الحيوانات المريضة بالبشر!
الأمطار التي تساقطت مؤخرا في البلاد، فرح بها العامل والفلاح، والعامل عليها وبها ولأجلها! قد يكون الوحيدون الذين لم تكن لهم فيها أي رغبة، هم المسؤولون المحليون من أميار وولاة “أمور” كثيرة، أو قليلة، لأن الأمطار تكشف الأستار!
فقراء الثراء الفاحش، وفقاقير المياه، هم أكثر المستبشرين بها، في وقت صار الفلاح هو الفقير، والوسيط هو “الشبعان” على ظهر المنتج الجوعان.
فرحت بالمطر لأنه سينقذ نسبيا الموسم الفلاحي وينقذ كثيرا من أمثالي من الزاوالية وفقراء بلاد الأغنياء. الأغنياء الذين بنوا ثرواتهم في ظرف وجيز بطرق ملتوية وعلى حساب “ضرع البقرة الحلوب الوطنية ” التي ذرت عليهم من أموال الشعب المضرور، أموال بنوكها وصناديق زكاتها وفلوس بريدها ومدخرات صناديق توفيرها وكل ما جلبه لنا سعر النفط في أيام سعده، قبل أن يضرب النحس معدن نحاسه ويشمع الزفت صفات خاماته. هؤلاء الأثرياء، لا يرغبون في مطر ينزل ولا في أنهار تنهمر، ولا في سدود “تنعمر” ولا في حقول وبساتين تزدهر! كل همهم أن يأتي الكانتونير محملا بكل مستورد، وبالبيطون يغزو التراب المدوّد، وبسماع الراي “يجوّد” في كاباريهات “الحاج بوكرش المهوّد”! لا أحد فيهم يستثمر في الفلاحة إلا قليلا، ولا أحد يحب الأمطار فيهم إلا من لم يجد إلى غير ذلك سبيلا! صارت الفلاحة بخيراتها، تفزع الناس على علاتها، ويهربون منها ولا ينهبون إلا عقاراتها، تعقر كما عقرت ناقة صالح بما جاءت بآياتها!
نمت على سياسة التقشف التي ضربت الضعيف تحت “الركاب”، وأفلتت الفاسدين من العقاب، ووضعت على أوجه الساسة الفاشلين النقاب! نمت لأجد نفسي أنام!
نمت وأنا نائم أن فريقا من الحمير والبغال ينظرون إلي بعين الرحمة! ينظرون إلي وهم يبكون! رأيت الدموع في أعين الحمير والبغال! لم أر يوما حمارا أو بغلا يبكي، فقد كنت أرى أن الحمار إنما هو حمار! لا يجب عليه أن يبكي لأنه لو بكى، فهذا يعني أننا نحن الحمير! الحمار لا يفكر، وبالتالي فلا عقل له ولا إحساس ولا عاطفة! هكذا كنت أتصور! البغل ألعن من أبيه الحمار: لا يتزوج ولا يلد! فلا عاطفة لديه! مع ذلك يقال عن البغل إنه ذكي، فقط يتغابى ويلعبها حمارا كأبيه! (البغل لما سئل: من هو أبوك، أجابهم “أنا.. خالي العود”! فللعلم، أن اقتران الفرس مع الحمار، ينجب البغل، الذي هو صنف هجين لا يلد!).
كنت مخطئا، لأن مجموعة البغال والحمير التي كانت تنظر إلي، إنما كانت تنظر إلي نظرة غضب وحقد، سرعان ما فهمت، فهربت، فتبعتني تريد جلدي! لم أكن أعرف أن الحمير والبغال من آكلة اللحوم! أفقت مفزوعا وذهبت من الصباح إلى الإمام أسأله عن هذه “الرؤيا”: سبعة أحمرة ضعاف يركبون سبعة بغال نحاف، يبكون ثم يهرولون خلفي لأكل لحمي! قال لي الإمام: ماذا تعشيت ليلة الأمس: قلت له: ككل يوم منذ أن نبت الخبيز عقب هذه الأمطار!: السلق والخبيز! قال لي: آه .. راك تتقشف!؟ سينورمال! كليت المالكة نتاعهم، عليها كانوا يبكيوا وجراو وراءك! وبغاو ياكلو لحم أخيهم ميتا!
وأفيق وزوجتي تقول لي: “نوض تفطر.. راني طيبت لك وحد الخبيز بالسلق تحسب راك تاكل الخرشف! وأفيق وأنا أنهق! هاااا هاااا هااااني ناااااايض!