الرأي

الحُكم الفاشل والأرض المحروقة

حسين لقرع
  • 2174
  • 0

لم يُصِب رئيس حزب “طلائع الحريات” علي بن فليس حينما حذّر الجزائريين من “استبدال الحكم الفاشل بالأرض المحروقة”؛ إذ يبدو هذا الأمر غير وارد الآن في قاموسهم، ولو خُيّروا بين استمرار هذا الوضع أو تحوُّلِ الجزائر إلى دولةٍ فاشلة ينخرها الاقتتالُ والفوضى وانعدام الأمن كما يحدث في عددٍ من الدول العربية، لانحازَ من دون أدنى تردّد إلى الخيار الأول على مساوئه.

ويبدو من خلال ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي، أن المواطنين واعون تماما بالأمر وليس في نيّتهم انتهاجُ أساليب عنيفة لتغيير الأوضاع، فقد عارضوا بشدّة اللجوء إلى العنف والتخريب و”الأرض المحروقة”، وطالبوا باعتماد أساليب سلمية حضارية للاحتجاج والمطالبة بالحقوق المشروعة. 

والملاحظ أن هذه المواقع كانت عاملا رئيسا في إشعال الغضب ببعض الولايات، ولكنها كانت أيضا عامل تهدئة للأجواء بعد أن هبّ المواطنون على قلب رجل واحد يندِّدون بالعنف والتخريب ويدعون إلى التحلي بالحكمة والتعقل والهدوء والاكتفاء بالاحتجاجات السلمية، وقد أدَّت هذه الوسائط الإلكترونية دورا أكبر من دور الأحزاب والجمعيات والمنظمات ووسائل الإعلام في تهدئة الأوضاع، وبلغ وعي بعض المواطنين إلى حدّ المشاركة في حماية الممتلكات العامّة والخاصّة كما فعل بعض سكان تيارت حينما تصدُّوا بحزم لمنحرفين حاولوا إحراق مدارس وعيادات ومراكز بريد… وهو أمرٌ بقدر ما يثير الإعجاب والتقدير والثناء، فهو يدعو إلى الطمأنينة فعلا إلى أن وعيَ الجزائريين بلغ اليوم مستوى يجعل كل الدعوات إلى إيقاظ الفتنة النائمة وتأجيج الأوضاع تفشل في مهدها. 

ومع أن الجزائريين قد برهنوا مرة أخرى على وطنيتهم وحرصهم على أمن البلد واستقراره ووحدته تمسُّكا بأمانة الشهداء والمجاهدين، إلا أن السلطة مدعوّة إلى أن تكون في مستوى وعي الشعب وتُحسن استخلاص العِبر والدروس من هذه الحركة الاحتجاجية، وتعمل على تخفيف أعباء سياستها التقشفية عن المواطنين، وتحرص – فعلا لا قولا – على تحقيق العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروات، والمكافحة الجدّية للفساد الذي يقضي على كل فرص التنمية ويُهدر مقدرات البلاد، فضلا عن وضع حدّ لـ”الحقرة” واستغلال النفوذ وغيرها من الآفات، وإلا فإن مثل هذه الأحداث المؤسفة ستتكرّر. 

ينبغي للسلطة أيضا أن تتراجع عن سياسة غلق المجال السياسي وحظر التظاهر السلمي وقمع الاحتجاجات الاجتماعية، وأن تسمح للأحزاب بممارسة حقها الدستوري والقانوني في التظاهر، لتمكين المواطنين من حقهم في التعبير عن مطالبهم وانشغالاتهم بطرقٍ سلمية حضارية، وفي مظاهرات تؤطرها الأحزاب والجمعيات والنقابات وتتحمّل مسؤوليتها، بدل أن تتراكم احتقانات المواطنين فينفجروا بطريقةٍ عنيفة يشوبها الكثيرُ من مظاهر التخريب والحرق ونهب الممتلكات؛ فليس من المنطقي أن تحظر السلطة على الأحزاب المظاهرات السلمية المؤطَّرة ثم تنتظر أن يؤطر الشارع نفسه في أيّ انفجار.

مقالات ذات صلة