ما لا يقال
الحكم الفاسد و”الشهادة السياسية”؟
حين تتحول موجة الاحتجاجات الاجتماعية من المطالب المكتوبة إلى قطع الطرق الوطنية أو محاصرة المسؤولين في مكاتبهم أو إخراجهم منها أو منعهم من الدخول إليها ولا تحرك السلطة ساكنا، فهذا يعني انهيار السلطة ودخول البلاد إلى مرحلة “قانون الغاب” أو ما يطلق عليه في الميدان : “هل من مزيد”، أو بالتعبير السياسي الأمريكي: “هذا لا يكفي” فأين الحقيقة والخيال في “الشارع الجزائري والعربي”؟
- هل الشارع مصدر السلطة؟
- الكثير من القراء قد لا تعجبهم كلمة “الشارع” باعتبارها مرتبطة بثقافة “البلطجة” أو “الرجلة” أو “قطّاع الطرق”، وإن كانت من الأدبيات السياسية لليسار العربي، ولكنها صارت اليوم مصدر القرار في الجزائر، ومصدر السلطة في الوطن العربي وخاصة في الأقطار العربية التي تشهد حراكا سياسيا.
- بعض مفكري الغرب بدأوا في وضع وصفات “طبية” لكيفية إنجاح أو إفشال ثورة الشعب في الشارع محاولين تطبيق “النظرية الغربية” في امتصاص غضب العمال والموظفين وحتى الطلبة بالمظاهرات في الشوارع الغربية.
- لكن ما لا يدركه هؤلاء الغربيون أن ما يجري في الشارع العربي هو نموذج جديد ليست له صلة بما كان يجري في الشارع الأوروبي والأمريكي، باعتبار أن القضية في الغرب هي قضية “رأي عام” أما في الوطن العربي فهي مرتبطة بالحرية والكرامة.
- فالشاب المولود مع وصول حسني مبارك إلى السلطة عاش مع صورة الرئيس وخطبه وتصريحاته أكثر مما عاش مع عائلته. ومن جاء مع الزعيم معمر القذافي وكتابه الأخضر عاش 40 سنة محاصرا بصور الزعيم وكتابه وخطبه حتى صار القرآن الكريم يفسر وفق آراء الزعيم.
- فهل هناك مفكر عربي واحد توقف عند خطر “الصورة والخطاب الأحادي” في الأجيال الصاعدة؟ وهل هناك أبحاث ودراسات في آثار “رجال الأنظمة العربية” في التخلف العقلي والفكري في الوطن العربي، وسبب انتشار المخدرات والعنف؟
- أعتقد أن أخطر ما يصيب النمو الفكري، في أي مجتمع، هو الصورة النمطية الثابتة، وحين تقرأ مضامين القضايا المرفوعة في مصد ضد ما يسمى بـ (الفكر الإلحادي) تكتشف أن أصحابها تأثروا بـ “حسني مبارك” أكثر من تأثرهم بسير الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين.
- ومن يرصد حياة حسني مبارك وعائلته أو معمر القذافي وأبنائه أو علي عبد الله صالح وحاشيته أو بشار الأسد وأقليته أو غيرهم، سيكتشف فساد النظام وتأثيره على نمو “الفكر الجاهز” و” الأحكام المسبقة” والولاء لصاحب القرار، وعدم الإيمان بحرية الآخر أو احترام كرامة المواطن.
- ومن رافق زين العابدين بن علي يصير لا يفكر إلا في تجنب الحديث عن الفساد أو الحاكم أو التفكير في الرد على من يعتدي عليه ولو بكلمة اعتذار، فالأجنبي هو المواطن التونسي الحقيقي في تونس.
- والحقيقة التي لا تقال أن السلطة لا تكمن في الشارع ولا في الجهة التي تحركه وإنما في أولئك الذين قاوموا علي عبد الله صالح أو “مسيلمة الكذاب” دون اللجوء إلى السلاح الذي يحملونه وهم الشعب اليمني.
- وتكمن السلطة في الشعب الليبي الذي حمل السلاح لمواجهة الإبادة، وضحى بخيرة شبابه لوضع حد للزعيم وأبنائه الذين حوّلوا ليبيا إلى “مزرعة لهم”. ومن يجرؤ على وصف شعبه بـ “الجرذان” فعلى الشعب الليبي أن يطهر البلاد منه. فهو أخطر من فكر “الأبارتايد” في جنوب إفريقيا، وأخطر من الفكر النازي في ألمانيا.
- وإذا كانت مشكلة ليبيا هي في معمر القذافي وأبنائه ومشكلة اليمن في رئيسه وابنه ومن خلفه، فإن مشكلة سوريا في النظام السوري وليس في الأسد، وبالتالي فأصعب الثورات ستكون في سوريا.
- لم يبق على انتصار الثورة في ليبيا واليمن إلا بضعة أشهر، أما الثورة في سوريا فتحتاج إلى صبر أيوب، ومراحل انتقالية شبيهة بما جرى في جزائر (1988 - 1999).
- فبقايا الحكم الفاسد ما يزال يقاوم في تونس بالاعتداء على السياح لتشويه الثورة، وبقايا الحكم في مصر ما يزال يقاوم عبر “النفوذ المالي” والوجوه الإعلامية والفنية والأدبية بهدف إعادة الاعتبار “للرئيس” وكأن الرئيس مبارك لم يكن رئيس نظام فاسد.
- البكالوريا السياسية والمغشوشة ؟!
- والبعض من المفكرين يربط الشارع بالفضاء الافتراضي عبر المواقع الاجتماعية حتى أن الكثير تجرأ على وصف من ينقلون الأحداث عبر هواتفهم بـ (المواطنين الصحفيين)، وصار هذا “المواطن الصحفي” شاهد عيان يتكلم باسم مستعار. أوليس من العيب والعار أن نحترم شخصا يتقمص شخصية الآخر للحديث عن أشياء عاشها وتعنيه وتعني شعبه. من يخفي اسمه في نقل الوقائع هو مجرّدٌ من مواطنته. إنه شبيه بذلك الطالب أو الطالبة الذي نقل أبحاثه وما يطلب منه في الجامعة من الأنترنت دون ذكر المصدر.
- ونتيجة المغالطات حول اعتبار “شاهد عيان” صحفيا، صارت لدينا صحافة مستنسخة من الأنترنت. لم يعد الصحفي يجتهد في الوصول إلى الأخبار أو ذكر مصادرها ومادامت الأنترنت توفر له فضاء افتراضيا لـ “السرقة والنهب والغش والتلاعب بالمعلومات ” فالمستقبل “مغشوش”.
- ولأن هناك تداخلا بين “السياسة والعلوم”، فقد جاءت بكالوريا العام الماضي لتكشف “الغش السياسي”. فنتائج السنة الجامعية لهذه السنة بيّنت أن النظام الجديد صار غير صالح، فنسبة المتفوقين في “بكالوريا بن بوزيد” أصبحت منخفضة جدا في نسبة الناجحين في السداسي الأول والثاني للسنة الجامعية الحالية مما يعني أن “الامتحان الاستدراكي” سيكون خياره صعبا، إما “نجاحا سياسيا” يبعد الجامعة عن الاحتجاجات، أو أن يكون علميا والنتيجة معروفة مسبقا!
- وتفيد تقارير جامعية أن هناك كارثة على مستوى السنة الأولى، بسبب “البكالوريا السياسية”، وإذا ألحقت بها البكالوريا الجديدة التي وصفتها وسائل الإعلام الجزائرية بـ (المغشوشة) يبقى السؤال المطروح: ينتهي النظام الكلاسيكي خلال الدخول الجامعي القادم ولكن النظام الجديد قد يتحول إلى كلاسيكي بسبب عدم قدرة الهياكل الجامعية على استقبال طلبة جدد في ظل ارتفاع نسبة الراسبين. فهل الجامعة بخير أم تحتاج هي الأخرى إلى التغيير؟
- إن الخروج من الأزمة يحتاج إلى قرارات شجاعة كأن نلجأ إلى امتحانات جديدة في بعض التخصصات، وأن نقوم، في الوقت نفسه بإجراء مسابقات لحملة الليسانس للدخول إلى الماستر عوض دراسة الملفات التي لا تسمح لأبناء الفقراء بالالتحاق بالماستر.
- فالماستر الموجود على مستوى “المدارس العليا” يحمل الكثير من التناقضات، فهناك (حملة ليسانس) يدرسون حملة شهادات الدكتوراه، وهذا يعني أن السلطة صارت تشرف على منح “شهادات الماستر” السياسية، وقريبا جدا قد تشرف على الدكتوراه السياسية!
- وبالرغم أن السلطة بدأت تفقد شرعية الدفاع عن البلاد بمجرد أن تخلت عن الدور الإقليمي للجزائر في أحداث المغرب العربي، ها هو الملك محمد السادس يقر استفتاء على دستور لبلاد حدودها “غير منتهية” ولا يحرك أحد ساكنا.
- وحتى البيان الذي أصدره محمد السعيد (مرشح سابق للرئاسيات) ووزعه على أكثر من 49 جريدة لم تنشره إلا تسع جرائد، وهذا دليل آخر على أن الصحافة فقدت وظيفتها الأساسية وهي الخدمة العمومية.
- وحي تفقد السلطة الإحساس بضرورة الدفاع عن الوطن، ويفقد المجتمع المدني دوره في التحسيس بالمواطنة، يبقى الشارع هو الذي يحدد مضمون السلطة القادمة.
- ولهذا صار شعار “الشعب يريد إسقاط” مرهونا بالمطالب التي خرج من أجلها المواطنون. ففي ليبيا (بقايا القذافي) صار الشعار “معمر وبس” وفي “سوريا دمشق” صار الشعار “بشار وبس”، وكأن هذا الشعار الجديد “يوّله الأشخاص” بعد فقدانهم الشرعية الشعبية. فهل “العبثية الغربية” ستجد في مثل هذه الشعارات المرفوضة شعبيا مصدرا جديدا للتنظير الفكري للنظام العربي الموروث؟
- مفارقة عجيبة
- وهناك اعتقاد لدى البعض بأن أفضل الطرق والأساليب لقياس وجود الديمقراطية، في هذا البلد أو ذاك، هو معرفة ما إذا كانت الحكومة في حاجة إلى الشعب أم لا ؟ وهل الشعب في حاجة إلى حكومة أم لا ؟
- والاعتقاد الأول يقول بأن الحكومة التي تحتاج إلى شعبها هي حكومة ديمقراطية، لأن الشعب هو الذي يسقطها أو يبقيها. وهذا الاعتقاد خاطئ، لأن الحكومة الجزائرية أكثر الحكومات العربية التي تحتاج إلى الشعب في المواعيد الانتخابية الرئاسية والتشريعية والمحلية. فهل هي حكومة ديمقراطية وعمر بعض الوزراء فيها أشرف على 20 سنة “جلوسا” على أرائك الوزارات.
- والاعتقاد الثاني هو أن الشعب الذي يحتاج إلى حكومة تلبي حاجاته ومطالبه كلما نزل إلى الشارع هي حكومة في نظام غير ديمقراطي، والحقيقة أن الشعوب في الغرب تنزل إلى الشارع للتعبير عن تأييدها أو رفضها لقرارات حكوماتها فهل هذه الحكومات غير ديمقراطية.
- المشكلة ليست في الشعب أو الحكومة وإنما في النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. فهذه النخبة في الجزائر غير معنية بمشاكل المواطنين، والدليل أن مجموعة من الكتاب الشباب أرادوا إعطاء قيمة للكاتب في الجزائر فنزلوا إلى مقر الاتحاد ويفترض من النخبة الأدبية أن تتحرك لمؤازرتهم ولوضع حد للعبث بالأدب والثقافة في الجزائر.
- وحين لا تستمع لجنة عبد القادر بن صالح لأمثال “الشاب مامي” فمن الطبيعي أن تستمع لمن هم في حاجة إلى السلطة وليس لمن السلطة في حاجة إليهم لإعطائها شرعية التواصل مع الشعب.
- وهذه هي حال الجزائر اليوم.