العالم
الباحث في التاريخ العسكري ودراسات الدفاع الدكتور توفيق هامل لـ"الشروق":

الحروب غير المتكافئة نادرًا ما تنتهي بانتصار الجيوش النظامية

عبد السلام سكية
  • 485
  • 0

الحسم الذي يتحدث عنه نتنياهو خطاب دعائي داخلي

الحرب في غزة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية

روسيا توظف الصراع لتعزيز مواجهتها مع الغرب والصين تبحث عن استقرار يخدم مصالحها

التجارب أثبتت قدرة حماس على إعادة بناء نفسها

السابع من أكتوبر مثّل صدمة كبرى للمنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية

يقدم الباحث في التاريخ العسكري ودراسات الدفاع الدكتور توفيق هامل، أفق الصراع في جانبه العسكري والاستخباراتي بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال، ويجزم بعدم قدرة الاحتلال على حسم الصراع.

ويفكك الدكتور هامل، سياقات الحرب داخليا وخارجيا، وكيفية تعامل القوى الإقليمية، والدولية خاصة أمريكا وروسيا والصين مع ما يجري في غزة.

ما قدرة الاحتلال على حسم حربه كما يردده نتنياهو منذ السابع أكتوبر؟

سؤالكم في صميم النقاش الاستراتيجي الراهن. قدرة الاحتلال الإسرائيلي على الحسم العسكري كما يردده نتنياهو منذ 7 أكتوبر تظل محل جدل واسع لأسباب موضوعية ترتبط بالتوازنات الميدانية والسياسية. منذ السابع من أكتوبر، يكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شعار الحسم العسكري، لكن هذا الطرح يواجه إشكاليات جوهرية تتعلق بالفجوة بين التفوق العسكري الإسرائيلي على الورق والواقع الميداني المعقد على الأرض. إسرائيل بلا شك تمتلك واحدًا من أقوى الجيوش في المنطقة مع تفوق جوي ساحق وشبكة دفاع صاروخي متعددة الطبقات ودعم استخباراتي ولوجستي أمريكي وغربي متواصل، ما يمنحها القدرة على توجيه ضربات مدمرة ضد غزة. غير أن الحسم لا يعني مجرد التدمير بل يتطلب القضاء الكامل على قدرة الفلسطينيين على القتال والاستمرار، وهو ما لم يتحقق رغم مرور أشهر من العمليات المكثفة، إذ ما زال حماس قادرًا على إطلاق الصواريخ وتنفيذ هجمات نوعية على الجبهة.

إشكالية إسرائيل الكبرى تكمن في طبيعة الحرب غير المتكافئة، حيث يواجه جيش نظامي مدجج بالتكنولوجيا خصمًا مرنًا وغير نظامي يتحرك في بيئة حضرية مكتظة ويعتمد على تكتيكات الأنفاق والتخفي والكمائن.

هذه المعطيات تجعل القوة التكنولوجية الإسرائيلية محدودة الفاعلية. تجربة حرب لبنان 2006 كانت أوضح مثال على ذلك حين أخفق الجيش الإسرائيلي في فرض الحسم رغم تفوقه العسكري الساحق واضطر في النهاية إلى قبول تسوية غير مرضية. الأمر ذاته تكرر في غزة أعوام 2014 و2021 حين فشلت إسرائيل في تحييد قدرات المجموعات المسلحة الفلسطينية رغم القصف المكثف والخسائر البشرية الفادحة.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن فصل البعد العسكري عن السياسي والدبلوماسي؛ فالحسم العسكري يتطلب أيضًا فرض واقع سياسي جديد مستقر، غير أن الدمار الواسع والعدد الكبير من الضحايا المدنيين في غزة ولّدا عزلة دولية متزايدة لإسرائيل وأثارا موجة ضغوط حتى على حلفائها الغربيين. أي انتصار ميداني يتحول بسرعة إلى عبء سياسي ودبلوماسي. أما داخليًا، فقد كشفت الأزمة عن انقسامات عميقة بين معسكر نتنياهو ومعارضيه وعن أزمة ثقة بين القيادة العسكرية والسياسية في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية ضد إدارة الحرب. هذه الانقسامات تضعف قدرة إسرائيل على مواصلة حرب طويلة الأمد أو الادعاء بتحقيق نصر حاسم. وأمام خطر توسع الحرب إلى جبهات أخرى مثل لبنان أو سوريا، يبدو أن الحسم الذي يتحدث عنه نتنياهو يظل أقرب إلى خطاب دعائي داخلي يهدف إلى رفع معنويات الجمهور الإسرائيلي أكثر من كونه هدفًا استراتيجيًا قابلاً للتحقق.

برأيكم، كيف يمكن أن تتطور طبيعة المواجهة العسكرية بين فلسطين وإسرائيل في الفترة المقبلة؟

المواجهة بين فلسطين وإسرائيل تدخل مرحلة جديدة من التعقيد فبعد سنوات من الحروب المتقطعة والهدن المؤقتة يتضح أن الصراع يتجه نحو أنماط أكثر تداخلًا تتجاوز حدود غزة لتطال الإقليم بأسره في ظل اختلال موازين القوى التقليدية لصالح إسرائيل تلجأ المجموعات المسلحة الفلسطينية إلى استراتيجيات مبتكرة تجمع بين الحرب غير المتكافئة والتكنولوجيا منخفضة الكلفة والضغط المعنوي والإعلامي أمام هذا الواقع يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة.

المواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل تدخل مرحلة نوعية جديدة تتجاوز الطابع الدوري الذي اتسمت به الحروب السابقة في غزة فبعد سنوات من المواجهات المتقطعة التي كانت تنتهي عادة بهدن مؤقتة يتضح اليوم أن الصراع بات محكومًا بديناميكيات أكثر تعقيدًا تمتد إلى المجال الإقليمي والدولي في ظل تفوق عسكري ساحق لإسرائيل من حيث التكنولوجيا والتسليح والدعم الغربي تلجأ حماس إلى اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على الحرب غير المتكافئة وتوظيف أدوات منخفضة الكلفة مثل الصواريخ محلية الصنع والطائرات المسيّرة إلى جانب استخدام الحرب الإعلامية والنفسية كسلاح لا يقل أهمية عن القوة النارية هذه المعادلة تفتح الباب أمام جملة من السيناريوهات أبرزها استمرار الحرب في شكل استنزاف طويل الأمد حيث تُبقي عناصر حماس إسرائيل في حالة إنذار دائم عبر إطلاق دفعات صاروخية متقطعة وهجمات متفرقة بالمسيّرات ما يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد الإسرائيلي وضرب استقرار جبهته الداخلية تجربة حرب 2014 التي استمرت 51 يومًا رغم التفوق الإسرائيلي تعكس حدود قدرة تل أبيب على فرض الحسم وتوضح كيف يمكن لسيناريو الاستنزاف أن يتكرر بوتيرة أشد.

إلى جانب ذلك، يظل احتمال توسع المواجهة إلى جبهات أخرى قائمًا خصوصًا عبر تدخل حزب الله أو فصائل مسلحة في سوريا والعراق واليمن هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة حرب 2006 في لبنان حين تمكن حزب الله من مفاجأة إسرائيل وإرباك جيشها بهجمات صاروخية مكثفة الأمر الذي كشف هشاشة العقيدة العسكرية الإسرائيلية أمام خصوم غير تقليديين توسع الجبهات سيجبر إسرائيل على توزيع قواتها بين عدة ساحات ما قد يعرضها لاختناق استراتيجي يحد من فاعلية ردعها أما إذا قررت إسرائيل توسيع ضرباتها إلى خارج غزة واستهداف قيادات في دول أخرى فقد نكون أمام تصعيد إقليمي واسع تتداخل فيه حسابات الولايات المتحدة وإيران بما يشبه الأجواء التي سادت بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020 حين بدا أن أي خطأ في الحسابات قد يجر المنطقة إلى مواجهة مباشرة

ورغم هذا الاحتمال يبقى تدخل القوى الكبرى والوسطاء الإقليميين كقطر ومصر وتركيا قائمًا للحد من التصعيد عبر فرض هدن مؤقتة شبيهة بما حدث في ماي 2021 لكن هذه الهدن بحكم طبيعتها الهشة لا تنجح في معالجة جذور الأزمة بل تؤجل الانفجار إلى جولات لاحقة في ضوء هذه المعطيات يبدو أن الصراع محكوم بالبقاء في دائرة مغلقة من الاستنزاف والتصعيدات المحدودة مع خطر دائم بالانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة ما يجعل طبيعة الحرب المقبلة أكثر تعقيدًا وتداخلًا من أي وقت مضى.

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر التحولات الإقليمية والدولية خصوصًا مواقف أمريكا وإيران في مسار هذه الحرب؟

سؤال جوهري لأنه يسلّط الضوء على أن مسار الحرب بين الفلسطينيين وإسرائيل ليس رهينًا فقط بالمعطيات الميدانية بل أيضًا بالتحولات الإقليمية والدولية وخاصة مواقف القوى الكبرى كأمريكا وإيران.

الحرب في غزة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية إذ أضحى واضحًا منذ السابع من أكتوبر أن مسارها يتحدد بدرجة كبيرة وفق مواقف القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيران واشنطن تبقى الفاعل الأكثر تأثيرًا فهي التي توفر لإسرائيل الغطاء السياسي في مجلس الأمن والدعم العسكري المباشر من ذخائر وصواريخ اعتراضية ومعلومات استخباراتية وهو ما يتيح لتل أبيب هامشًا واسعًا لمواصلة العمليات لكن في الوقت نفسه تدرك الإدارة الأمريكية أن توسع الحرب إلى مواجهة شاملة مع حزب الله أو إيران سيعرض مصالحها وقواتها المنتشرة في المنطقة لخطر مباشر فضلًا عن تداعياته على استراتيجيتها العالمية خصوصًا في مواجهة الصين لذلك تتبنى واشنطن سياسة مزدوجة تمكين إسرائيل من الاستمرار في حربها مع محاولة ضبط إيقاع التصعيد ومنع الانفجار الإقليمي عبر ضغوط سياسية ودبلوماسية.

على الجانب الآخر، تلعب إيران دورًا محوريًا وإن بشكل غير مباشر فهي لا تخوض المواجهة بنفسها لكنها تدير شبكة من الحلفاء في لبنان واليمن والعراق وسوريا ضمن ما يعرف بمحور حماس وحلفائها هذا الترتيب يمنحها قدرة على الضغط على إسرائيل وواشنطن في أكثر من جبهة ويجعل أي تصعيد إسرائيلي مكلفًا على نحو يصعب احتماله إيران تدرك أن الانخراط المباشر قد يستجلب حربًا شاملة ضدها لكنها ترى أن استنزاف إسرائيل عبر حلفائها يحقق مكاسب استراتيجية مزدوجة تعزيز مكانتها الإقليمية ورفع كلفة الحسم الإسرائيلي الذي يلوّح به نتنياهو بهذا المعنى تشكل طهران عامل ردع غير مباشر يحد من هامش المناورة لإسرائيل.

إلى جانب الولايات المتحدة وإيران تسهم قوى إقليمية أخرى في صياغة المشهد، قطر تلعب دور الوسيط الأساسي في التهدئة بينما تحاول السعودية والإمارات الموازنة بين مصالحهما مع واشنطن وتل أبيب وبين الضغوط الشعبية العربية، أما تركيا فتستغل الحرب لتعزيز موقعها الإقليمي والدفاع عن صورتها أمام الرأي العام الإسلامي.

على الصعيد الدولي الأوسع نجد أن الحرب تزامنت مع تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو وبكين وهو ما منحها بعدًا إضافيًا روسيا والصين استغلتا الأزمة لتقويض الخطاب الغربي بشأن القانون الدولي عبر تبني خطاب داعم للفلسطينيين في الأمم المتحدة فيما أدى الضغط الحقوقي والإعلامي المتنامي في الغرب إلى تقليص شرعية الحرب الإسرائيلية كل ذلك يعكس أن الصراع في غزة لم يعد محليًا بل أصبح رهينًا لتوازنات معقدة تلتقي فيها حسابات واشنطن وطهران مع صراع الأقطاب العالمي.

ما مدى قدرة الفلسطينيين على تطوير قدراتهم الصاروخية والدفاعية لمجاراة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي؟

سؤالكم يذهب مباشرة إلى قلب المعادلة العسكرية غير المتكافئة في الصراع قدرة الفلسطينيين على تطوير ترسانتهم الصاروخية والدفاعية لمجاراة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي تتحدد بعدة مستويات.

رغم الحصار الخانق المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عامًا تمكنت المجموعات المسلحة الفلسطينية من تطوير ترسانة صاروخية محلية الصنع تراوحت من صواريخ قصيرة المدى إلى صواريخ يصل مداها إلى 200 كيلومتر وهو ما سمح باستهداف مدن إسرائيلية كبرى مثل تل أبيب وحيفا هذا التطور اعتمد على مزيج من الإبداع المحلي والتهريب المحدود عبر الأنفاق أو البحر ما مكّن حماس من تحويل مواد أولية بدائية إلى سلاح فعّال رغم محدودية الدقة مقارنة بالصواريخ الإسرائيلية المتطورة قدرة الفلسطينيين على التصنيع في ظروف شبه مستحيلة تعد بحد ذاتها إنجازًا عسكريًا واستراتيجيًا يفرض على إسرائيل إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية.

وللتعويض عن فجوة التكنولوجيا طورت “حماس” تكتيكات مبتكرة تركز على الكثافة العددية في الإطلاق كما حدث في ماي 2021 حين أطلقت مئات الصواريخ في وقت واحد لإغراق القبة الحديدية وإرغامها على العمل فوق طاقتها إضافة إلى ذلك اعتمدت المجموعات المسلحة على المرونة التنظيمية عبر منصات إطلاق متنقلة يصعب استهدافها وحمت بنيتها العسكرية من خلال شبكة أنفاق واسعة تمنع الطائرات الإسرائيلية من تدمير قدراتها بالكامل في السنوات الأخيرة وسّعت حماس استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية والمزودة بكاميرات ما وفر لها سلاحًا منخفض الكلفة عالي التأثير يمكن أن يتطور إلى أداة استراتيجية في المعارك المقبلة كما بدأت محاولات أولية للانخراط في الحرب السيبرانية عبر محاولات تعطيل الأنظمة الإسرائيلية أو بث رسائل دعائية مضادة.

مع ذلك، تبقى القدرة على مجاراة التفوق الإسرائيلي محدودة فإسرائيل تمتلك شبكة دفاع صاروخي متعددة الطبقات تجمع بين القبة الحديدية ومقلاع داوود وحيتس إضافة إلى قدرات استخباراتية ورقمية متقدمة وتفوق جوي يحول دون تمكين الفلسطينيين من امتلاك أنظمة دفاع جوي فعالة الحصار يزيد الطين بلة عبر منع وصول المواد الإستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة، لذا، فإن مستقبل تطوير القدرات العسكرية يعتمد بشكل أساسي على استمرار الدعم التقني من إيران و”حزب الله” وعلى قدرة حماس على استغلال الابتكار منخفض الكلفة في مجالات مثل المسيّرات والحرب السيبرانية لتقليص فجوة القوة مع الاحتلال وفرض معادلة استنزاف مستمرة.

هل نتوقع تحولات في تكتيكات الفلسطينيين مثل الأنفاق والطائرات المسيّرة؟

سؤالكم مهم جدًا لأنه يلمس لبّ التغير في فن الحرب غير المتكافئة التي يعتمدها الفلسطينيون نعم من المتوقع أن نشهد تحولات ملموسة في تكتيكاتهم خلال المرحلة المقبلة خصوصًا في مجالي الأنفاق والطائرات المسيّرة مع إدخال أدوات جديدة.

من المرجح أن تعرف تكتيكات المجموعات المسلحة الفلسطينية تحولات مهمة في المرحلة المقبلة إذا استمرت الحرب، تعكس طبيعة الحرب غير المتكافئة التي يخوضونها فالأنفاق التي شكّلت على مدى سنوات أحد أعمدة استراتيجيتهم لم تعد مجرد وسيلة دفاعية للتخزين أو التحصن بل تحولت إلى شبكة هجومية هجينة تُستخدم للكمائن ونقل المقاتلين وتنفيذ عمليات مفاجئة خلف خطوط العدو.

ورغم تدمير إسرائيل لجزء كبير من هذه الشبكة عبر القصف أثبتت التجارب السابقة قدرة حماس على إعادة بنائها بسرعة وبطرق أكثر سرية وعمقًا ما يجعل الأنفاق عنصرًا استراتيجيًا متجددًا يربك إسرائيل ويقيد قدرتها على فرض الحسم.

التحول الثاني يرتبط بالطائرات المسيّرة التي بدأ الفلسطينيون في توسيع استخدامها سواء في الاستطلاع أم في الهجمات المباشرة ضد آليات ودبابات أم حتى أهداف استراتيجية داخل العمق الإسرائيلي هذه الأدوات منخفضة الكلفة أظهرت فعاليتها في ساحات قتال أخرى مثل اليمن وأوكرانيا حيث نجحت في إرباك جيوش تمتلك دفاعات جوية متطورة إدخال أنظمة توجيه عبر GPS أو تطبيقات بسيطة للذكاء الاصطناعي قد يمنح هذه المسيّرات دقة أكبر ويزيد من فاعليتها رغم الحصار لتتحول إلى سلاح نوعي يغيّر ميزان الردع على المدى المتوسط.

إضافة إلى ذلك، يبدو أن حماس تتجه نحو بناء نموذج للحرب الشبكية يجمع بين الصواريخ والمسيّرات والأنفاق في عمليات متزامنة بحيث يتم إغراق القبة الحديدية بوابل صاروخي في الوقت ذاته الذي تُشن فيه هجمات مسيّرة على مواقع محددة إلى جانب تسلل عبر الأنفاق هذا التكامل يعكس تطورًا نحو الحرب الهجينة التي اعتمدها حزب الله في حرب 2006 مع تكييفها للظروف الخاصة بقطاع غزة كما أن المجال السيبراني مرشح للعب دور أكبر حيث قد يحاول الفلسطينيون تنفيذ هجمات رقمية لتعطيل أنظمة الإنذار أو بث رسائل نفسية داخل إسرائيل ورغم القيود التي يفرضها الحصار والتفوق الاستخباراتي الإسرائيلي، فإن قدرة المجموعات المسلحة على المفاجأة وابتكار تكتيكات جديدة تظل سلاحها الأهم وتجعل الحسم الإسرائيلي هدفًا بعيد المنال.

هل ستبقى الاستخبارات عاملاً حاسمًا في تفوق إسرائيل، أم إن الفلسطينيين طوروا آليات لشلّ هذا التفوق؟

سؤالكم يذهب إلى صلب ميزان القوة الحقيقي في هذه الحرب لأن المعركة ليست فقط صراع سلاح بل صراع معلومات واستخبارات بالدرجة الأولى.

منذ عقود اعتمدت إسرائيل على تفوقها الاستخباراتي كركيزة أساسية في ردع المجموعات المسلحة الفلسطينية وضرب بنيتها التنظيمية قدراتها في مجال الأقمار الصناعية والتنصت الإلكتروني والطائرات دون طيار والاختراق البشري مكّنتها في كثير من الأحيان من توجيه ضربات دقيقة استهدفت قيادات ميدانية وتدمير منصات إطلاق صواريخ أو كشف بنى تحتية سرية هذا التفوق عزز صورة إسرائيل كقوة تكنولوجية قادرة على رؤية كل شيء غير أن أحداث السابع من أكتوبر مثّلت صدمة كبرى لمنظومتها الاستخباراتية إذ عجزت عن التنبؤ بالهجوم المفاجئ الذي نفذته حماس ما كشف عن ثغرات في الاعتماد المفرط على التكنولوجيا مع إهمال عنصر القراءة الاستراتيجية.

في المقابل، طوّر الفلسطينيون آليات للحد من هذا التفوق أولها السرية التنظيمية وتقليص الاعتماد على وسائل الاتصال الإلكترونية ما يقلل من فرص الاختراق والتنصت ثانيها استخدام الأنفاق كفضاء عسكري خارج مدى المراقبة الجوية والإلكترونية بما يسمح بالحفاظ على عنصر المفاجأة ثالثها التكتيك المضاد للمعلومات عبر بث إشارات وهمية أو تضليل الخصم حول أماكن تواجد القيادات أو مخازن السلاح، أضف إلى ذلك أن عناصر حماس استفادوا من الدعم التقني والخبرة المتراكمة من أطراف إقليمية خصوصًا إيران وحزب الله في تطوير قدرات تشويش محدودة على أنظمة المراقبة.

ومع ذلك لا يعني ذلك أن الفلسطينيين تمكنوا من شل التفوق الإسرائيلي كليًا إسرائيل ما تزال قادرة على تنفيذ اغتيالات دقيقة وتحديد مواقع إطلاق صواريخ كما أن أدواتها التكنولوجية في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات تمنحها قوة يصعب مجاراتها لكن ما تغير هو أن المعادلة لم تعد أحادية الاستخبارات الإسرائيلية لم تعد ضمانة مطلقة والمجموعات المسلحة أظهرت أنها قادرة على المناورة وإخفاء جزء معتبر من بنيتها العسكرية.

الخلاصة أن الاستخبارات ستبقى عاملًا حاسمًا في تفوق إسرائيل لكنها فقدت كثيرًا من هيبتها كأداة قادرة على الحسم في المقابل طور الفلسطينيون آليات دفاعية وهجومية تقلل من فعاليتها وتحوّل الصراع الاستخباراتي إلى معركة مفتوحة على الخطأ والصواب بدل السيطرة المطلقة هذا التحول يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا ويؤكد أن التكنولوجيا مهما بلغت قوتها تظل عرضة للالتفاف حين تواجه خصمًا يعتمد على السرية والمرونة والتكتيكات المبتكرة.

كيف يمكن أن يؤثر عنصر المفاجأة والردع النفسي الذي يمارسه الفلسطينيون على بنية الأمن الإسرائيلي؟

سؤالكم يفتح زاوية بالغة الأهمية لأن الحروب لا تُحسم بالقوة المادية فقط بل أيضًا بعوامل نفسية ومعنوية تضرب عمق البنية الأمنية للخصم.

منذ 7 أكتوبر أظهرت المجموعات المسلحة الفلسطينية أن عنصر المفاجأة يمثل أحد أهم أسلحتها نجاحها في اختراق التحصينات الحدودية وتنفيذ هجمات نوعية داخل المستوطنات أخلّ بصورة الجيش الإسرائيلي كقوة لا تُقهر هذا الاختراق كشف هشاشة منظومة الاستخبارات والرقابة الأمنية التي لطالما روّجت إسرائيل لتفوقها المفاجأة لم تكن مجرد إنجاز عسكري بل هزة نفسية ضربت ثقة المجتمع الإسرائيلي في مؤسساته الأمنية وهو ما انعكس في موجة الانتقادات والاحتجاجات الداخلية.

أما على صعيد الردع النفسي، فقد نجح الفلسطينيون في تحويل الصواريخ والمسيّرات رغم محدودية دقتها إلى أداة ترهيب جماعي حالة الإنذار الدائم وصفارات الإنذار في تل أبيب والمدن الكبرى وتعطّل الحياة الاقتصادية والاجتماعية كلها مظاهر لإستراتيجية تستهدف معنويات السكان قبل إحداث خسائر مادية واسعة هذا الردع النفسي يشكل ضغطًا متواصلًا على صانع القرار الإسرائيلي الذي يجد نفسه مجبرًا على الموازنة بين الرغبة في التصعيد والحرص على تهدئة الجبهة الداخلية.

إضافة إلى ذلك، فإن قدرة حماس على الاستمرار في إطلاق الصواريخ بعد أشهر من القصف المكثف تكرّس صورة القدرة على الصمود ما يضعف سردية الحسم التي يروج لها نتنياهو فالمواطن الإسرائيلي الذي يعيش تحت تهديد دائم يفقد شيئًا فشيئًا الثقة في وعود قيادته هذا التآكل في الثقة قد تكون له آثار طويلة المدى على البنية الأمنية حيث يتحول الجيش من أداة ردع مطلقة إلى مؤسسة موضع مساءلة وانتقاد داخلي.

الخلاصة، أن عنصر المفاجأة والردع النفسي لا يقلان أهمية عن القوة العسكرية المباشرة فهما يقوّضان صورة التفوق الأمني الإسرائيلي التي بُنيت عليها عقيدة الردع منذ عقود ويفتحان المجال أمام إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والجيش والدولة في هذا السياق تصبح الحرب مع الفلسطينيين ليست مجرد مواجهة حدودية بل أزمة وجودية تمس عمق الهوية الأمنية لإسرائيل.

ما دور القوى الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين في منع أو تأجيج حرب واسعة؟

سؤالكم بالغ الأهمية لأنه يبرز أن مستقبل الحرب بين الفلسطينيين وإسرائيل لا يتوقف فقط على إرادة الطرفين المباشرين بل يتأثر بشكل عميق بأدوار القوى الكبرى هذه القوى ليست متفرجًا محايدًا بل فاعلًا مباشرًا في منع أو تأجيج حرب إقليمية واسعة كل حسب حساباته الاستراتيجية.

منذ 7 أكتوبر لعبت الولايات المتحدة الدور الأكثر حضورًا فهي المزوّد الأول لإسرائيل بالسلاح والذخائر والغطاء السياسي في المؤسسات الدولية ما يمنح تل أبيب هامشًا واسعًا لمواصلة الحرب في الوقت نفسه واشنطن تدرك أن انفجار حرب إقليمية شاملة مع حزب الله أو إيران سيهدد مصالحها العسكرية والاقتصادية في المنطقة ويقوض استراتيجيتها في آسيا لذلك تبدو الإدارة الأمريكية في موقع مزدوج من جهة تشجع إسرائيل على الاستمرار تحت شعار الحق في الدفاع عن النفس ومن جهة أخرى تضغط خلف الكواليس لتجنب تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تفجر المنطقة بأكملها إنها سياسة إدارة أزمة أكثر من كونها خطة لحل جذري.

أما روسيا، فإن موقفها يتأثر بمواجهة الغرب على خلفية حرب أوكرانيا موسكو تستغل حرب غزة لتقويض الهيمنة الأمريكية وإظهار ازدواجية المعايير الغربية في ما يتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان عبر هذا الخطاب تحاول كسب دعم في العالم العربي والإسلامي وتقديم نفسها كقوة بديلة قادرة على رعاية مسار سياسي لكنها في العمق لا تملك أدوات كافية لمنع الحرب بل توظفها كورقة في صراعها مع واشنطن

في المقابل تنظر الصين إلى الحرب من زاوية مصلحية بحتة بكين تسعى إلى حماية تدفق الطاقة من الشرق الأوسط وتجنب اضطرابات قد تهدد مبادرة الحزام والطريق لذلك تركز على الدعوة إلى وقف إطلاق النار وتبني خطاب الوسيط المسؤول دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل موقفها الحذر يعكس استراتيجيتها العامة تعزيز صورتها كقوة عالمية صاعدة قادرة على لعب دور في حل النزاعات من دون التورط عسكريًا أو سياسيًا بشكل مباشر.

الخلاصة، أن القوى الكبرى تلعب أدوارًا متباينة واشنطن تملك القدرة الأكبر على التأثير لكنها تستخدمها لإدارة الحرب أكثر من إنهائها روسيا توظف الصراع لتعزيز مواجهتها مع الغرب والصين تبحث عن استقرار يخدم مصالحها الاقتصادية هذا التداخل يجعل الحرب في غزة ليس فقط مواجهة محلية أو إقليمية بل أيضًا ساحة إضافية في إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.

ما السيناريو الأكثر ترجيحًا: مواجهة شاملة أم تصعيد محدود أم بقاء الوضع على حالة حرب بين الحروب؟

سؤالكم يذهب مباشرة إلى جوهر النقاش حول آفاق الحرب الواقع الميداني والإقليمي والدولي يشير إلى ثلاثة سيناريوهات ممكنة مواجهة شاملة أو تصعيد محدود أو بقاء الوضع على حالة حرب بين الحروب لكن أي منها يبدو الأكثر ترجيحًا.

المواجهة الشاملة تبقى الاحتمال الأكثر خطورة والأقل واقعية في المدى القريب فاندلاع حرب إقليمية كبرى تشمل إسرائيل و”حزب الله” وإيران سيعني إشعال المنطقة بأسرها مع تهديد المصالح الأمريكية والغربية بشكل مباشر كل الأطراف تدرك كلفة مثل هذا السيناريو لذلك تسعى إلى تجنبه رغم الخطاب التصعيدي المتبادل حزب الله يعتمد سياسة المشاركة المحسوبة لتفادي الانزلاق إلى حرب مفتوحة فيما تواصل الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على إسرائيل لضبط إيقاع عملياتها.

أما التصعيد المحدود، فهو الأكثر حضورًا في المشهد الراهن إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية في غزة وربما توجيه ضربات مركزة في سوريا ولبنان بينما يرد الفلسطينيون وحلفاؤهم بإطلاق الصواريخ والمسيّرات هذا النمط يتيح لإسرائيل الحفاظ على استراتيجية الردع دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية ويتيح لـ المجموعات المسلحة الفلسطينية الاستمرار في استنزاف الاحتلال من دون الدخول في حرب شاملة تفوق طاقتها.

لكن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار حالة حرب بين الحروب أي دورة من المواجهات المتقطعة والهدن المؤقتة يتخللها تصعيد محدود لا يصل إلى مستوى الحرب الكبرى هذا النمط هو الذي حكم العلاقة بين إسرائيل وحماس منذ سنوات حيث تسعى تل أبيب إلى منع تعاظم قوة خصومها عبر ضربات استباقية بينما يستثمر الفلسطينيون في تطوير قدراتهم وفرض معادلة ردع نفسي ومعنوي في هذا السياق تصبح غزة مسرحًا متكررًا للجولات الدموية من دون أن يلوح في الأفق حل سياسي أو عسكري نهائي.

الخلاصة، أن السيناريو الأرجح هو بقاء الوضع على حالة حرب بين الحروب مع تصعيدات محدودة في ظل رغبة الأطراف كافة في تجنب مواجهة شاملة لا يمكن التحكم بنتائجها لكن هذا الخيار لا يعني الاستقرار بل استمرار دورة الصراع كأداة لإدارة الأزمة بدل حلها وهو ما يترك المنطقة على فوهة بركان دائم.

ما هي التحديات التي قد تواجهها حماس في استدامة قدراتها العسكرية على المدى الطويل؟

سؤالكم يتناول جانبًا بالغ الحساسية لأن استدامة القدرات العسكرية لـ حماس هي ما يحدد قدرتها على الصمود في مواجهة الاحتلال على المدى الطويل ورغم النجاحات التي حققتها المجموعات المسلحة الفلسطينية في تطوير ترسانتها الصاروخية والاعتماد على أساليب مبتكرة مثل الأنفاق والمسيّرات إلا أن هناك تحديات هيكلية كبرى تواجهها.

أول هذه التحديات هو الحصار الخانق المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عامًا والذي يحدّ من وصول المواد الأساسية والقطع التكنولوجية الضرورية لصناعة السلاح ورغم اعتماد حماس على التصنيع المحلي والتهريب فإن الحصار يضع سقفًا لإمكانات التطوير ويجعل استدامة الإنتاج العسكري عملية شاقة وغير مضمونة

ثانيًا هناك الاستهداف المستمر للبنية التحتية كل جولة تصعيد تشهد قصفًا واسعًا يطال المصانع السرية ومخازن السلاح والأنفاق إعادة البناء تتطلب وقتًا وجهدًا وموارد يصعب توفيرها في ظل الظروف المعيشية الصعبة وهذا الاستنزاف المستمر يعقّد من قدرة عناصر حماس على الحفاظ على جاهزية عسكرية عالية لفترات طويلة.

ثالثًا، يشكل النزيف البشري تحديًا جوهريًا استهداف الكوادر القيادية والعناصر المتخصصة في مجالات التصنيع والهندسة يضعف القدرة المؤسسية لـ المجموعات المسلحة الفلسطينية على نقل الخبرة وتطوير المعرفة كل ضربة إسرائيلية ناجحة ضد خبير تقني أو قائد ميداني تترك فجوة يصعب ملؤها بسرعة.

إضافة إلى ذلك، يبرز التحدي المالي حيث تعتمد حماس بدرجة كبيرة على دعم خارجي وعلى التمويل الشعبي أي اضطراب في هذا الدعم نتيجة تحولات إقليمية أو ضغوط دولية قد يهدد استمرارية برامج التسليح والتطوير.

ولا يمكن إغفال التحدي السياسي والدبلوماسي استمرار الحرب يفاقم العزلة الدولية على غزة ويزيد الضغوط على الدول الداعمة للفلسطينيين هذا المناخ قد يضعف هامش المناورة السياسي ويفرض قيودًا إضافية على شبكات الدعم والتمويل والتهريب.

الخلاصة، أن استدامة القدرات العسكرية لـ حماس مرهونة بقدرتها على تجاوز هذه التحديات المتشابكة الحصار الاستنزاف العسكري فقدان الكوادر ضعف التمويل والضغوط السياسية ومع ذلك أثبتت التجارب السابقة أن الفلسطينيين طوّروا قدرة استثنائية على التكيف والإبداع في ظل الظروف القاسية ما يجعلهم قادرين على البقاء لاعبًا أساسيًا رغم كل القيود.

بم يخبرنا التاريخ العسكري في المواجهات بين حركات التحرر والجيوش النظامية؟

سؤالكم يفتح أفقًا واسعًا لفهم المواجهة الحالية عبر عدسة التاريخ العسكري، فالتجارب السابقة بين المجموعات المسلحة الفلسطينية والجيوش النظامية تكشف أن ميزان القوة لا يُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي أو العددي بل بتفاعل عوامل عدة الإرادة السياسية العمق الشعبي طبيعة الأرض وإستراتيجية الاستنزاف.

التاريخ يخبرنا أن الحروب غير المتكافئة نادرًا ما تنتهي بانتصار ساحق للجيوش النظامية في فيتنام مثلًا ورغم التفوق الساحق للولايات المتحدة في العتاد والقوة الجوية تمكنت جبهة التحرير الوطنية من تحويل الحرب إلى مستنقع استنزف واشنطن سياسيًا واجتماعيًا قبل أن يحسم بانسحابها في الجزائر أيضًا استطاع جيش التحرير الوطني فرض معادلة استنزاف على فرنسا حيث فشلت آلة عسكرية ضخمة في كسر إرادة الشعب الجزائري رغم تكبيده خسائر جسيمة.

كما يُظهر التاريخ أن الجيوش النظامية تواجه صعوبة في الحروب داخل بيئات حضرية مكتظة مثل بيروت عام 1982 أو غزة اليوم هذه البيئات تمنح الفلسطينيين ميزة الاختفاء والمرونة وتحوّل تفوق الجيش إلى عبء إذ يصبح القصف الواسع غير قادر على تمييز المقاتلين من المدنيين ما يفاقم الكلفة السياسية والأخلاقية.

كذلك، فإن الزمن يلعب لصالح حركات مثل حماس كلما طال أمد الحرب زادت كلفة الاحتلال على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أما المجموعات المسلحة الفلسطينية فتنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية طويلة المدى حيث يكفيها الصمود للحفاظ على شرعيتها وتعزيز صورتها.

في المقابل، يخبرنا التاريخ أن الفلسطينيين يواجهون مخاطر الاستنزاف والاختراق الجيوش النظامية قد تنجح في إلحاق خسائر فادحة واغتيال قيادات وفرض حصار يهدد البنية التحتية ومع ذلك حتى في هذه الحالات لم ينجح التفوق العسكري وحده في القضاء نهائيًا على الحركات المسلحة بل احتاج الأمر إلى حلول سياسية كما في إيرلندا الشمالية أو جنوب إفريقيا.

الخلاصة، أن التاريخ العسكري يبين أن المواجهات بين المجموعات الفلسطينية المسلحة والجيوش النظامية تنتهي غالبًا بنصف انتصارات ونصف هزائم الحركات تنجو وتستمر رغم الخسائر والجيوش تحقق إنجازات تكتيكية من دون حسم استراتيجي وهذا ما يجعل الصراع الحالي بين حماس وإسرائيل امتدادًا لنمط تاريخي طويل جيش نظامي متفوق يواجه خصمًا مرنًا لا يسعى إلى النصر العسكري الكلاسيكي بل إلى البقاء وإفقاد العدو القدرة على تحقيق الحسم.

فما يجري اليوم في غزة لا يمكن اختزاله في مواجهة عسكرية غير متكافئة بين قوة احتلال مدججة بالسلاح وبين الفلسطينيين بل هو في جوهره استمرار لحرب استعمارية ممتدة منذ أكثر من سبعة عقود حرب هدفها تكريس السيطرة على الأرض وطمس الهوية الوطنية الفلسطينية في خدمة مشروع توسعي أيديولوجي يعرف بـ “إسرائيل الكبرى” هذا المشروع الذي يتبناه تحالف سياسي وعسكري يقوده اليمين المتطرف الإسرائيلي يقوم على مبدأ الإقصاء العرقي والهيمنة المطلقة ولا يتحقق إلا عبر سياسات منظمة من التهجير والتدمير والتطهير العرقي.

لهذا السبب، فإن أصواتًا متزايدة من القانونيين والدبلوماسيين والمفكرين والباحثين بما في ذلك خبراء في الجامعات وهيئات مرموقة كالمحكمة الجنائية الدولية لم يترددوا في توصيف ما يجري بأنه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية فالقصف العشوائي واسع النطاق واستهداف المدنيين والأطفال والبنى التحتية المدنية مثل المستشفيات والمدارس والمخيمات يرقى إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة شعب بأكمله وإفراغ غزة من سكانها.

إن ما يزيد من خطورة الوضع أن هذه الممارسات لا تُرتكب في سياق صراع مسلح عابر بل في إطار منظومة استعمار استيطاني تسعى إلى إلغاء الوجود الفلسطيني على أرضه التاريخية تحت غطاء خطاب أمني زائف تديره حكومة إسرائيلية ذات توجهات فاشية ترى في القوة العارية الطريق الوحيد لحل ما تعتبره “المسألة الفلسطينية” بهذا المعنى فإن ما يحدث في غزة اليوم ليس فقط مأساة إنسانية بل جريمة كبرى في حق القانون الدولي والنظام العالمي برمته.

مقالات ذات صلة