“الحياة السائلة”.. سباق بلا خط نهاية
بعد أن رسم زيغمونت باومان ملامح “الحداثة السائلة” وتوقف عند هشاشة الروابط في “الحب السائل”، يطل علينا في عمله الثالث “الحياة السائلة” ليكشف أن السيولة لم تعد مجرد ملمح لبعض جوانب المجتمع، وإنما أصبحت قدرا يطبع تفاصيل وجودنا كلها، فالحياة تحولت من مشروع طويل المدى إلى مجرى متدفق لا يهدأ، ومن يحاول أن يستريح قليلا يجد نفسه وقد جرفه التيار بعيدا.
كان الإنسان في زمن الحداثة الصلبة يعرف طريقه كما يعرف المرشد معالم الطريق الصحراوي: يبدأ الدراسة ثم يلتحق بوظيفة مستقرة، وبعدها يتزوج ويؤسس أسرة، وفي النهاية يصل إلى تقاعد يضمن له سكينة الشيخوخة، وكأن العمر كان رحلة منظمة بمحطات متوقعة، غير أن المشهد اليوم تغيّر جذريا، فالحياة لم تعد طريقا مستقيما، وإنما مضمار سباق يشبه الماراطون الشعبي الذي يضاف إلى مساره كل مرة حاجز جديد، وعلى العدّاء أن يواصل الركض من دون توقف إذا أراد البقاء في الحلبة.
ويظهر ذلك بوضوح في مجال التعليم، فقد كانت الشهادة الجامعية أشبه بمفتاح ذهبي يفتح أبواب المستقبل، إلا أن قيمتها لم تعد كما كانت، إذ أن ما يتعلمه الطالب اليوم قد يفقد بريقه بعد سنوات قليلة بسبب سرعة التحولات، وعلى هذا المعطى وُلد شعار “التعلم مدى الحياة”، وهو شعار يبدو في ظاهره جميلا مثل لافتة ملوّنة على مدخل مكتبة، غير أنه يخفي وراءه حقيقة مرهقة: التعلم لم يعد خيارا للارتقاء الذاتي، وإنما ضرورة للبقاء في سوق عمل لا يعترف بالثبات.
وهذا المنطق نفسه يتكرر في عالم الاستهلاك؛ فالهاتف الذي نقتنيه اليوم يتحوّل بعد عامين إلى جهاز قديم، ليس لأنه فقد صلاحيته وإنما لأن السوق مصمم ليجعلنا في مطاردة دائمة للجديد، ومن يتأمل أسواقنا الشعبية يلاحظ المشهد ذاته: بضائع تُعرض في الصباح وكأنها أحدث ما في السوق، ثم تُركن بعد يومين أو ثلاثة وقد جاء غيرها ليحل مكانها، وهكذا لا يقتصر الأمر على التكنولوجيا أو الأزياء أو السيارات، إذ يمتد أيضا إلى العلاقات الإنسانية، فالإنسان المعاصر لا يُعرّف نفسه بمسار طويل المدى، وإنما بمجموع تجارب قصيرة: عمل مؤقت، علاقة سريعة، سفر عابر، انتقال متكرر، حتى أصبح كالتاجر الذي يجوب الأسواق من مدينة إلى أخرى من دون أن يستقر في دكان أو مكان واحد.
ولأن منطق السيولة يعيد تشكيل تجربتنا للزمن، لم يعد الماضي أساسا متينا نبني عليه الحاضر، ولا المستقبل أفقا بعيدا نتهيأ له؛ فقد تحولت حياتنا إلى سلسلة من حاضرات قصيرة، تشبه مواسم السوق الأسبوعي: تفتح أبوابها صباحا، تضج بالحركة، ثم تغلق سريعا وكأنها لم تكن، وفي فضاء التواصل الاجتماعي، يظهر هذا التحول بوضوح، حيث الصور تختفي بعد يوم واحد، والمقاطع القصيرة تُستهلك ثم تتبخر من الذاكرة، فيجد الإنسان نفسه أسير حاضر دائم لا يسمح له بترسيخ المعنى.
وهذه السيولة ليست استعارة بعيدة، وإنما واقع نشعر به في أجسادنا وأعصابنا: قلق دائم، إرهاق متواصل، شعور بأننا نركض وراء قطار يفلت منا في كل محطة، ولقد وصف هارتموت روزا (أبرز وجوه الجيل الرابع لمدرسة فرنكفورت النقدية ومدير مركز ماكس فيبر) هذه الحالة بمفهوم “التسارع الاجتماعي”، مؤكدا أن السرعة لا تمنحنا السيطرة كما نعتقد، ولكنها تجعلنا دائما في موقع من يلهث وراء إيقاع يسبقه.
ومع ذلك، يترك باومان نافذة صغيرة للأمل، إذ أن هذه السيولة، التي تُفكك الاستقرار، قد تمنحنا في الوقت نفسه مرونة للتجريب وإمكانية لإعادة البناء، لأن الإنسان لم يعد مضطرا لتكرار مسار والده أو جده، وإنما يستطيع أن يعيد صياغة حياته كما يعيد الحرفي تشكيل الفخار أو الزجاج كلما أعاد وضعه في النار، وربما تكمن طاقات المعنى الجديدة في صداقات صادقة تصمد وسط سرعة العصر، أو في مشاريع جماعية تتجاوز منطق الاستهلاك العابر، أو في جذور صغيرة يزرعها المرء في حي شعبي (الجزائر الخضراء) مزدحم ليخلق لنفسه ثباتا داخل عالم يتحرك بسرعة هائلة.
إن “الحياة السائلة” ليست حكمًا بالإعدام على المعنى، ولكنها تنبيه إلى أن الاستقرار لم يعد معطى جاهزا، وأن المعنى لم يعد هدية يوزعها الزمن كما توزع الأسواق هدايا العيد، وإنما عمل شاق ينبغي أن نصنعه بأنفسنا لحظة بلحظة، ونحن نواجه نهرا متدفقا لا يرحم.