الرأي

الحرب الروسية الأوكرانية: المستقبل الذي ينتظرنا…

محمد سليم قلالة
  • 3366
  • 0

يمكن استخلاص جملة من النتائج الأولية  لِما بعد الأيام الأولى للحرب الروسية ـ الأوكرانية لعلها تفيدنا في إدراك المستقبل الذي ينتظرنا.

ـ  لقد بات واضحا على صعيد السياسة الغربية على الأقل ما يلي:

ـ أن العامل المشترك الأساسي الذي يحكم تضامن الغرب الليبرالي فيما بينه هو منع نشوب أي حرب بأقاليمه مهما كانت الأسباب. لا يهمه في ذلك التخلي عن حلفائه أو خيانتهم أو حتى التحالف ضدهم. لقد تم التسليم في أوكرانيا بكل سهولة وتُرِكت تواجه روسيا بمفردها رغم التطمينات الكثيرة السابقة ورغم الوعود الكثيرة بالدفاع عنها التي مازالت مستمرة إلى اليوم.

ـ أن ما يهم الغرب الليبرالي بالدرجة الأولى هو كيفية الحفاظ على مصالحه المادية ومصالح شعوبه، لا تهمه -كما يدعي- الحريات، ولا حقوق الإنسان، ولا الدفاع عن الديمقراطية. هذه الأخيرة بالنسبة له هي أداة من أدوات التوسع وتحقيق مزيد من الثروة ومحاصرة الأعداء والمنافسين والهيمنة عليهم. يمكن بكل سهولة التخلي عنها في أي لحظة من اللحظات إذا ما تعارض ذلك مع مصالحه الإستراتيجية وحاجته للاستمرار متفوقا على الصعيد العالمي.

ـ أصبح الغرب الليبرالي يستثمر اليوم في الحروب كما يستثمر في الكوارث الإنسانية الناجمة عنها. إنه يربح ببيع العتاد العسكري لأوكرانيا  لتعطيل قوة خصمه الأول روسيا، كما يربح بنزوح آلاف الأوكرانيين نحو أوربا الغربية التي هي الآن في حاجة إلى يد عاملة شابة ومؤهلة في مختلف المجالات وسهلة الاندماج في مجتمعاته.

أما على صعيد السياسة الروسية والشرقية بشكل عام فقد بدا جليا لحد الآن ما يلي:

ـ أن روسيا شرعت في تنفيذ مبدأ أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم، باعتبار أن الغرب  الليبرالي كان سيستمر في محاصرتها عبر أوكرانيا إلى أن يتسلل إلى الداخل ويمنع تشكل نظام سياسي مخالف له من حيث التاريخ والقيم والدور في روسيا. إلا أن  جرأة الرئيس بوتن على اتخاذ قرار استراتيجي بالهجوم أربك المخطط التوسعي الغربي نحو الشرق، وقد ربح في هذا المسعى مهما كانت النتيجة التي يحققها بعد الآن.

ـ بات واضحا اليوم كذلك أن هناك بوادر تكتل حلف شرق ـ شرق بقيادة الصين وروسيا وبعضوية إيران وسورية، مع إمكانية امتداده لدول شرقية أخرى، وسيكون هذا الحلف بمثابة القوة الموازية للحلف الأطلسي مما يعيدنا إلى مرحلة الثنائية القطبية بدل التعدد القطبي الذي كان متوقعا. ومن نتائج ذلك أن تُصبح أيّ قوة صاعدة أمام بديلين لا ثالث لهما: إما الانضمام إلى الغرب أو الشرق، لانعدام إمكانية بروز قطب ثالث في المدى المتوسط على الأٌقل.

ـ وبالنتيجة سنكون مستقبلا مضطرين إما للانضمام إلى أحد الحلفين، أو الخضوع لمساومة كليهما أو البحث عن بديل ثالث شبيه بحركة عدم انحياز جديدة كما فعلت بعض دولنا بعد الحرب العالمية الثانية وكادت تترك هذه المبادرة تموت اليوم.

وهذا الوضع الاستراتيجي الجديد سيُبيِّن لنا بوضوح، أنه علينا الاستثمار فيما بقي لنا من عوامل القوة وبخاصة قوة الموقف السياسي الواضح فيما يجري اليوم في أوكرانيا وشجاعة القرارات المتعلقة بتصديرنا للغاز نحو أوروبا خاصة، لعلنا نتمكن من الحفاظ على حالة التوازن التي نملك… خلافا لذلك فإن كلا من الشرق والغرب سينظر لنا بمنظار الريبة ونكون أكبر الخاسرين في حرب تبعد عنا بآلاف الكيلومترات ويبدو أن لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

مقالات ذات صلة