الحرب الروسية الأوكرانية.. من التكتيك العسكري إلى الدعاية عبر العالم الافتراضي
بعد مرور سنتين من صراع العالم مع وباء كورونا، وتجاذبات الموجات الأربعة بين اشتداد مراحل الذروة وانخفاض حالات الإصابة والعدوى، شهد مطلع عام 2022 عودة المفاهيم التقليدية للإمبراطورية والسيطرة على مناطق النفوذ، والتي أنست الجميعَ تداعيات الحرب البيولوجية إلى ارتكاز الحرب الكلاسيكية على أرض الواقع، التي تنضوي ضمن مسمى الاجتياح الروسي لأوكرانيا بين مطالب الأحقية باسترجاع الأرض الأوكرانية من جهة، والدفاع عن مبادئ السيادة الوطنية والحدود الجغرافية من جهة أخرى.
غير أن هذه المفاهيم تسلّحت باستراتيجيات الدعاية والدعاية المضادة عبر تكنولوجيات الاتصال الحديثة، إذ تحاول روسيا استغلال المنصات الافتراضية، وتحديداً “فيسبوك”، ليصل هذا الاستغلال إلى ذروته في الفترة التي سبقت هجومها العسكري الذي شنته فجر الخميس 24 فبراير 2022، في إطار أسلوب حشد الجماهير أو تجييش المصادر Crowdsourcing، وهو المصطلح الذي يُستخدم بكثرة مؤخّرا في بوتقة حشد المصادر المجتمعية والتواصل مع مجموعات كبيرة من الاشخاص عبر الانترنت للاستفادة من خبراتهم، في محاولة لتشكيلات الرأي والحصول على التغذية العكسية المساعدة على معرفة الأصداء وتشكيل تكتلات افتراضية مساندة للقرار الروسي.
بمقتضيات الأجندة التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي في إطار الإعلام الجديد، غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت ككل في ديناميات الصراع، وباتت مكانًا لشن حرب جديدة تستهدف عقول الشعوب وقلوبها، لاسيما أن الشبكة العنكبوتية أصبحت منصة لبث الدعايات وتضخيم الأحداث وتسليط الأضواء على الكثير من المواضيع.
وفي الجهة المقابلة، تسعى الحكومة الأوكرانية إلى صدِّ المدّ الدعائي الذي تشنُّه روسيا، من خلال مخاطبة مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل “حجب الدعاية الروسية”، إذ نشر وزير التحوُّل الرقمي في أوكرانيا ميخائيل فيدوروف، نص الخطابات التي أرسلتها كييف إلى الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، حرصا على حماية “الشباب الأوكرانيين” من التعرُّض لتلك الدعاية، وبهذا فإنَّ الأعراف الدولية في حالات الحرب قد أضيفت لها قواعد حديثة تخرج عن إطار الديبلوماسية والاتفاقيات إلى هيمنة المؤسسات العالمية المالكة لمواقع التواصل الاجتماعية، ويظهر ذلك في إشارة موقع عربية نيوز إلى أن الوزير الأوكراني طالب شركة “ميتا” -التي يرأسها مارك زوكربورغ- بحظر الدعاية الروسية في “فيسبوك” و”انستغرام”، مشيرا إلى أنه طالب من “نتفليكس” بحظر الخدمة في روسيا.
كما أن المتتبع لوسائل الاتصال الجماهيرية العريقة في العالم العربي والغربي، يلاحظ أن الغرب يحاول جاهدا تطبيق أقصى العقوبات، فيتبادر إلى الذهن مصطلحات الحصار الاقتصادي، قطع العلاقات الديبلوماسية، الامتناع عن التزوُّد بالنفط والغاز الروسيين، لكن القصص الإخبارية التلفزيونية تحمل في أشرطة أخبارها عناوينَ جديدة لعقوبات من نوع افتراضي، كالتشويش على الموقع الرسمي لروسيا، حجب موقع الفايسبوك والانستغرام، إضافة إلى مصطلحات الحرب السيبرانية التي تشنُّها أطرافٌ مختلفة على الجهات الرسمية للبلدين، في إطار قطع كل أشكال الاتِّصال الرقمي والتكنولوجي عن العالم الخارجي، وهو ما سيشكِّل ضغطا كبيرا على الحكومة والشعب، مما سيخلق ما يسمى في لغة علوم الاعلام والاتصال بـ”العزلة الاجتماعية”، ويصبح التحليل الذي قام به الباحث المغربي مهدي المنجرة، المتخصص في السياسة والدراسات الاستشرافية في كتابه “صدام الحضارات” حقيقة واقعية في إثبات أن انتقال الحروب إلى مرحلة يسود فيها الصراع العرقي والاختلافات الثقافية، هي معاني تشكيلات الدين والعرق والثقافات كعوامل محددة لأي تكتل، ليقترب هذا التصور الأكاديمي مع الواقع الراهن للحروب والصراعات الدولية في خضم الإعلام الجديد كثقافة حديثة.
ومما سبق يتضح أن سلطة القرار في النزاعات الدولية لم تعد محصورة على أجهزة الأمم المتحدة التي عجزت أقوى أجهزتها – مجلس الأمن- عن اتخاذ قرارات صارمة باعتبار أن روسيا استعملت حق النقض لتجنب كل السيناريوهات المحتملة بتدخل حلف الناتو أو وقف القتال، لكن بمقتضيات الأجندة التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي في إطار الإعلام الجديد، غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت ككل في ديناميات الصراع، وباتت مكانًا لشن حرب جديدة تستهدف عقول الشعوب وقلوبها، لاسيما أن الشبكة العنكبوتية أصبحت منصة لبث الدعايات وتضخيم الأحداث وتسليط الأضواء على الكثير من المواضيع.
إضافة إلى أنَّ الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا قد أظهرت نوعا جديدا من التغطيات الإخبارية للأحداث من طرف المواطنين، فلم تعُد الكاميرا والمراسل الحربي كفيلين بالإلمام بجميع المعطيات، بقدر الاستناد في كثير من الأحيان إلى كاميرا الهواة من قلب الحدث، فبعضهم يلجأ إلى تصوير الدبّابات الروسية من خلف ستار المنازل، وبعضهم يصوّر معاناة المواطنين اليومية في الأقبية والمستودعات، ليأخذ مجددا مصطلح “صحافة المواطن” حيزا في ثقافة وسير وسائل الإعلام الثقيلة، لاسيما في مرحلة الحرب.