن بواضعات القنابل، كالجميلات بوحيرد وبوباشة وبوعزة سامية لخضاري وغيرهن.
وسواء اختارت المرأة التخفي بالحايك أم من دونه، فكل هذا كان بهدف تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي.
في دراسة بعنوان “اللباس التقليدي، الحايك نموذجا”، للباحث الجزائري دريسي ثاني سلاف، فإن النسوة “كن يقمن بمهمات خطيرة إبان الثورة، بزرع القنابل ونقل الذخيرة عبر التخفي في الحايك، لأن المستعمر كان يخشى أن يقترب من النساء والقيام بتفتيشهن.. فالمرأة المجاهدة استعانت بالحايك لتمرر القنابل والأسلحة والوثائق السرية وأموال الثورة..”.