الحل السلمي أو التفكّك والتقسيم!
أخيراً أفصحت الولايات المتحدة الأمريكية عن نيّتها الحقيقية من وجودها العسكري القسري في مناطق الأكراد بشمال سوريا، من خلال إنشاء “قوة أمنية” كردية قوامها 30 ألف رجل، وتصريحِ وزير خارجيتها ريكس تيلرسون أن قوات بلاده ستبقى في سوريا إلى غاية القضاء النهائي على فلول “داعش” وإسقاط الرئيس الأسد، ما يعني أن أمريكا قد تحوَّلت إلى قوة احتلال في سوريا، وأنها “ستبقى” فيها بالقوة إلى أجل غير مسمى لتحقيق أهدافها.
الواضح أن أمريكا تريد إطالة أمد الأزمة السورية وإعادتها إلى المربّع الأول، وإفشال المفاوضات الهادفة إلى إيجاد حلّ سلمي لها، وإقامة دولة كردية في شمال سوريا تكون حليفا جديدا لها وللكيان الصهيوني وظهيرا قويا لأكراد العراق وتركيا وإيران لينفصلوا بدورهم عن دولهم لاحقاً. أمريكا تشعر بأن الوقت قد حان لبلقنة سوريا والمنطقة تحقيقاً لرغبات نتنياهو وليبرمان والعديد من القادة الصهاينة الذين طالما دعوا في السنوات الأخيرة إلى إعادة تقسيم الدول العربية والإسلامية الحالية على أسُسٍ عرقية وطائفية، ويبدو أن سوريا المدمَّرة بفعل سبع سنوات من الحرب الجنونية ستكون هي بداية “سايكس بيكو 2″، والبقية تأتي تباعاً…
إزاء هذا الخطر الداهم، لم يعد أمام سوريا، قيادةً ومعارضة، سوى التحلي بمسؤولياتهما التاريخية والعمل على خوض حوار جدي مرن يقدمان فيه تنازلاتٍ متبادلة تسمح بالتوصل إلى تسويةٍ سلمية للأزمة وإنهاء الحرب والتفرُّغ لإنقاذ البلاد من التفكك وإفشال المخطط الأمريكي الهادف إلى تقسيمها.
اليوم يجب أن يتخلى النظام السوري عن سعيه إلى سحق المعارضة عسكريا والانفراد بحكم البلاد، أو إجبارها على توقيع وثيقة استسلامها، وبالمقابل ينبغي للمعارضة أن تنظر الآن إلى مصير الأسد كمسألةٍ ثانوية أمام خطر تقسيم البلاد.. استمرارُ هذه الحرب المجنونة الآن، مهما كانت الذريعة، وبعد أن كشّرت الولايات المتحدة عن أنيابها القبيحة، يعني مساعدتها بأعينٍ مغمَضة على تحقيق مخططها التقسيمي.
لا شيء في الأفق يؤكد أن الحسم العسكري ممكنٌ قريبا، والرغبة في تحقيقه قد يجعل الحرب تتواصل سنواتٍ أخرى، لاسيما وأن الولايات المتحدة تريد أن تعود الحربُ إلى المربّع الأول لتحقيق أجندتها، واستمرارُ الحرب لا يعني سوى مضاعفة الخسائر البشرية والمادية للبلاد بلا طائل والسير بها نحو التفكّك والانهيار، وكأن مقتل نصف مليون إنسان، وتشرّد نصف سكان سوريا، وتحوّل الكثير من المدن والبلدات إلى أنقاض، وانهيار اقتصاد البلد.. لا يكفي لإيقاف الحرب عند هذا الحد.
ونضيف أخيرا أن تصاعد التوتر وتبادل التهديدات بالمواجهة العسكرية بين سوريا وتركيا على خلفية إعلان تركيا التدخل في عفرين ومنبج لإجهاض إنشاء هذه “القوة الأمنية” الكردية، لن ينفعا البلدين في شيء، بل سيساعد على تحقيق المخطط الأمريكي، ولذلك نأمل أن يتجاوز البلَدان إرث سبع سنوات من العداء والأحقاد ويتصالحا ويتعاونا معاً لصدّ هذا الخطر الماحق الذي يهدِّد وحدتهما معاً.