الحراك الشعبي هزم السلطة وأربك المعارضة
أحدث الحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر منذ 22 فيفري الماضي، وعيا سياسيا وقانونيا ليس للجزائريين عهدا به سوى لدى النخب المثقفة والسياسية والقانونية، فقد أظهرت مسيرة الجمعة السادسة من الحراك اضطلاع الجزائريين ومعرفتهم بأحكام الدستور وتفاصيل المواد التي يحتويها خاصة تلك المتعلقة بحالة الشغور عند الاستقالة وعند الدواعي الصحية وكذا الترتيبات التي ينتجها إعلان الشغور لدى بعض المؤسسات مثلما عليه الوضع بالنسبة للجهة المعنية باستخلاف منصب الرئيس وموقع الحكومة في مثل هكذا وضعيات.
وكشفت مسيرات الجمعة، الوجه الآخر للجزائريين وتحديدا في الشق القانوني والتشريعي، حيث أكد ملايين الجزائريين أنهم لا يرغبون في تطبيق المادة 102، التي اقترحها الفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، من أجل تنحية بوتفليقة وحل الأزمة التي تعيشها الجزائر، بل يلحون على تطبيق المادة 7 من الدستور، وهي التي تنص على أن “الشعب هو مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنيّة ملك للشعب وحده”
واستنادا إلى المادة 7 من الدستور تتيح البدء في المرحلة الانتقالية وتشكيل هيئة رئاسية تكون مهمتها تشكيل حكومة وطنية جديدة وإصدار قانون انتخابات.
وتقاسم العديد من المتظاهرين الرأي بخصوص تطبيق المادة 102، وعلق العديد على أن هذه المادة تجاوزها الزمن وكانت ممكن أن تكون حلا للأزمة السياسية أو حتى وقف بوادرها الأولى سنة 2013 عندما تم نقل الرئيس إلى المستشفى في باريس ومكث هناك قرابة 3 أشهر، ويتفق العديد ممن حملوا العديد من الشعارات التي تتقاطع عند مطلب واحد مفاده رحيل جميع الوجوه القديمة وبدون استثناء، بما فيها رفض حتى الوجوه التي شغلت مناصب مسؤوليات قبل تولي الرئيس بوتفليقة الحكم مثلما عليه الوضع بالنسبة لرئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح الذي يعتبر البعض مبعث رفض الجزائريين لتطبيق المادة 102، ذلك لأنها تخوله مهمة استخلاف الرئيس بوتفليقة في حال الاستجابة الى مقترح الاستقالة الذي تقدم به قائد أركان الجيش نائب وزير الدفاع الفريق أحمد قايد صالح.
كما كشفت مسيرات أمس ان سقف المطالب ارتفع جدا والأزمة السياسية أضحت معقدة، وتتجاوز استطاعت السلطة على احتوائها مهما تعاظمت التنازلات فالمحتجون في الشارع من مختلف الفئات والنخب أعطوا إشارات رفض قوية لقيادة عبد القادر بن صالح المرحلة الانتقالية، إلا أن هذا الرفض اتسع ليشمل مقترح تولي الرئيس السابق اليامين زروال مهمة تسيير المرحلة الإنتقالية فإن كانت صورة زروال لم تلقى الترحاب وسط المسيرات بالعاصمة، ورغم أن المحتجين بولاية باتنة ساروا في اتجاه منزله وتظاهروا أمامه حتى اضطر للخروج لهم، فالفيديو الذي عرف انتشار واسعا على مواقع التواصل الإجتماعي فجر تعليقات كثيرة وحملت بعضها انتقادات صريحة للرئيس السابق للجزائر .
فهناك من اعتبره الأب الروحي للتجمع الوطني الديمقراطي، وهناك من حمله مثلما حمل الوزير الأول نور الدين بدوي مسؤولية التزوير الذي عرف عملية إعادة البناء المؤسساتي سنة 1996، وهناك من ينظر الى أن النظام الحالي “ولد في حجر زروال ” وهناك من عاد الى أن عمليات تصحير الساحة السياسية انطلقت في عهده، وهناك من حمله حتى مسؤولية المؤامرة العلمية التي قادها عبد القادر حجار داخل الآفلان للإطاحة بأمينه العام يومها عبد الحميد مهري.
الصواريخ “البالستية” التي وجهها البعض في اتجاه الرئيس السابق اليامين زروال قد تدفعه الى الخروج وتسجيل موقف من مقترح توليه مهمة قيادة المرحلة القادمة، لينضم بذلك الى قائمة الرافضين لتحمل أي مسؤولية في الفترة الحالية أو على المدى المتوسط، والذين كان أبرزهم رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش الذي أصدر بيانا يعبر عن رفضه تحمل أي مسؤولية مهما كانت الظروف،في أعقاب طرح أمين عام الآفلان الأسبق اسمه كمرشح لرئاسة الجزائر خلفا لبوتفليقة.
المحتجون الذين أكدوا على إصرار رهيب على عدم التراجع، ويبدو أن إرضاءهم لن يكون سهلا اتفقوا على أن المادة 102 ليست هي الحل، وعدم تطبيقها في الوقت المناسب هو خطأ سياسي، كما أن صمت السلطة وعدم تفاعل الرئاسة مع مقترح قايد صالح لم يشغل حيزا ضمن اهتماماتهم،والشعارات الرافضة لبدوي ولعمامرة والإبراهيمي، بقيت حاضرة كما أن عدم تشكيل الحكومة لم يشغل بال المحتجين في شوارع ولايات الجمهورية، وكأن هذه القضايا أصبحت من صغائر الأمور التي لا ترقى للحديث عنها،رغم حالة الجمود التي أصابت مؤسسات وهياكل الدولة، ويبدو أن الخيار الأقرب للمحتجين في الوقت الراهن هو تسليم السلطة إلى فريق رئاسي سيكون مطالبا بإيجاد الأدوات الكافية لإدارة شؤون البلاد والبحث هن حلول لتنظيم إنتخابات رئاسية نيهة وشفافة تفرز رئيسا شرعيا يتسلم السلطة بطريقة سلسة من الفريق الرئاسي ويتولى مهمة الإصلاح السياسي ويتحمل مسؤوليته مستقبلا حسب رأي المتابعين للشأن السياسي.