العالم
عضو اللجنة التوجيهية لمنتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين الأديان فيروز بيبي لـ"الشروق":

الحروب حين تصاغ في إطار “مشيئة إلهية” يصعب إخضاعها لمنطق التسويات

عبد السلام سكية
  • 519
  • 0
ح.م
الدكتورة فيروز بيبي

الدعم الأمريكي لإسرائيل مبني على تحقيق نبوءات نهاية الزمن

الدكتورة فيروز بيبي باحثة في مقارنة الأديان ومتخصصة في دراسات الحوار الديني. عضو اللجنة التوجيهية لمنتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين الأديان والثقافات، وعضو شبكة “FemWise-Africa” التابعة للاتحاد الإفريقي، تركز أبحاثها على تقاطع الدين والسياسة وتوظيف النصوص الدينية في الصراعات المعاصرة، تتحدث في هذا الحوار مع “الشروق”، عن التوظيف الديني للقيادة الأمريكية في حربها بمعية شريكها دولة الاحتلال ضد إيران.
وتقول الدكتورة بيبي، إن الحروب حين تصاغ في إطار “مشيئة إلهية” فإنها تتحول إلى صراعات مطلقة يصعب إخضاعها لمنطق التسويات.
وتفسر المتحدثة شروحات التصريحات التي أطلقها سفير أمريكا في دولة الاحتلال مايك هاكابي عن “إسرائيل من البحر إلى النهر”، وعلاقة المسيحية الإنجيلية بدولة الاحتلال.

هل نحن أمام حرب دينية أمريكية-“إسرائيلية”، استنادا إلى ما يتم تداوله حول مذكرات دينية وصلت للجنود وتصريحات لمسؤولين رسميين؟
من منظور دراسات مقارنة الأديان، لا يمكن توصيف الصراعات الدولية المعاصرة بأنها “حروب دينية” بالمعنى الكلاسيكي، أي الحروب التي تخاض بهدف نشر العقيدة الدينية أو فرضها. فالدولة الحديثة تتحرك أساسا وفق اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية تتعلق بالأمن والنفوذ وتوازنات القوة.
غير أننا نشهد ظاهرة يصفها الباحثون في علم الاجتماع الديني بـ “تديين الصراع” (Sacralization of Conflict). فالمذكرات أو الكتيبات ذات الطابع الديني التي توزع على الجنود لا تهدف إلى نشر الدين، بل تعمل كأداة للتعبئة المعنوية، حيث يتحول الجندي من مقاتل يخوض حربا باسم الدولة إلى ما يشبه “المحارب المقدس”.
وبذلك لا يصبح الصراع دينيا في جوهره، بل سياسيا يتم إلباسه لبوسا دينيا. والخطورة هنا تكمن في أن الصراعات السياسية قابلة للتفاوض والتسوية، أما حين تصاغ في إطار “مشيئة إلهية” فإنها تتحول إلى صراعات مطلقة يصعب إخضاعها لمنطق التسويات.

أثار السفير الأمريكي في دولة الاحتلال، مايك هاكابي، جدلا واسعا بحديثه عن “إسرائيل من النهر إلى البحر”. ماذا يعني هذا المصطلح في قاموسه اللاهوتي؟
جغرافيا، تشير عبارة “من النهر إلى البحر” إلى المجال الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط. غير أن هذا التعبير، في الخطاب اللاهوتي لشخصيات مثل مايك هاكابي، يتجاوز الدلالة الجغرافية المباشرة.
فهاكابي ينتمي إلى تيار ديني أمريكي معروف باسم “الصهيونية المسيحية” (Christian Zionism)، وهو تيار يرتبط فكريا بمدرسة لاهوتية تعرف بـ “اللاهوت التدبيري” (Dispensationalism).
هذا التيار يرى أن قيام دولة “إسرائيل” يمثل جزءا من الخطة الإلهية للتاريخ، وأن عودة اليهود إلى فلسطين شرط من شروط عودة المسيح الثانية. وبالتالي فإن دعم إسرائيل لا يقوم بالضرورة على تعاطف ديني مع اليهودية، بل على تصور أخروي يرى في الشرق الأوسط مسرحا لتحقيق نبوءات “نهاية الزمن”.
من هنا يمكن فهم التحالف الوثيق بين بعض التيارات الإنجيلية الأمريكية واليمين “الإسرائيلي”، حيث يتقاطع الدعم السياسي والعسكري مع تصورات لاهوتية حول نهاية التاريخ.

تتردد عبارة “من النيل إلى الفرات” كحدود لـ”أرض الميعاد”. هل هذا توصيف جغرافي دقيق أم تعبير رمزي؟
ترد هذه العبارة في النص التوراتي في سفر التكوين (15:18)، غير أن غالبية الباحثين في الجغرافيا التاريخية للكتاب المقدس يرون أنها أقرب إلى التعبير الرمزي عن مجال النفوذ منها إلى خريطة سياسية دقيقة.
فالنص العبري الأصلي يستخدم تعبير “نحال مصرايم” (Nahal Mitzrayim)، وهو تعبير يعني “وادي مصر” وليس “نهر مصر”. ويرجح عدد كبير من الباحثين أن المقصود به هو وادي العريش في شمال سيناء، وليس نهر النيل.
إن تحويل “الوادي” إلى “النهر” في الخطاب السياسي المعاصر يمثل نوعا من التمدد التأويلي للنص، وهو تأويل يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الجغرافيا الطبيعية ليست ثابتة عبر التاريخ؛ فالتغيرات الجيولوجية والهيدرولوجية عبر آلاف السنين أدت إلى تغير مجاري الأنهار وتبدل الحدود الطبيعية.
لذلك فإن قراءة النصوص القديمة باعتبارها خرائط سياسية صالحة للتطبيق في العصر الحديث تمثل إسقاطا أيديولوجيا معاصرا على نصوص دينية قديمة.

برزت أطروحة لافتة للباحث زياد منى وكمال الصليبي تنقل جغرافيا التوراة إلى “عسير” في السعودية. كيف تقيمين هذا الطرح علميا؟
تنتمي هذه الأطروحة إلى مدرسة بحثية اعتمدت أساسا على الفيلولوجيا (Philology – علم فقه اللغة)، وهي المنهجية التي حاول من خلالها الباحث اللبناني كمال الصليبي (Kamal Salibi) في كتابه الشهير “التوراة جاءت من جزيرة العرب” إعادة قراءة أسماء المواقع التوراتية.
وسار الباحث زياد منى على النهج نفسه في كتابه “مصر وبنو إسرائيل في عسير”، حيث حاول تتبع مئات الأسماء الجغرافية الواردة في التوراة وإيجاد نظائر لغوية لها في جنوب الجزيرة العربية، خاصة في منطقة عسير.
غير أن هذه الأطروحات، من الناحية الأكاديمية، تصنّف غالبا ضمن ما يسمى “التاريخ الهامشي” (Fringe History – التاريخ غير السائد)، لأنها تعتمد أساسا على التشابهات اللغوية دون أن يرافقها دليل أثري مادي كاف.
ومع ذلك، تبقى لهذه الأطروحات أهمية فكرية؛ فهي تظهر أن الجغرافيا التوراتية ليست مسألة محسومة علميا بشكل مطلق، وأن ربط النصوص الدينية مباشرة بحدود سياسية معاصرة يظل مسألة إشكالية من منظور البحث التاريخي.

بصفتك متخصصة، كيف ترين استخدام اليمين المتطرف لنصوص مثل “عماليق”؟ وهل هي قراءة دينية أم تأويل أيديولوجي؟
ما نشهده في خطاب بعض التيارات اليمينية المتطرفة في “إسرائيل” هو ما يمكن وصفه بـ”التأويل الأيديولوجي الانتقائي” للنصوص الدينية.
فاستحضار شخصية “عماليق” الواردة في النصوص التوراتية – وهي تمثل العدو القديم الذي وردت أوامر بمحو أثره – يستخدم في الخطاب السياسي المعاصر كآلية رمزية لنزع الإنسانية عن الخصم.
وهنا يتم الانتقال من القراءة الأكاديمية للنصوص، كما تقدمها مدرسة النقد التاريخي (Historical Criticism)، التي ترى هذه الروايات جزءا من أدبيات دينية قديمة، إلى توظيفها بوصفها بيانا أيديولوجيا معاصرا يبرر العنف.
بمعنى آخر، نحن لسنا أمام قراءة دينية تقليدية، بل أمام أدلجة للنص المقدس وتحويله إلى أداة في الصراع السياسي.

في ظل التوترات مع إيران، هل يمكن القول إن الصراع يحمل أبعادا “أخروية”؟
الصراع في جوهره جيوسياسي واستراتيجي، لكنه في الوقت نفسه محاط بطبقات من الرمزية الدينية والأخروية.
ففي الولايات المتحدة، تؤثر بعض التيارات الإنجيلية المرتبطة بـ “الصهيونية المسيحية” (Christian Zionism) في الخطاب السياسي، حيث ترى في صراعات الشرق الأوسط تمهيدا لمعركة هرمجدون (Armageddon) الواردة في الأدبيات الإنجيلية حول نهاية العالم.
وفي المقابل، تستخدم بعض الخطابات الدينية في إيران مفاهيم مثل المهدوية و”نصرة المستضعفين” لإضفاء بعد رمزي وديني على الصراع.
هذا التداخل بين السياسة والرمزية الدينية يجعل النزاعات تبدو أحيانا وكأنها صراعات ذات طابع وجودي أو قدري، وهو ما يزيد من تعقيدها ويجعل تسويتها أكثر صعوبة.

مقالات ذات صلة