الرأي

الحيلة في ترك التحايل

حبيب راشدين
  • 2215
  • 0

أول ما يخطر بالبال، بعد قراءة سريعة للمشروع التمهيدي لميزانية 2016، أن يقال للحكومة”إن الحيلة تكون في ترك الحيل” وليس الزمن زمن التعامل مع المواطن بهذا القدر من التحايل المبتذل، الساذج، الذي يُفتضح أمره سريعا عند أول قراءة جادة لمواد المشروع التمهيدي للميزانية، الكاشف لضحالة الفكر السياسي الذي يدير الشأن العام في البلد.

فليس من الحيلة، أن يسوق مشروع الميزانية كحالة جادة لمواجهة الأزمة بالبحث عن موارد جديدة، فيما توقف المشروع عند خفض الميزانية بنسبة حوالي 10  %، وأن يطال التقليص باب التجهيز بقرابة 18 %، بينما صرف النظر عن بالوعة هدر المال العام في باب التسيير، هو تحايل مزدوج، أبقى على حالة الرفاهية لأسلاك الدولة، فيما حرم البلد من كثير من المشاريع الإنشائية التي هي الأصل في تهيئة البلاد لجذب مزيد من المستثمرين.

ليس من الحيلة والتدبير السليم، أن يسوق رفع الرسوم على بعض الكماليات مثل “الكافيار والصومون” كإجراء يمسّ الأثرياء، في حين تتعامل معهم الميزانية بسخاء غير مقبول في زمن العُسر، فلا تقترب الجباية لا من رقم الأعمال ولا من الأرباح، في بلدٍ قد خرّب فيه الفساد والرشوة والمحسوبية قدرة الدولة على تحصيل حقها وحق المجتمع من الثروة.

ثم هل كان ينبغي للحكومة أن تتحايل على المستهلك بعدم المساس ظاهريا بالطبقات الأكثر فقرا، فيما تفرض رسوما جمركية جديدة على الواردات ما بين 40 و60 %، نعلم أن المستهلك هو من سيدفع فاتورتها بالكامل، كما سيدفع في أكثر من قطاع استهلاكي فاتورة الزيادات في البنزين وخاصة في المازوت، حيث يتوقع أن يرحّل المنتجون في الصناعة وخاصة في الفلاحة، الكلفة الجديدة إلى المستهلك برفع أسعار المنتجات.

الحيلة تنتقل إلى رتبة “التحايل” مثل الإجراء الذي التفّ على مبدأ الشفاعة الذي كان يلزم المتعاملين الأجانب ببيع أصول مؤسساتهم للدولة، كإجراء لحماية الاقتصاد الوطني من المضاربين، وخاصة من إعادة تبييض المال الفاسد، ليأتي المشروع الجديد بحل بديل يسمح للمتعاملين بتسويق أصولهم داخل البورصة بكل حرية، ويضمن لهم فرص الهروب السريع من السوق الجزائرية عند أوّل رجة تصيبه كما هو حاله اليوم.

الحيلة تصير تحايلا واحتيالا صرفا، حين يسمح المشروع للمؤسسات بالعودة إلى الاقتراض من السوق المالية الربوية، يعلم الجميع أنها لن تُفتح إلا بشرط ضمان الدولة لها، لتصير جزءاً من المديونية الخارجية للبلد، وهو فوق ذلك مؤشّر قوي على استعداد الحكومة لطرق أبواب الاقتراض الخارجي، الذي يقود بعد حين إلى طرق باب صندوق النقد الدولي.

بعيدا عن الحيل والتحايل، كان بوسع الحكومة أن تصارح المواطن بكل شفافية بحجم الأزمة، ثم تدعوه إلى التشمير على الساعد، بعد أن توجّه ما بقي من ثروة البلد ورصيدها لتمويل مشاريع إنتاجية خاصة في الفلاحة، إن لم تكن كافية لتوفير موارد مالية جديدة في العاجل، فهي تضمن على الأقل تقليص فاتورة الاستيراد، وتخلق مناصب شغل منتجة جديدة، وتطمئن المواطن على أن الأزمة لن تطال قوت يومه.

مقالات ذات صلة