العالم
"الشروق" تتجوّل بين غزة ومصر

الحدود تغرق والأنفاق أصبحت من الماضي

الشروق أونلاين
  • 11443
  • 0
مكتب الشروق
السيسي ينفذ وعيده بحق سكان غزة

عندما وصلنا إلى الجانب الفلسطيني من الحدود مع مصر، شعرنا أن الحياة غادرت المكان وبقي الجنود الفلسطينيون الذين تتضح هويتهم من اللحية المنسقة، وباقي بيوت بلاستيكية تغطي الأنفاق، وكثير من التلال التي تحجب الرؤية وأشياء أخرى.

أول من بادرنا بالحديث بعد الحاجز الأمني كان مواطن على عربة يجرها حمار، قائلا لنا: “لا تتحركوا بالسيارة كثيرا لأن التربة ستنهار على الشريط الحدودي، شكرناه وأكملنا السير بشكل موازٍ مع الحدود المصرية التي تشهد وجودا مكثفا لقوات الجيش المصري ومختلف أشكال السيارات والجرافات العسكرية مع عدد إضافي من أبراج المراقبة. 

في المنطقة التي أنعشت اقتصاد غزة المحاصَرة منذ جوان 2007، ورفدت مالية حماس وحكومتها بأموال مهمة نتيجة الضرائب على السلع المهرّبة التي ازدهرت إبان حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي، إلى درجة إطلاق اسمالمنطقة الصناعيةعلى المكان، بسبب وجود مئات الأنفاق التي تهرّب كل شيء: المحلل والمحرم.

هنا لا يتحدث معك أحدٌ من بقايا أصحاب الأنفاق أو غيرهم إلا مشترطا عدم تصويره أو التصريح باسمه، لأن مصر مهما كانت قاسية هي المتنفس الوحيد لسكان القطاع.

 الصورة على الحدود واضحة، جرافات كبيرة تقوم بشق أخدود طويل على الحدود المباشِرة مع قطاع غزة، مع أنابيب ضخمة يتم وضعها أسفل الأرض وضخّ مياه البحر فيها لتنساب كثعبان جائع تحت الأرض يتحرك في كل الفجوات أو الأنفاق التي بدأت بالانهيار مع ضخ أول كمية من ماء البحر.

 حتى اللحظة، لم يصدر تصريح رسمي عن السلطات المصرية حول حقيقة خطتها للقضاء على الأنفاق، رغم تعدد الروايات الإعلامية حول مقترحات سلاح الهندسة التابع للجيش المصري لإغراق الأنفاق بقوة المياه، لكن خلال الأيام الماضية تكلمت الأرض بصراحة بخروج الماء إلى السطح بعد تشبّع أسفلها بالماء المالح، وبدأت بعض المناطق بالهبوط بشكل تدريجي.

الخطوة السابقة لدفع المياه أسفل المنطقة الحدودية كانت تفريغ الجيش المصري الشريط الحدودي من السكان تماماً لمسافات مخطط لها أن تصل إلى 5 كيلومترات بلا حجر أو شجر لقطع الطريق أمام الأنفاق الممتدة، وتكوين منطقة عازلة يشرف عليها الجيش.. والرصاصُ فقط.

 في الجانب الفلسطيني، عبّرت حركة حماس وحكومتها غير المعلنة التي تدير مقاليد الأمور عن رفضها للمشروع المصري لتداعياته على المياه الجوفية التي ستختلط بماء البحر وتفقد قيمتها.

وكشفت حركة حماس، أمس الأحد، عن إجرائها اتصالات رسمية مع السلطات المصرية لوقف مشروع إقامة برك مياه مالحة على طول حدود قطاع غزة الجنوبية مع مصر.

وقال المتحدث باسم الحركة، سامي أبو زهري، في تصريح له، إن حماس ترفض إقامة المشروعلما يمثّله من خطورة كبيرة على المياه الجوفية وتهديد لعددٍ كبير من المنازل على الجهة الفلسطينية، معربا عن أمل حركته في استجابة مصر لهذا الطلب.

 وكان الجيش المصري قد جنّد على مدار شهرين كاملين أكثر من 250 معدّة ثقيلة تعمل ليلًا ونهارًا لحفر خندق بطول حدوده مع القطاع البالغة 14 كلم، وعمق لا يقل عن خمسة أمتار، وأسقط فيه أنابيب ضخمة مثقوبة، ثم ضخ مياهًا من البحر المتوسط بداخلها لترشح إلى التربة وتُغرِق منطقة الأنفاق.

وتقوم الآلية المصرية للانتهاء من ظاهرة الأنفاق على ضخ مياه البحر في أنابيب تحت الأرض تؤدي إلى انهيار ذاتي لكل الأنفاق، وضمان منطقة حدودية خالية من التهريب، عبر عملية خلخلة التربة وغمر أعماقها بمياه البحر المتوسط في عملية مصرية تؤسس لقطيعة تامة مع قطاع غزة ما دامت تحت سيطرة فرع جماعة الإخوان المسلمين الفلسطيني، ممثلاً في حركة حماس، وتحاول إلقاء أعباء الأزمة الإنسانية على السلطات الإسرائيلية باعتبارها قوة الاحتلال المسؤولة.

 وقال المختص في الشأن البيئي، م. ماجد حمادة، إن ضخ مياه البحر إلى المنطقة المحاذية مع الحدود المصرية يشكل خطرا جسيما على الأراضي من حيث تسرب المياه إلى الخزانات الجوفية، المصدر الوحيد للمياه، ما سيهدد حياة السكان وحرمانهم من الحياة العادية.

 وأشار حمادة لـالشروقأن وجود المياه سيزيد من فرص انهيار التربة الطينية وربما انهيار المنازل في المنطقة، فضلا عن تأثيرها السلبي على الأراضي الزراعية ومستقبل زراعة الخضروات التي يعتمد عليها سكان مدينة رفح.

 وقال حمادة إن المشروع يحمل مخاطر بيئية كبيرة، قد ترفع نسبة الملوحة إلى 20 ضعفاً في مياه الخزان الجوفي المالحة أصلا.

وقال رئيس بلدية رفح، صبحي رضوان، إن بلديته تعاني من مشكلة مياه أساساً، وضخ مياه البحر سيفاقم المشكلة، كما سيؤدي إلى انهيار منازل سكان المنطقة الحدودية التي تبلغ 14 كيلومتراً.

واعتبر رضوان، في تصريح لـالشروق، أن الإجراءات المصرية تؤدي إلى تشديد الحصار على القطاع، وتمنّى أن تكون مدينة رفح شاهداً على العلاقات المصرية  الفلسطينية الحسنة من خلال تطوير علاقات التبادل التجاري والتواصل مع مصر الشقيقة.

وأضاف أن مشروع ضخ مياه البحر يهدد التربة ويسبّب انهيارات تشكل خطراً على البيوت والمساكن، بما يخالف علاقات الجوار والأخوّة بين غزة ومصر.

التحرك جنوبا صوب الحدود المصريةالفلسطينية هو اتجاهٌ نحو مجهول جغرافيا التيه في سيناء ومجهول ممرات السياسة المشحونة بين مصر وحماس، والتجوّل على الحدود المصرية الفلسطينية يؤكد أن انهيار العلاقة أقرب من انهيار التربة.

مقالات ذات صلة