الرأي

الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران لحظة تحول للنظام الدولي أحادي القطبية

الأستاذ محمد خوجة
  • 90
  • 0
ح.م

تطرح الحرب الأمريكية-الصهيونية القائمة ضد إيران إشكالية عميقة، تتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر، لتلامس جوهر التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، وضمن هذا السياق، لا تبدو هذه الحرب حالة استثنائية من الفوضى الدولية، بقدر ما تُشكِّل لحظة مفصلية، لإعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الدوليين والإقليميين، في إطار نظام يميل تدريجيًّا نحو التعددية القطبية. ومن خلال تفكيك حدود وفاعلية الحرب على إيران، وبيان كيفية توظيف القوة الصلبة والرمزية، لإدارة تراجع الحضور الأمريكي المباشر، تتكشف دلالات واضحة لهذه المواجهة في سياق أوسع لمرحلة انتقالية، تعاد بموجبها صياغة معايير القوة والنفوذ في الجغرافيا السياسية المعاصرة، مما يؤسس لطرح الإشكالية التالية:
كيف يمكن فهم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، في سياقها الراهن، بوصفها لحظة إستراتيجية تكشف عن انتقال النظام الدولي، من أحادية قطبية متمحورة حول الولايات المتحدة، إلى تعددية قطبية قائمة على إعادة توزيع الأدوار ومراكز الثقل بين القوى الكبرى والإقليمية؟

1- ديناميات التحول البنيوي
من منظور بنيوي في العلاقات الدولية، يشكل تراجع قدرة القطب المهيمن على فرض النظام بشكل منفرد، بروز مراكز قوة مستقلة، تدفع نحو إعادة توازن عالمي لا تقوده مؤسسات مركزية، بل تفرزه ديناميكيات المصالح والتحالفات المتغيرة. وتُعدّ نظرية الانتقال الهيمني التي وضعها كل من أ. ف. كينيث أورغانيسكي وغاسيك كوغلر، إطارا محوريا لفهم التحولات الكبرى في النظام الدولي، إذ تفترض أن النمو غير المتكافئ للقوى، يولد تقاربا تدريجيا بين القوة المهيمنة والقوى الصاعدة، مما يزيد احتمال الصراع خاصة عندما تكون الأخيرة ”غير راضية” عن قواعد النظام الحالي، وتتوقع صعود متزايد للهيمنة الإقليمية والدولية لعدة دول.

منذ اللحظة التي بدأت فيها الضربات الأمريكية-الصهيونية ضد إيران، بدأ الخطاب الرسمي الأمريكي يتحدث عن ”تدمير القُدرات” و”استعادة الردع” و”منع إيران من امتلاك السلاح النووي”، لكن حقيقة المنطق الكامن خلف هذه اللغة كان مختلفًا؛ فالولايات المتحدة التي دخلت في سلسلة من المواجهات المباشرة مع إيران منذ جوان 2025، بضرب منشآت نووية وعسكرية، ثم الرد على هجمات طالت قواعدها وحلفاءها في الخليج، لم تعد تتحرك في أفق ”نصر حاسم”، بقدر ما تبحث عن تموضع يسمح لها بتقليص الانخراط المباشر، من دون انهيار صورة الهيمنة.

وتلتقي مفاهيم الحرب الهيمنة لروبرت غيلبين، والتي تربط الصراع بفجوة التغير بين الواقع المادي والقواعد المؤسسية، مع نظرية الدورة الطويلة لجورج موديلسكي، والتي تربط صعود القوى بالابتكار التكنولوجي والدورات الزمنية، وتشارلز كيندلبرغر في نظرية الاستقرار الهيمني، التي تؤكد الدور الوظيفي للقوة المهيمنة في توفير المنافع العامة الدولية.
من هذا المنظور لا يعكس التصعيد الاستراتيجي حول إيران مجرد صراع إقليمي، بل جزءا من ديناميكية أعمق لإعادة توزيع النفوذ، وصياغة قواعد التفاعل في نظام دولي يتجه نحو تعددية قطبية معقدة وغير متماثلة.

2- من ويستفاليا إلى الأحادية القطبية
يُعرَّف النظام الدولي على أنه نسقٌ من العلاقات والتفاعلات المنظمة بين الوحدات السياسية، وهي الدول ذات السيادة، ضمن إطار من القواعد والهياكل والمؤسسات، والتي تضبط سلوك هذه الوحدات وتحدد أنماط توزيع القوة بينها.
وتتكوّن هياكله الأساسية من فواعل دولية وغير دولية مترابطة، تتفاعل بصورة متكررة ومنتظمة، في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد وفق منظومة القواعد، تمنح هذه التفاعلات والتشابكات قدرًا من الانتظام والاستقرار والديمومة، مع بقاء قابلية النظام للتحول مع تغير طبيعة موازين القوى، بأبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
يتغيّر النظامُ الدولي ضمن مسار تاريخي طويل، تحكمه مجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة، ولا يحدث تحوُّله على نحو عفوي أو فجائي. فإعادة توزيع القوة المادية بين الفاعلين تعيد رسم موازين القوى، وتدفع نحو أنماط جديدة من الهيمنة أو التعددية، وتؤثر التحولات في بنية الاقتصاد العالمي، من أزمات مالية كبرى أو ثورات في مجال الطاقة والتكنولوجيا، في أنماط الترابط والاعتماد المتبادل بين الدول، بما يغيّر قواعد النظام الدولي في التجارة والمال والأمن. كما تساهم التطورات الفكرية والمعيارية، مثل تغير مفاهيم الشرعية والسيادة وحقوق الإنسان والأمن، في إعادة تعريف ما يُعتبر سلوكًا مقبولًا أو مرفوضًا على المستوى الدولي.
تؤدّي الحروب والأزمات العابرة للحدود دور المحفِّز الذي يسرّع أو يعرقل إتجاه التحول، إذ يصبح النظام الدولي في كل مرحلة، حصيلة تفاعل مستمر بين هذه العوامل، وليس نتيجة لإرادة فاعل واحد مهما بلغت قوته.
لقد شكّلت الحروب الكبرى عبر التاريخ الحديث محطات مفصلية، في انتقال النظام الدولي وتحولاته من بنية إلى أخرى، ويمكن القول إن كل تحول رئيسي في شكل النظام الدولي، كان دائما مسبوقًا أو مصحوبًا بصراع واسع النطاق، يعيد ترتيب موازين القوى وقواعد التفاعل بين الدول.

* تتضح معالم هذا التحول إذا نُظر إلى الحرب ضد إيران، كحلقة في مسار بدأ مع تصعيد العقوبات، وإعادة تفعيل ”الضغط الأقصى”، مرورًا بضربات جوان للسنة الماضية، وصولًا إلى العمليات الأوسع في 28 فيفري 2025 وما بعدها. في كل مرحلة انتقلت أمريكا خطوة أبعد عن نموذج ”الانتصار الكامل’‘، بخطوة أقرب إلى نموذج ”الخروج المُدار”: بمعنى الحفاظ على صورة القوة، لكن بتكاليف عسكرية وسياسية أقل قدر الإمكان، وبأكبر قدر من نقل العبء، إلى الحلفاء الإقليميين وفي مقدمتهم إسرائيل.

وقد مثّلت حرب الثلاثين سنة 1618–1648 لحظة تأسيسية، إذ انتهت بصلح وستفاليا الذي كرّس مبدأ سيادة الدولة القومية، وأنهى فعليًّا هيمنة الكنسية على العلاقات الأوروبية، فاتحًا الطريق أمام نظام دولي حديث قائم على الدول ذات الحدود والسيادة المحددة. ثم جاءت الحروب النابليونية 1815-1803 لتعيد اختبار هذا النظام؛ فطموحات نابليون في الهيمنة على أوروبا دفعت القوى الكبرى بريطانيا وروسيا والنمسا، إلى إعادة بناء نظام توازن القوى عبر مؤتمر فيينا سنة 1815، وترسيخ ترتيبات نظام المؤتمر الأوروبي التي حكمت القارة لعقود لاحقة.
وبالمثل، أدّت حرب القرم 1853-1856 إلى كشف طموح روسيا في السيطرة على البوسفور والدردانيل، مما دفع بريطانيا وفرنسا إلى التدخل، للحفاظ على نظام توازن القوى في القارة الأوروبية، أما الحرب البروسية-الفرنسية 1870–1871، فقد أفضت إلى توحيد ألمانيا وصعود قوة صناعية-عسكرية جديدة في قلب أوروبا، أسّست لبنية تحالفات متوترة، ساهمت لاحقًا في انفجار الحرب العالمية الأولى.
وقد جاءت الحربان العالميتان الأولى والثانية لتُنهيَا النظام الأوروبي التقليدي، وإخراج أوروبا من مركز النظام الدولي، لصالح ثنائية قطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، مع إعادة بناء المؤسسات والقواعد على أسس جديدة (الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي، الحلف الأطلسي وحلف فارسوفيا).
أيضا مثّلت حرب الخليج الثانية 1991-1990 لحظة انتقالية حاسمة، من الثنائية القطبية المنهارة إلى الأحادية الأمريكية؛ التي عرضت تفوقها العسكري– التكنولوجي في هذه الحرب، وكرَّست نفسها بوصفها القطب الدولي الأوحد لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. بهذا المعنى، تبدو الحروب كنقاط انعطاف تاريخية، يُعاد عبرها توزيعُ القوة والأدوار وقواعدُ ضبط النظام الدولي.
غير أن الغزو الأمريكي لأفغانستان 2001 والعراق 2003، وصعود قوى جديدة كالصين وروسيا، إضافةً إلى الأزمات المالية، كشفت حدود الأحادية القطبية ومهّدت لعودة منطق التعددية، وتنافس الأقطاب على إعادة تعريف قواعد النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.

 اعتمدت الإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية منذ 2025 على معادلة معروفة: ضغط عسكري واقتصادي مكثف، لخلق نفوذ تفاوضي يساعد على فرض شروط على إيران، تتعلق بالملف النووي والدور الإقليمي. غير أن بنية إيران، التي تعمل جزئيًّا خارج منظومة الاقتصاد الليبرالي العالمي، قلّصت من فاعلية هذا النموذج مع مرور الوقت؛ فالعقوبات لم تُسقط النظام ولم تُضعفه، بل دفعته إلى تعميق شبكاته الالتفافية مع روسيا والصين، وتوسيع علاقاته ضمن فضاءات بديلة مثل ”البريكس” وتحالفات الطاقة الإقليمية.

في جوهره يقوم النظام الدولي على مجموعة من العناصر البنيوية التي تحدد طبيعة التفاعلات بين الفاعلين الأساسيين داخله، وفي مقدمتهم الدول، ومنها توزيع القوة بمختلف أبعادها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والرمزية، ويحدد هذا التوزيع شكل بنية النظام (أحادي القطبية، ثنائي القطبية، متعدد الأقطاب)، وقدرة كل فاعل على التأثير في مسار الأحداث. كما يقوم النظام الدولي على مجموعة من القواعد والمؤسسات مثل القانون الدولي، والمنظمات الدولية، والاتفاقيات متعددة الأطراف، التي تضبط أنماط السلوك المقبولة، وتوفّر إطارًا لتنظيم المصالح والصراعات.
وأيضا يعتمد النظام الدولي على شبكات الترابط والاعتماد المتبادل، في مجالات التجارة والطاقة والأمن والمال، مما يجعل قرارات القوى الكبرى والإقليمية متداخلة، ويحوّل الأزمات المحلية إلى قضايا ذات بعد عالمي. كما يشكّل الخطاب والمعاني المتداولة ضمنه كمفاهيم الشرعية والأمن وحماية النظام الليبرالي، بُعدًا بنيويًّا لا يقل أهمية، لأنه يحدد الأشكال التي تُبرَّر استخدامات القوة، وتعريف الأدوار والمصالح داخل النظام الدولي مع كل مرحلة تحول جديدة.

3- من منطق النصر إلى منطق الخروج
منذ اللحظة التي بدأت فيها الضربات الأمريكية-الصهيونية ضد إيران، بدأ الخطاب الرسمي الأمريكي يتحدث عن ”تدمير القُدرات” و”استعادة الردع” و”منع إيران من امتلاك السلاح النووي”، لكن حقيقة المنطق الكامن خلف هذه اللغة كان مختلفًا؛ فالولايات المتحدة التي دخلت في سلسلة من المواجهات المباشرة مع إيران منذ جوان 2025، بضرب منشآت نووية وعسكرية، ثم الرد على هجمات طالت قواعدها وحلفاءها في الخليج، لم تعد تتحرك في أفق ”نصر حاسم”، بقدر ما تبحث عن تموضع يسمح لها بتقليص الانخراط المباشر، من دون انهيار صورة الهيمنة.
وتتضح معالم هذا التحول إذا نُظر إلى الحرب ضد إيران، كحلقة في مسار بدأ مع تصعيد العقوبات، وإعادة تفعيل ”الضغط الأقصى”، مرورًا بضربات جوان للسنة الماضية، وصولًا إلى العمليات الأوسع في 28 فيفري 2025 وما بعدها. في كل مرحلة انتقلت أمريكا خطوة أبعد عن نموذج ”الانتصار الكامل’‘، بخطوة أقرب إلى نموذج ”الخروج المُدار”: بمعنى الحفاظ على صورة القوة، لكن بتكاليف عسكرية وسياسية أقل قدر الإمكان، وبأكبر قدر من نقل العبء، إلى الحلفاء الإقليميين وفي مقدمتهم إسرائيل.

4- محدودية نموذج الضغط التقليدي أمام بنية إيران
اعتمدت الإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية منذ 2025 على معادلة معروفة: ضغط عسكري واقتصادي مكثف، لخلق نفوذ تفاوضي يساعد على فرض شروط على إيران، تتعلق بالملف النووي والدور الإقليمي. غير أن بنية إيران، التي تعمل جزئيًّا خارج منظومة الاقتصاد الليبرالي العالمي، قلّصت من فاعلية هذا النموذج مع مرور الوقت؛ فالعقوبات لم تُسقط النظام ولم تُضعفه، بل دفعته إلى تعميق شبكاته الالتفافية مع روسيا والصين، وتوسيع علاقاته ضمن فضاءات بديلة مثل ”البريكس” وتحالفات الطاقة الإقليمية.
في المقابل، جعلت طبيعة النظام السياسي الأمريكي، المقيّد أصلا بدورات انتخابية ورأي عامّ وإعلام يومي، عنصر الزمن عامل ضغط داخلي؛ فأمريكا مضطرة لإظهار ”نتائج” في أفُق زمني قصير، في حين أن إيران تعمل بمنطق البقاء الطويل، والقدرة على امتصاص الضربات والتكيّف معها. وهذا اللاتماثل الزمني يعني أن الطرف المقيَّد بالوقت هو الذي يُستنزف إستراتيجيًّا، حتى لو امتلك تفوقًا عسكريًّا ساحقًا، بينما يتحول صمود الطرف الأضعف في التوازن العسكري، إلى شكل من أشكال النفوذ والانتصار، عقب أي مواجهة عسكرية مهما كانت نتائج الأضرار المادية التي تطاله.

5- الحرب كأداة لإدارة صورة التراجع الأمريكي
وضمن هذا التوازن لا يمكن لقوة تعتبر نفسها قائدة للنظام الدولي، أن تُعلن ”انسحابًا” صريحًا من الشرق الأوسط، من دون التسبب في ارتدادات خطيرة على الثقة بالحلفاء، واستقرار الأسواق، وميزان الردع مع الخصوم. لهذا، يأتي جزءٌ من الوظيفة الإستراتيجية للحرب الحالية، في صورة أقرب إلى ”إدارة الانسحاب” أكثر من ”إدارة الانتصار”: في شكل ضربات مركزة، وحضور بحري وجوي كثيف، وتصريحات عالية السقف من الرئيس الأمريكي، وهي كلها عناصر ضرورية للحفاظ على صورة السيطرة، في اللحظة ذاتها التي يجري فيها إعادة تقليص الوجود الميداني المباشر.
وفي هذا السياق، فإن إسرائيل ليست مجرد شريك عسكري، بل واجهة متقدمة لردع إيران وتحمُّل جزء من كلفة الاشتباك المباشر، لأنه بينما تعيد أمريكا توزيع التزاماتها عالميًّا نحو منافسات كبرى مع الصين وروسيا، تتحول الحرب ضد إيران إلى أداة لإقناع الجمهور الأمريكي والحلفاء، بأن التراجع ليس هزيمة بل ”إعادة تموضع ذكي”، وبأن الضربات المكثفة تعني أن أمريكا ما زالت تمسك بزمام المبادرة، حتى وهي تخفِّض الاعتماد على التواجد البري طويل الأمد.

6- إعادة توزيع الأدوار في نظام يتعدد أقطابه
إن النتيجة الأعمق للحرب ضد إيران منذ فيفري 2025، أنها تُسرّع مسارًا كان يتشكل ببطء منذ سنوات: الانتقال من نظام أمريكي مركزي إلى نظام متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه قوى كروسيا والصين وأوروبا، إلى جانب القوى الإقليمية، إدارة ملفات الأمن والطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط. ومع كل جولة تصعيد تتسع مساحة الأطراف الأخرى:
– تثبت روسيا حضورها العسكري والدبلوماسي، كطرف لا يمكن تجاوزه في ملفات سوريا وإيران والطاقة.
– تعمّق الصين دورها الاقتصادي والمالي، وتقدِّم نفسها وسيطًا محتملًا أو ضامنًا للاستقرار، مقابل توسيع نفوذها في التجارة والطاقة.
– تأكيد دور قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا وباكستان التي تمارس سياسة تحوّط، تتقاطع مع أمريكا في ملفات، ومع روسيا والصين في ملفات أخرى، بدل الاصطفاف الصلب مع قطب واحد.

جعلت طبيعة النظام السياسي الأمريكي، المقيّد أصلا بدورات انتخابية ورأي عامّ وإعلام يومي، عنصر الزمن عامل ضغط داخلي؛ فأمريكا مضطرة لإظهار ”نتائج” في أفُق زمني قصير، في حين أن إيران تعمل بمنطق البقاء الطويل، والقدرة على امتصاص الضربات والتكيّف معها. وهذا اللاتماثل الزمني يعني أن الطرف المقيَّد بالوقت هو الذي يُستنزف إستراتيجيًّا، حتى لو امتلك تفوقًا عسكريًّا ساحقًا، بينما يتحول صمود الطرف الأضعف في التوازن العسكري، إلى شكل من أشكال النفوذ والانتصار، عقب أي مواجهة عسكرية مهما كانت نتائج الأضرار المادية التي تطاله.

وفي قلب هذا التحوُّل، لا تعود الحرب ”انحرافًا” عن النظام الدولي، بل إحدى أدوات إعادة تشكيله؛ فكل ضربة عسكرية، وكل جولة تفاوض متعثرة، وكل هجوم إيراني مضاد على القواعد الأمريكية في دول خليج، تدفع بعملية إعادة التوزيع خطوة إلى الأمام، وتُقلّل من مركزية القرار الأمريكي، لصالح شبكة أوسع من الفاعلين في النظام الدولي.
نتيجة الحرب القائمة ضد إيران ليست في من ينتصر عسكريًّا؟ بل في السؤال: من يدير لحظة الانتقال؟ ومن ينجح في إعادة تموضعه داخل النظام الدولي؟ الحربُ القائمة لا تؤشر إلى انهيار النظام الدولي القائم، بقدر ما تعبِّر عن دخوله مرحلة إعادة توزيع أدوار: هيمنة أمريكية ما زالت قوية لكنها أصبحت مشروطة، مسعى إيران لتحويل قدرتها على الصمود إلى نفوذ يغير في طبيعة دورها الإقليمي، بينما تستخدم إسرائيل الحرب لتعيد رسم معادلات الردع من حولها، لبناء مسارات الهيمنة في المنطقة.
بهذا المعنى، الحربٌ ليست فوضى بل لحظة إستراتيجية انتقالية واختبار لقدرة الفاعلين على التكيّف مع نظام دولي، يتجه من اليقين الذي تمنحه الهيمنة الأحادية، إلى ”لايقين محسوب” تُوزَّع فيه القوة، ويتوقف التفوُّق فيه على السرعة في التكيّف، أكثر مما يتوقف على حجم الترسانة العسكرية وحدها.

مقالات ذات صلة