الخبز وهيبة الدولة!
يشكل عجز الحكومة عن ضبط أسعار الخبز في السوق، مظهرا من مظاهر غياب دولة القانون ومساسا فظيعا بهيبة الدولة، فالأهون أن تحرر الأسعار على أن يسنّ قانون يسقّف الأسعار ثم يضرب به عرض الحائط.
فالحكومة وفي سياق حرصها على تثمين القدرة الشرائية للمواطن، عمدت إلى تسقيف أسعار الخبز (7.5 دينار للعادي، و8.5 للمحسن)، على غرار العديد من المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، ووضعت سعرا محددا للخبزة، غير أن السعر الفعلي على مستوى المخابز لا يقل عن 10 دنانير.
وعلى الرغم من مرور أشهر عديدة على هذه الظاهرة، إلا أن الحكومة عجزت عن فرض احترام القانون والعمل بالأسعار المقننة، في مشهد يؤكد مقولة “الجزائر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسن القوانين ولا تسهر على احترامها”.
لقد سعت الحكومة حقيقة من أجل حل هذه المعضلة التي تبقى قانونية قبل أن تكون اجتماعية، من خلال محاولاتها إجبار الخبازين على اعتماد السعر المحدد في مرسوم التسقيف، غير أنها عجزت ولا تزال عاجزة عن ذلك، وقد اعترف بذلك المكلف بالاتصال على مستوى وزارة التجارة، فاروق تيفور، الذي ألقى باللائمة على جهاز الرقابة التابع لوزارته.
المسؤول بوزارة التجارة، وفي اتصال مع “الشروق” أكد أن الوصاية شكلت “لجنة وطنية” تتكون من ممثلين عنها وعن الديوان المهني للحبوب، باعتباره الجهة الممونة بمسحوق القمح اللين (الفرينة) والخبازين، من أجل دراسة التكلفة الحقيقية لسعر الخبزة، وتوقفوا عند مقترح يقضي بتخفيض أسعار “الفرينة” الموجهة للخبازين من 2000 إلى 1800 دينار، حتى يبقى سعر الخبز عند السقف المحدد في المرسوم، غير أن هذه المباحثات لم يعثر لها على أثر في الواقع.
الوزارة الوصية تدفع بوجود مسؤولية للمواطن فيما يحدث، كأن يبلّغ مثلا الجهات المكلفة بالرقابة عن المخابز التي لم تعمل بالأسعار النظامية، غير أن هذه الحجّة تبدو أكثر من واهية، لأن كل المخابز باتت تعمل بسعر موحد، وهو 10 دنانير للخبزة، ولم يعد يقتصر الأمر على مخابز بعينها، كما كان الحال في وقت سابق، بالرغم من تأكيد المسؤول بوزارة التجارة، بأن قانون التسقيف لا يزال ساري المفعول.
فأين يكمن الخلل إذن؟
عندما اندلعت موجة الربيع العربي، سارعت الجزائر كغيرها من الدول التي ارتابت من هذه الموجة إلى المبادرة بإصلاحات سياسية، في محاولة منها للتكيّف مع التحولات الإقليمية، فكان خطاب الرئيس بوتفليقة في أفريل 2011، الذي تحدث عن مراجعة العديد من القوانين الناظمة للعمل السياسي والحزبي، كما طرح أيضا مشروع تعديل الدستور.
جل الخطابات التي تمخّضت عن النقاش السياسي الذي أعقب حزمة الإصلاحات التي أطلقها رئيس الجمهورية، نبّهت إلى أن المشكل في الجزائر لا يكمن في سن القوانين وإنما في تطبيقها، هذه هي القضية التي ربّما لا يختلف بشأنها الملايين من الجزائريين على اختلاف مشاربهم السياسية والإيديولوجية.
ويذهب المختصون في الشؤون القانونية والدستورية في الداخل والخارج، إلى القول بأن الترسانة القانونية في الجزائر، تضاهي نظيراتها في الدول المعروفة بعراقتها في التقاليد الديمقراطية، وبالتالي فالحل ليس في مراجعتها وإنما في السهر على تطبيقها، ولعل في حالة أسعار الخبز ما يغني عن تقديم المزيد من الدلائل على أن الجزائر لا تزال بعيدة عن “دولة القانون”، التي لطالما وعد بها الرسميون وحلم بها المعارضون.