الحرب ستتبلور على ثلاثة مسارات تُرصد بمؤشرات عملية لا عبر الخطاب السياسي
القدرة الإيرانية على الرد ترتكز على ثلاثة محاور مترابطة
أمريكا هي الفاعل الأقدر على ضبط سقف التصعيد
يقدم الباحث في التاريخ العسكري ودراسات الدفاع الدكتور توفيق هامل، قراءة موسعة لمسارات الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، وقدرة هذه الأخيرة على صد العدوان الذي بدأ منذ السبت.
ويفكك الدكتور هامل في هذا الحوار مع “الشروق” الأوراق المتاحة لطرفي الحرب وكيفية إدارتها.
ما هي السيناريوهات المتوقعة للحرب الجديدة على إيران؟
في 28 فيفري 2026 بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، وردّت إيران سريعاً بإطلاق صواريخ ومسيّرات، مع امتداد الاستهداف إلى إسرائيل وعدد من القواعد الأميركية في المنطقة. بهذا المعنى، دخلت المواجهة منذ يومها الأول في منطق تبادل الضربات المتعددة المسارح، لا في إطار ضربة أحادية محدودة.
من زاوية القانون الدولي العام، الإطار الناظم يبدأ بحظر التهديد أو استخدام القوة في العلاقات الدولية وفق المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، ولا يخرج عن هذا الحظر إلا استثناءان: تفويض صريح من مجلس الأمن، أو ممارسة حق الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي وفق المادة 51، بشرطَي الضرورة والتناسب. في غياب تفويض معلن من مجلس الأمن، تصبح مشروعية الحرب متوقفة عملياً على كيفية تكييفها ضمن الدفاع الشرعي: هل وقع هجوم مسلح سابق يبرر الرد؟ وهل معيار “التهديد الوشيك” متحقق بمعناه الضيق؟ هنا ينشأ الجدل القانوني المتوقع في كل حرب ذات طابع وقائي أو استباقي واسع.
استراتيجياً، تتبلور الحرب في الأيام الأولى على ثلاثة مسارات محتملة، يمكن رصدها عبر مؤشرات عملية لا عبر الخطاب السياسي وحده.
المسار الأول هو حملة إكراه محدودة زمنياً. علاماته: كثافة ضربات عالية خلال أيام قليلة، تركّز على الدفاعات الجوية، القدرات الصاروخية، وبنى القيادة والسيطرة، ثم انخفاض تدريجي في الوتيرة مترافق مع حراك وساطة وتصريحات توحي بإمكانية التهدئة. نجاح هذا المسار يرتبط بإيجاد “نقطة توقف” تسمح لكل طرف بادعاء تحقيق حد أدنى من أهدافه من دون انزلاق إلى تعبئة طويلة.
المسار الثاني هو اتساع إقليمي يتحول إلى استنزاف. علاماته: استمرار الضربات بصورة يومية أو شبه يومية، توسيع الاستهداف ليشمل شبكة القواعد الأميركية في المنطقة، وارتفاع المخاطر في المجال البحري. هنا يصبح العامل الاقتصادي حاسماً. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن متوسط تدفق النفط عبر مضيق هرمز عام 2024 بلغ نحو 20 مليون برميل يومياً، أي قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. أي اضطراب ولو جزئي في هذا الممر ينعكس فوراً على التأمين والشحن والأسعار، ما يحوّل الحرب إلى ضغط اقتصادي عالمي.
المسار الثالث هو الانزلاق التصعيدي بفعل حدث نوعي: خسائر مدنية واسعة، إصابة منشآت طاقة أو موانئ أو سفن مدنية، أو استهداف قيادات ذات رمزية قصوى. مثل هذه الأحداث ترفع سقف القرار السياسي وتقلل هامش التراجع، لأن كلفة التهدئة داخلياً تصبح أعلى من كلفة الاستمرار.
داخل هذه المسارات، معيار تفسير مركزي هو الزمن والكلفة. إيران لا تحتاج ولا تستطيع عملياً هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة تقليدية متناظرة؛ ما تحتاجه هو الاستمرار: امتصاص الضربات الأولى، ثم الحفاظ على قدرة مستمرة على الإيذاء ورفع الكلفة بحيث يصبح تعريف “النصر” عند خصمها ملتبسا ومكلفاً. في المقابل، الطرف الأقوى يواجه معضلة تعريف نصر سياسي قابل للقياس إذا كانت أهدافه واسعة أو متغيرة.
ما هي قدرات إيران على المواجهة؟
ترتكز القدرة الإيرانية على ثلاثة محاور مترابطة: الصواريخ والمسيّرات كأداة ردع وإيلام قابلة للتكرار، توسيع ساحة الكلفة إقليمياً عبر استهداف القواعد والانتشار العسكري، وتحويل البحر والطاقة إلى مجال ضغط سياسي واقتصادي.
في البعد الصاروخي، القيمة ليست في ضربة واحدة حاسمة بل في القدرة على التكرار والإغراق، أي فرض عبء دائم على أنظمة الدفاع الجوي المعادية وإبقاء الجبهة الداخلية في حالة تعبئة مستمرة. هذا يمنح إيران إمكانية تحويل الحرب إلى معادلة استنزاف زمني.
في البعد الإقليمي، استهداف القواعد والانتشار العسكري خارج إسرائيل يوسّع حسابات الردع، ويجعل الحرب متعددة المستويات: عسكرية، سيادية، وتحالفية. كل دولة مضيفة تدخل المعادلة بحساباتها الخاصة، ما يعقّد إدارة التصعيد.
في البحر تحديداً، القتال البحري غير المتماثل يشكّل أداة ضغط استراتيجية لأنه يستثمر الجغرافيا، وخصوصاً مضيق هرمز، لرفع كلفة المرور والتأمين. الفرق الحاسم هنا هو بين “تعطيل ورفع كلفة” الملاحة وبين “إغلاق شامل ومستدام”. تعطيل الملاحة ورفع أقساط التأمين وإبطاء الشحن يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً وسياسياً سريعاً من دون إغلاق كامل. أما الإغلاق الطويل والشامل فهو أصعب بكثير ويستجلب عادة ردوداً أعنف بحجة حماية الملاحة الدولية.
ردّت إيران على العدوان في الدقائق الأولى عكس حرب جوان (حرب الاثني عشر يوماً) وبشكل موسع، كيف حصل هذا؟
في حرب 28 فيفري 2026 جاء الرد الإيراني سريعاً وعلنياً عبر الصواريخ والمسيّرات، مع امتداد الاستهداف إلى قواعد أمريكية في المنطقة. دلالة هذا السلوك ردعية: تثبيت قاعدة أن الضربة تقابل بضربة منذ البداية، ومنع تكريس فكرة “الضربة المجانية”.
في حرب جوان أو حرب الاثني عشر يوماً في جوان 2025، كان المنطق العام أيضاً تبادلاً مكثفاً في إطار “الضربة والرد” بين إسرائيل وإيران على مدى أيام. الفارق في 2026 لا يتعلق بمجرد سرعة الرد، بل باتساع مسرح الكلفة منذ البداية. إدخال شبكة القواعد الأميركية والدول المضيفة في معادلة الاستهداف يضيف طبقات سيادية وتحالفية واقتصادية تجعل التصعيد أكثر تعقيداً وأسرع قابلية للتدويل.
من له القدرة الآن على وقف الحرب؟ وهل أمريكا ستوقف الحرب دون تحقيق الأهداف التي وضعتها؟
إذا كانت الولايات المتحدة طرفاً مباشراً، فهي الفاعل الأقدر على ضبط سقف التصعيد من حيث وتيرة الضربات وطبيعة الأهداف وإدارة التحالفات والدفاعات الإقليمية. وفي المقابل، قدرة إيران على رفع الكلفة عبر القواعد والبحر تجعل الاستمرار المفتوح مكلفاً اقتصادياً وسياسياً، ما يخلق حافزاً عملياً للبحث عن احتواء إذا بدأت الكلفة تتجاوز العائد السياسي.
هل يمكن لواشنطن وقف الحرب دون تحقيق الأهداف القصوى؟ نعم، عبر إعادة تعريف الهدف سياسياً: “تعطيل” بدل “إزالة”، أو “استعادة ردع” بدل “تغيير جذري”. كلما اتسعت الأهداف المعلنة لتشمل تغيير النظام أو إعادة هندسة المشهد السياسي الإيراني، ازدادت صعوبة قياس النصر وازدادت كلفة تحقيقه.
المقارنة بالعراق توضح الفارق البنيوي. مساحة إيران تقارب 1,648,195 كيلومتراً مربعاً، بينما مساحة العراق تقارب 438,317 كيلومتراً مربعاً، أي أن إيران أكبر بنحو 3.7 مرات تقريباً من حيث المساحة. وعلى مستوى السكان، تشير بيانات 2024 إلى أن إيران تقارب 91.6 مليون نسمة، بينما العراق يقارب 46 مليون نسمة. هذا يعني أن أي تصور لتغيير نظام بالقوة في إيران يتطلب موارد وسيطرة وحوكمة وأمناً داخلياً على نطاق أثقل بكثير من الحالة العراقية. لذلك يصبح معيار “من يدوم” مركزياً: يكفي إيران أن تمنع خصمها من بلوغ غاياته القصوى ضمن كلفة وزمن مقبولين كي تدّعي الانتصار.
كيف تتوقع شكل العلاقات الإيرانية مع دول الخليج؟
في المدى القصير، الاتجاه الأرجح هو إدارة أزمة لا قطيعة نهائية. دول الخليج هي الأكثر تعرضاً للارتدادات المباشرة: قواعد عسكرية، منشآت طاقة، وممرات بحرية. لذلك ستجمع بين التشديد العلني على السيادة ورفض تحويل أراضيها إلى ساحة مواجهة، وبين إبقاء قنوات خلفية مفتوحة لتحديد حدود التصعيد ومنع انتقال النار إلى منشآت الطاقة والمرافئ.
في المدى المتوسط، البحر والطاقة هما المحددان الأكثر حسماً. إذا كان مضيق هرمز يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، فإن أي اضطراب—even محدود—ينعكس فوراً على اقتصادات الخليج وعلى علاقاتها بالقوى الكبرى. كلما تحولت المخاطر البحرية إلى حالة مزمنة ترفع التأمين وتبطئ الشحن، ازدادت مصلحة الخليج في دفع تهدئة سريعة. أما إذا اتسع الضرر داخل أراضي دول خليجية أو وقعت خسائر مدنية كبيرة، فسيغلب مسار تصلّب أمني جماعي وتوثيق ترتيبات الدفاع على حساب أي انفتاح مع طهران.
إضافةً إلى ذلك، فإن قدرة إيران على الردّ المتكرر وعلى “الدوام” ستكون عاملاً حاسماً لا يكتفي بتحديد نتيجة الحرب، بل يشكّل عدد السيناريوهات الممكنة ومساراتها. كلما نجحت إيران في امتصاص الضربة الأولى ثم الحفاظ على وتيرة ردّ قابلة للاستمرار—حتى لو كانت دون مستوى الحسم العسكري—ازدادت قابلية الحرب للتحول إلى استنزاف متعدد الجبهات، وازدادت الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تدفع نحو احتواء مبكر أو نحو إعادة تعريف أهداف الطرف الأقوى. أما إذا تعرضت قدرة إيران على إعادة التوليد والرد لضربة تُحدث شللاً طويل الأمد، فإن نافذة “الإكراه المحدود” تصبح أوسع، وترتفع احتمالات أن يفرض الطرف المهاجم شروطاً أشد أو أن يوسّع نطاق أهدافه. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الرد الإيراني بوصفه “حدثاً” في البداية فقط، بل بوصفه “قدرة مستمرة” تحدد إيقاع التصعيد، وتمنح طهران ورقة استراتيجية مركزية: الزمن كوسيلة لرفع الكلفة وإرباك تعريف النصر لدى الخصم.