الرأي

الحساب الذهني: غشٌّ وزوبعة في فنجان

بقلم: محمد بوضياف
  • 3490
  • 1

جميلٌ جدا أن نرى وسائل الإعلام المختلفة ووسائط التواصل الاجتماعي المتنوعة تسلّط الضوء على قضايا التربية والتعليم وتساهم في تحسيس المسؤولين بما يتعيّن عليهم القيامُ به، إلى جانب تنوير الرأي العام، وبالخصوص أولياء التلاميذ الذين يحرصون على تأمين حاضر أبنائهم الدّراسي ومستقبلهم. وباعتباري أحد هؤلاء الأولياء ومدرّسا للرياضيات منذ أزيد من ثلاثة عقود فقد لفت انتباهي اهتمامٌ إعلامي غير مسبوق، خلال السنوات الأخيرة، بما يسمى “الحساب الذهني” إلى درجة أنه صار محلّ منافسات وطنية ودولية، وعنوانا لمفاخرات وتكريمات على أعلى مستوى تعدّت وزارة التربية الوطنية لتطال رئاسة الجمهورية، وإلى درجة أنه صار مطلبا للإدراج في المناهج التعليمية.

ذلك ما دفعني للتساؤل، لماذا لم يحظ هذا الموضوع بمثل هذا الاهتمام من قبل؟ لماذا كلّ هذه الضجّة الإعلامية؟ ومن يقف خلفها؟ ثمّ لماذا المطالبة بإدراجه في المناهج التعليمية؟ ولأنني أعلم يقينا أن هذا النوع من الحساب موجودٌ فعلا في مناهج الرياضيات لكل من مرحلتي التعليم الابتدائي والمتوسط، قلت في نفسي ربما يتعلّق الأمر بحساب ذهني من نوع آخر! وبالفعل، بعد رحلة بحث قصيرة أمسكت برأس الخيط الذي يرفع كل هذا الغبن، إذ سرعان ما تبيّن لي أنّ أبطال هذه “الملحمة” هم من يصفون أنفسهم بـ”خبراء التنمية البشرية”، و”خبراء عالميون في تطوير الذات”، و”مدربو مهارات القرن الحادي والعشرين”… وحينها أدركت المقصود!

وحتى أشارك القارئَ الكريم حقيقة هذا الموضوع وأضعه في الصورة، يكفي أن نفك شفرات مفهومين مفتاحيين للموضوع:

أولا: مفهوم التنمية البشرية

تعود جذور هذا المفهوم إلى نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) إذ أخذت هيئة الأمم المتحدة على عاتقها الاهتمامَ بإعادة بناء وإعمار ما خلّفته الحرب من دمار شامل في كثير من بلدان العالم في مختلف البنى والجوانب الصحية والتعليمية والاقتصادية وغيرها. وكل ذلك تحت مسمى “التنمية البشرية”، إذ دأبت على تقديم تقارير سنوية تتضمّن مؤشّرات التطوّر في تلك الجوانب داخل كل بلد، وعلى أساس ذلك تقدِّم بعض المساعدات للبلدان الأكثر حاجة. لكن في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبعيدا عن أي إطار رسمي ذي صلة بهيئة الأمم المتحدة أو غيرها، بدأ مفهوم التنمية البشرية يأخذ معنى موازيا لمعناه الأصلي من قبل بعض النفسانيين الأمريكيين على وجه الخصوص.

لقد صار يتركّز على العناية بالذات البشرية وسبل ترقيتها وتطويرها بما يجعل الأفراد يعيشون حياتهم بشكل أكثر سعادة ورخاءً، وبفضل ما يمكنهم التزوّدُ به من مهارات وذكاء تتضاعف فرصُهم في تحقيق طموحاتهم وأحلامهم على حد زعم أصحاب هذا التصور الجديد لمفهوم التنمية البشرية. وبذلك تحوّل هذا المفهوم إلى شبه علم، وهو في الحقيقة ليس بعلم -بشهادة أهله- يعمل أصحابُه على بيع الآمال والأوهام لكثير من ضعفاء الإيمان قليلي الوعي، ممّن يبحثون عن مخلّص أو يحتاجون إلى من يقول لهم: بداخلكم طاقة عجيبة، لو اكتشفتم سرّ استخدامها لحققتم المعجزات ولبلغتم الثّريا من النجوم.

وبمجرد دخول هذا النوع الجديد من الحِرف إلى العالم العربي عموما وبلادنا على وجه الخصوص، في مطلع هذا القرن، سارع العديد من مقتنصي الفرص إلى أخذ دورات تكوينية أو ما يسمونه “كورسات” تتوَّج بشهادة “مدرِّب” أو “خبير تنمية بشرية” مما يمكّنه من فتح متجره الخاص والشروع فيفتق جيوب المغفّلين ويسلب أموالهم، من خلال نصب مصايد متعدّدة الأشكال والألوان في العالمين الواقعي والافتراضي، ووسمها بصفات تأسر السامع وتسحره وتجعله يحلّق عاليا في السماء.

مثال ذلك: مركز تكوين النوابغ، أكاديمية إعداد العباقرة، منتدى صناعة القادة وروَّاد المستقبل… كما زيّنوا واجهات محلّاتهم بشعارات جذّابة وروّجوا لأنفسهم بأنهم أصحابُ شهادات علمية مرموقة، والواقع أنها مجرد شهادات مستخرَجة من عند تجّار أمثالهم لهم صيتٌ وسبقٌ في الحرفة. والمؤسف أنّ نجد من بين زبائنهم مَن كنّا نعتقد أنهم أصحاب فطنة وبصيرة وعقول نيّرة. لكن يبدو أنّ ابن قتيبة رحمه الله كان محقًّا حينما قال في كتابه تأويل مُختلَفِ الحديث: ”الناس أسراب طير يتبع بعضُها بعضا، ولو ظهر لهم من يدّعي النبوّة، مع معرفته بأن رسول الله (ص) هو خاتم الأنبياء، أو من يدّعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا”.

ثانيا: المفهوم الجديد للحساب الذهني

خلافا للمدلول المعطى لمفهوم الحساب الذهني في المناهج التعليمية للرياضيات -والذي يتمثل في أنشطة حسابية تعتمد على عمل عقلي خالص للمتعلّم دون الاستعانة بأيّ أداة- أعطى تلامذة مَن سبق لهم ابتكار معنى جديد لمفهوم التنمية البشرية معنى أو مدلولا جديدا لمفهوم الحساب الذهني، يتمثّل في أنشطة حسابية تعتمد على استخدام المِعداد أو السروبان؛ وهو عبارة عن نسخة مطوَّرة للمعداد الصيني (سوان بان)، إذ تمّ ذلك على يد يابانيين خلال القرن الرابع عشر ميلادي.

يتكوّن السروبان من عدة أعمدة وفي كل عمود خمس خرزات (شبه أقراص) تمثّل أعدادا، بحيث يمكن للتلميذ ممارسة مختلف العمليات الحسابية المعروفة بواسطة هذه الآلة، وبمجرّد تحكّمه جيّدا في تقنياتها ينتقل إلى ممارسة أنشطة حسابية مماثلة باستخدام الأصابع الخمسة لليد الواحدة عوض المعداد أو السروبان.

مما لا شك فيه أن ممارسة المتعلّم لهذا النوع من الأنشطة الحسابية تنمِّي فيه بعض الجوانب المهارية وتزرع فيه بعض السلوكيات والقيم الإيجابية، كالتركيز وحبّ المنافسة. وبالتالي لا مانع في أخذ بعض الجرعات منها في نوادٍ علمية أو ما شابه ذلك، لكن ينبغي أن لا نضحك بها على عقول الأولياء من أجل بعض الدريهمات، أو نزايد بها لدى بعض المسؤولين ونوهمهم بأن إدراجها في المناهج التعليمية يجعل أبناءنا عباقرة في الرياضيات.

مما لا شك فيه أن ممارسة المتعلّم لهذا النوع من الأنشطة الحسابية تنمِّي فيه بعض الجوانب المهارية وتزرع فيه بعض السلوكيات والقيم الإيجابية، كالتركيز وحبّ المنافسة. وبالتالي لا مانع في أخذ بعض الجرعات منها في نوادٍ علمية أو ما شابه ذلك، لكن ينبغي أن لا نضحك بها على عقول الأولياء من أجل بعض الدريهمات، أو نزايد بها لدى بعض المسؤولين ونوهمهم بأن إدراجها في المناهج التعليمية يجعل أبناءنا عباقرة في الرياضيات.

أما أنتم أيها الخبراء التنمويون عندما تشاركون فيما تصفونه بـ”مسابقات دولية”، لا تغالطوا الرأي العامّ بعطف الرياضيات على الحساب الذهني وتجعلونهما في المستوى نفسه. ذلك أن المفاخرة بالتميُّز في الرياضيات لا تكون بإنتاج أفراد لهم قدرات خارقة في الحساب حتى ولو كانوا بمثابة حواسيب بشرية، إنما تكون بإنتاج عقول بشرية لها قدرات خارقة على التفكير والاستبصار والإبداع في حل المشكلات، بما يجعلها مثارا للإعجاب وأهلا للاعتزاز والتقدير والتكريم والعرفان. وإذا كان هنالك من نصيحة ينبغي تقديمُها للقائمين على شؤون التعليم في بلادنا من أجل إنتاج مثل هذه العقول، فلا بد من إعادة النظر جذريا في مناهج ومقاربات التعليم وأساليب انتقاء وإعداد المدرّسين ومرافقيهم. حينذاك فقط، يمكننا أن نطمح إلى رفع راية بلدنا في المسابقات الدولية الرسمية للرياضيات وليس في مسابقات هولية للحساب الذهني وفق معناه المبتكر.

ولعلّ أفضل ما نختتم به هذه العجالة، مقولة أعتقد أن وقعها على العقول والضمائر الحيّة أشدّ وأقوى من وقع الرصاص أو السّيوف على القلوب النابضة. والمقولة كتبها أحدُ الأساتذة الجامعيين بجنوب إفريقيا وعلّقها على مدخل إحدى الجامعات هنالك. يقول هذا الأستاذ:

“لسنا بحاجة إلى قنابل نووية أو صواريخ بعيدة المدى لهدم أركان أيِّ بلد، فكل ما نحتاجه هو التساهل في التعليم والسماح بالغش، لأن هذا النوع من التعليم سوف يتكفل وحده بما تتكفل به القنابل والصواريخ! فالمرضى سوف يموتون بين أيدي الأطباء الذين نجحوا بالغش، والمباني سوف تنهار فوق رؤوس ساكنيها إذا كان المهندسون الذين أقاموها قد نجحوا عن طريق الغش، والمحاسب الذي وصل إلى وظيفته بالتعليم المغشوش سوف يبدِّد مع زملاء له من نوعيته ثروة البلد، والجهل سوف يملأ عقول الأطفال الذين سيجدون أنفسهم في قبضة مدرِّسين ما كانوا ليصبحوا مُعلّمين في فصول الدراسة لولا الغش”. ومن بين أنواع الغشّ تلك المتاجرة بالحساب الذهني.

مقالات ذات صلة