الخبير في سبر الآراء رولان كايرول للشروق اليومي
عندما وطئت قدماي عتبة تلك العمارة الفخمة التي تأوي مقر معهد سبر الآراء الفرنسي، CSA، لم أستطع أن أنسى تلك النصائح التي كان صديقي Dominique Bromberger، ذلك الصحفي الفرنسي الشهير، قد تفضل بها علي منذ فترة طويلة. لقد تذكرت نصائحه هذه وأنا أهم بلقاء Roland Cayrol، المدير العام للمعهد المذكور – ثالث معهد لسبر الآراء في فرنسا من حيث الأهمية. لقد كان Dominique Bromberger يقول لي عن Roland Cayrol إنه رجل “صارم في علاقاته المهنية، وأكثر صرامة في علاقته مع أصدقائه. إنه رجل حاد، لكنه ودي في نفس الوقت. كما أنه رجل حريص على تقاسم خبرته، عندما يُطلب منه ذلك، مع المختصين في البلدان النامية، لا سيما البلدان المغاربية، حيث يظل محتفظا بصلة عاطفية مستديمة”. منذ ذلك الوقت، أسعفني الحظ في توطيد صداقتي مع R. Cayrol من دون أن أجد ما يجعلني أكذِّب ما قاله لي Dominique Bromberger ذات يوم.
لذلك، قررت بكل سرور، طبعا، أن أخصص هذا العدد من “مقابلة الشهر” لحوار ذي شجون مع R. Cayrol ما دمنا نتقاسم نفس الشغف إزاء تخصص غير معروف، لا يزال غير معروف في الجزائر! ولأنني أعترف لـ Roland Cayrol بخبرة أكيدة، سواء في مجال سبر الآراء أو في مجال التحليل السياسي، قررت إجراء هذا الحوار معه. الغرض من هذا الحوار هو مزدوج: من جهة إطلاع المواطنين الجزائريين على أسرار هذا التخصص الذي لا يتحكمون فيه والذي ترفض السلطات العمومية، في الجزائر، إدراجه وتشجيعه بصورة جادة؛ ومن جهة ثانية، الاستجابة لرغبة هؤلاء المواطنين في معرفة مستجدات الوضع السياسي الفرنسي بعد أن تابعوا باهتمام خاص، عبر القنوات الفضائية، مجريات الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، من بدايتها إلى نهايتها.
لقد وجدت Roland Cayrol كما عهدته، صارما من الناحية المهنية، يقظا في صداقاته، لكنه مستعد للمساعدة في كل وقت، خلافا لغيره من الخبراء الأوروبيين ذوي الشهرة في مجال سبر الآراء، كي لا نقول “السحرة في مجال معرفة تقلبات الرأي العام”؛ وهي عبارة يرفضها ضيفنا بكل قوة. إن Roland Cayrol ليس أبدا من تلك الفئة من الناس ممن يريدون أن يعطوا، أمام الملأ، دروسا لرجال السياسة كي يحققوا لأنفسهم شهرة زائفة. إنه ينظر إلى حرفته نظرة مغايرة، إذ تجده دائما يؤكد أنها تتمثل في تنوير الرأي العام، بطريقة بيداغوجية، حتى يكون هذا الأخير على بينة أكثر من أمره في خياراته. وها هو يصرفني بكل دبلوماسية عندما أحاول، بنوع من الحيلة، انتزاع تعليق من عنده في الاتجاه الذي أرغب فيه، حول ظاهرة الإسقاط، التي تمكنت من المشاهدين الجزائريين فجعلتهم يتبرمون بالانتخابات التشريعية الجارية في بلادهم ويولون عنايتهم كلها إلى الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة. وبكلمة واحدة، يكشف لي عما يراه فيقول لي: “الثورات القائمة على مشروع ديمقراطي تقودها نخب مصممة، مستندة إلى شعبها. أما رأي الأجانب، فلا يهم كثيرا”.
هذا هو Roland Cayrol الذي أفتخر بصداقته، بصرامته وهدوئه وصراحته الدائمة. فلنستمع إليه، إذن، بكل اهتمام.
ولد Roland Cayrol بالرباط، المغرب، بتاريخ 11 أوت 1941 حيث استقر والده، موظف في قطاع التربية، ووالدته، أستاذة للغة العربية، وكلاهما مولودان بالجزائر. بعد دراسته بثانوية Gouraud بالرباط، اِلتحق Roland Cayrol بكليتي الحقوق والآداب بباريس ثم بالمؤسسة الوطنية للعلوم السياسية بنفس المدينة. Roland Cayrol متحصل على شهادة معهد الدراسات السياسية لباريس، وعلى شهادة الليسانس في الآداب، وعلى شهادات الدراسات العليا للعلوم السياسية والقانون العام كلها من جامعات باريس. كما أنه من المتحصلين السابقين على دكتوراه الدرجة الثالثة لمعهد العلوم السياسية.بدأ حياته المهنية ككاتب لمنتدى الأفكار Jean Moulin، ثم كمكلف للأبحاث بمؤسسة الإذاعة والتلفزة الفرنسية. كما شغل مناصب عدة كانت على التوالي: مساعد في الجمعية الفرنسية للعلوم السياسية، ملحق للأبحاث، مكلف للأبحاث، وأخيرا مدير أبحاث للمؤسسة الوطنية للعلوم السياسية بباريس. في هذه المؤسسة بالذات، يتعاون، من دون انقطاع، مع مركز الدراسات للحياة السياسية الفرنسية (CEVIPOF)، وهو مخبر أبحاث ذو شهرة دولية. وبالموازاة مع مهنته كأستاذ جامعي، اتجه اهتمام Roland Cayrol إلى عمليات سبر الآراء فشغل، على التوالي، منصب مدير الدراسات السياسية والرأي العام بمعهد Louis Harris لفرنسا، فمدير معهد سبر الآراء CSA الذي شارك في تأسيسه، وأخيرا مدير عام لـ CSA. Roland Cayrol يتعاون أيضا، وبصورة منتظمة، مع العديد من وسائل الإعلام بمن بينها راديو فرنسا، القناة التلفزيونية F3 وF5، LCI، I-Télé وBFM-Télé. Roland Cayrol، الذي يحظى بسمعة كبيرة بين المختصين في السياسة الفرنسيين، هو اختصاصي في السلوك الانتخابي وفي تطور الرأي العام. إنه أيضا من مؤسسي مجمع الأبحاث المعروف بـ “European Electoral Studies” ويشارك في أعمال الكثير من مراكز البحث على مستوى العالم من بينها “Latinobarometro”.
- François Mitterrand (Presses de Sciences-Po, 1967)
- Le grand malentendu, les Français et la politique (Seuil, 1994)
- Médias et démocratie, la dérive (Presses de Sciences-Po, 1997)
- Sondage, mode d’emploi (Presses de Sciences-Po, 2000)
- La nuit des politiques (Hachette, 2006)
- La revanche de l’opinion : Médias, sondages , Internet، مع Pascal Jacob Duvernet, 2007) Delannoy)
Roland Cayrolهو أيضا مؤلف، باسم مستعار، Jean Duchateau، لروايات سياسة الخيال مثل Meurtre à l’Elysée وMeurtre à TF1، وMeurtres à l’Elysée II. نشرت كل هذه الروايات بدار Calmann-Lévy. كما أنجز، مع Anne Gaillard، فيلما وثائقيا حول فرانسوا ميتيران بعنوان Portrait d’un Président.
رولان كايرول: ها أنذا، إذن، مستعد لكل شيء، عزيزي شفيق! إنها فرصة سانحة ما دمت من هواة الخصام الفكري. أعلم أن ليس هناك ما أخشاه، معك، من هذا الجانب!
ر. كايرول: منذ مدة طويلة، أي منذ فترة الشباب التي عشتها بإفريقيا الشمالية حين كانت بلدان المنطقة تكافح من أجل التحرر، وأنا أشعر بأهمية الرأي العام من أجل تحريك الأمور. لذلك، وبعد الانتهاء من الدراسة ثم الانصراف إلى البحث في مجال العلوم الاجتماعية، كان من الطبيعي جدا أن أجد نفسي، موازاة مع عملي كأستاذ جامعي، أسعى لمعرفة رأي الناس والإحاطة به وقياسه. أليس هذا هو موضوع عمليات سبر الآراء؟
ر. كايرول: إنها شغف. إنها أيضا حرفة تكون في بعض الأحيان تقنية وجافة.
ر. كايرول: جرت العادة أن نقول “مسبرين” (sondeurs)، وفي بعض الأحيان ((politologues “خبراء في السياسة” عندما يتعلق الأمر بالتدقيق في نتائج سبر الآراء. أما تسمية “démoscopes” فلم يحالفها النجاح في الاستعمال.
ر. كايرول: لقد اعتمدنا مقاربة ثنائية: أولا، جانب قائم على تعدد الاختصاصات. إنني متخصص في السياسة من حيث التكوين وشريكتي منذ البداية، Claude Suquet، هي اقتصادية. إننا نعمل مع متخصصين في علم الاجتماع، السيميائية، التاريخ، الإحصائيات. أما الجانب الثاني من المقاربة، فهو قائم على تناول كل مشكل بطريقة خاصة، مع الحرص على الإجابة عن جملة من الأسئلة المعينة. لا نلجأ إلى استعمال الوسائل الكبرى الصالحة في كل الحالات: إن كل حالة مدروسة هي حالة خاصة بعينها ويجب أن نعتمد فيها منهجية معينة. لعل هذا هو السبب الذي جعل معهد CSA يترقى الى المرتبة الثالثة في الساحة الفرنسية.
ر. كايرول: Vincent Bollore أفادنا بإسهام مالي في رأسمال المعهد، لكن استقلالية المعهد الأخلاقية والتجارية تبقى كاملة. على أية حال، على الصعيد السياسي، يتعامل المعهد مع جميع التشكيلات الممثلة للطيف الديمقراطي في فرنسا. وعليه، لا يمكن أبدا أن يكون هناك “تواطؤ” ما مع أي طرف كان أو مع هذه الشخصية السياسية أو تلك.
ر. كايرول: حتى وإن كانت عمليات سبر الآراء المطلوبة، في وقت الانتخابات، من طرف وسائل الإعلام المختلفة حاضرة بقوة، فإن النشاط الرئيسي للمعاهد يبقى مرتبطا أساسا بالدراسات المتصلة بالأسواق: رغبات المستهلكين، أثر الحملات الإشهارية، رضا الزبائن، قيمة المنتجات ونوعية تعبئتها وحتى الجو الاجتماعي السائد في أوساط العمل، وما إلى ذلك.
ر. كايرول: عندما نريد قياس مستويات في الرأي العام لتحديد طريقة توزيع الآراء (على أساس السن، الطبقة الاجتماعية، الجنس) حول مسائل أو أثناء الانتخابات، نلجأ إلى سبر الآراء، أي إلى الطريقة الكمية مع بناء عينة ممثلة نسأل أفرادها انطلاقا من استبيان. أما عندما نريد فهم الكيفية التي تتشكل بها الآراء ومدى صرامتها وكيفية تبلورها في أذهان الناس، فإننا نقوم بجمع مجموعات صغيرة من الأفراد (ما بين 7 و10) مدة ساعات عديدة ونعمل معهم بحسب تقنيات التوقع تحت إشراف متخصص نفساني. حينئذ، لا نتوخى الطابع التمثيلي في العينة وإنما الإحاطة بآليات تكوُّن الرأي. إنها دراسات كيفية. وبحسب الحالات، فإننا إما ننتج أرقاما (سبر آراء الناس) أو حروفا (تحليل معمق لهذه الآراء).
ر. كايرول: بما أنه ينبغي أن نكون براغماتيين فإننا نعتمد التقنية الأكثر مناسبة لما نحن بصدد البحث فيه. فإذا كنا نريد أن نوري الأشخاص المستجوبين أشياء ما (مثلا، معلقات نريد اختبار قيمتها أو أفلاما أو نصوصا طويلة) سنختار، بطبيعة الحال، الطريقة المباشرة بمنزل المستجوَب. أما وسيلة الهاتف الثابت والهاتف النقال، فهي تمتاز بكونها أكثر سرعة ومرونة وأقل كلفة. ينبغي أن نضيف وسيلة الإنترنيت التي ما فتئ استعمالها يتزايد.
ر. كايرول: في البلدان المتقدمة حيث يتوفر جميع الناس على هاتف، معظم عمليات سبر الآراء تجري عبر هذه الوسيلة. أما في البلدان الأخرى، فاستعمال تقنية المباشر هي الشائعة.
ر. كايرول: تتمثل هذه التقنية في إعادة طرح الأسئلة على نفس الأشخاص في كل مرة. لكن هذه الطريقة مكلفة وليس من السهل العثور على مستجوبين لهذا الغرض. إلا أنها تسمح بالعمل على التغييرات التي تطرأ على آراء الأفراد.
ر. كايرول: كل الصيغ موجودة. معهدنا يدير منشآته الخاصة في مجال الاتصالات الهاتفية الكائنة بمدينة نيس Nice. لكننا وضعنا أيضا، بإشراك مواطنين مغاربة، معاهد من هذا النوع في المغرب. الى متى تبقى الجزائر منعزلة عن الميدان؟، مهما يكن فإن التكاليف تبقى، في ما أظن، معقولة بالنسبة إلى أصحاب القرار ووسائل الإعلام في فرنسا، أي حوالى 1000 أورو للسؤال الواحد بما في ذلك توزيع الأجوبة عن السؤال المطروح بحسب الجنس، السن، المهنة، الجهة، الميول السياسية لدى المستجوَب.
ر. كايرول: أخصائيونا المتواجدون بمدينة نيس هم الذين يؤطرون شركائنا الخارجيين ويكونونهم ويراقبونهم بحسب معاييرنا المهنية الخاصة. ليس هناك أي فرق في النوعية وسرعة التنفيذ بين ما نقوم به نحن في عين المكان وما نكلف شركاءنا الخارجيين إياه.
ر. كايرول: لقد أشرت إلى هذه النقطة بسرعة في معرض حديثي عن الدراسات “الكيفية”: نقوم بجمع مجموعات من المواطنين ونحاول، بواسطة طرق تنشيط إسقاطية، استخراج لب آرائهم.
ر. كايرول: بعض الناخبين “يخفون” تصويتهم، مثلا في ما يخص الجبهة الوطنية ((le Front National عليه، يجب علينا أن نعيد “بناء” تصويتهم. تتمثل أبسط الطرق المستعملة في ذلك في طرح السؤال حول الطريقة التي صوت بها المستجوَب في المرة السابقة. “كذبة” الناخبين تبقى نفسها، ما عدا أننا في هذه الحالة… نعرف النتائج الحقيقية التي أسفرت عنها الانتخابات الأخيرة! إنه مفتاح إحصائي آخر في يدنا لتقويم النتائج. إنها مجرد وسيلة أمبريقية تسمح لنا بتحسين الصورة.
ر. كايرول: إنها حرفة ينبغي أن نطورها على الدوام. أظن أن النتائج التي نحصل عليها تشير، بالفعل، إلى هذا التطور. لكن الكثير يبقى ينتظر القيام به. على شبكة الإنترنيت، نعرف جيدا كيف نستجوب عينات مستعملين هذه الوسيلة. ومع ذلك، تبقى الأمور غير مؤكدة عندما نريد قياس أجوبة عينة وطنية تمثل جيدا جميع السكان.
ر. كايرول: التحقيقات المنشورة في الصحف الغرض منها تنوير القراء. فبفضل عمليات سبر الآراء، يستطيع كل مواطن قياس ثقل رأيه الخاص وطريقة تصويته بصورة أحسن. كما أن التحقيقات المجراة لصالح أصحاب القرار تمكن هؤلاء من التوفر على خريطة للرأي العام. إنهم، بفضل المعطيات التي نزودهم بها، يدركون ما يحظى بالقبول أو عدمه في ما يقدمون عليه (إجراءات سياسية، الترويج لمنتجات، تنظيم البرامج التلفزيونية) على مستوى مختلف قطاعات الرأي العام وما ينبغي عليهم القيام به من تصحيح لاستعادة الثقة. هذه التحقيقات تكون مفيدة بشكل خاص في وقت الأزمة. غير أنه، بطبيعة الحال، من الأحسن عدم انتظار ظهور الأزمات قبل فهم الرأي العام، سواء تعلق الأمر بالمواطنين بوجه عام أو بعمال مؤسسة ما أو بفئة من المستهلكين.
ر. كايرول: أن نفرض، لا، أنا لا أريد أن أفرض أي شيء. بيد أن كل الأنظمة التي تزعم أنها ديمقراطية، يبدو لي من الضروري، فعلا، أن يُمكَّن فيها المواطنون من الاستفادة من هذه “المرآة” الدائمة التي تعكس انشغالاتهم. إن المواطن في حاجة إلى معرفة على من يصوِّت وما هو ميزان القوى الفعلي على مستوى الرأي العام في البلد. وعليه، لا ديمقراطية في غياب عمليات سبر الآراء!
ر. كايرول: هناك مدونة دولية لأخلاقيات المهنة أنجزتها هيأتنا المحترفة المعروفة بـ ESOMAR. وفي فرنسا، هناك “لجنة سبر الآراء” تراقب العمل في هذا الميدان في ما يخص سبر الآراء الانتخابية. غير أن الأخلاقيات الحقيقية التي ينبغي التركيز عليها هي المسبرون أنفسهم؛ فهم المطالبون بالتحلي بهذه الأخلاقيات وبمعرفة سبل حمايتها في جميع الأحوال.
ر. كايرول: من الواضح أنها قطيعة بين الأجيال وفي الأسلوب السياسي أيضا. إن الفرنسيين يحذرون السياسة كثيرا ويشكون في “وعودها غير الموفى بها”. في الانتخابات الأخيرة، الرأي العام أحس وكأنه في هذه المرة استطاع أن يفرض مرشحيه وموضوعات انشغالاته أثناء الحملة. لذلك، قبل الدخول في اللعبة من خلال التصويت المكثف. بقي الآن ألا يُخيَّب ظنه!
ر. كايرول: أظن أن المجتمع الفرنسي هو أكثر حركية وأكثر “تبدلا” من أصحاب القرار فيه، إذ أن هؤلاء يترددون دائما أمام الإصلاحات، خوفا من الشعب. هل هذا هو الجانب الذي سيتغير؟ ربما! على أية حال، ينبغي أن يقع التغيير على هذا المستوى.
ر. كايرول: كلا، الفارق معتبر بالنسبة إلى انتخابات رئاسية. وقد يرتفع هذا الفارق أكثر في الانتخابات التشريعية التي ستجري في شهر جوان المقبل حيث من المتوقع أن يصبح لساركوزي سلطات واسعة. صحيح، هناك مقاومة من طرف اليسار، إلا أنها تبقى تنتظر عملية إعادة بناء الحزب الاشتراكي.
ر. كايرول: يتهيأ لنا وكأن ساركوزي فعل بالجبهة الوطنية ما فعله ميتيران قبله في الحزب الشيوعي سنة 1981. يبدو زوال حظوة الجبهة الوطنية أمرا محتملا اللهم إلا إذا أخفق ساركوزي على الصعيد الأمني. أما اليسار المتطرف، فإنه لن يستجيب لنداءات الحزب الاشتراكي لاسيما وأن هذا الأخير ما فتئ يتقبل منطق النظام الرأسمالي.
ر. كايرول: صحيح. يتوفر ساركوزي على “حزب للرئيس” حقيقي، عكس الحزب الاشتراكي الذي بات مضطرا إلى إصلاح أمور بيته، سواء من حيث مذهبه، تموقعه السياسي، أو قيادته…
ر. كايرول: من الصعب جدا البت في هذه المسألة. François Bayrou سيدفع ثمن جرأته بمناسبة الانتخابات التشريعية المقبلة. غير أنه يراهن على المدى البعيد محاولا، رغم قلة عدد أتباعه، التموقع بوصفه “القائد المعنوي للمعارضة” في مواجهة ساركوزي.
ر. كايرول: لا ريب في ذلك. لكن ما هو أهم هو أن تطور العالم يستدعي استجابات عصرية متكيفة معه لا مجرد اللجوء إلى صيغ أيديولوجية بالية.
ر. كايرول: من المعروف أن السياسة الخارجية بفرنسا تشكل مجالا يحظى بوفاق نسبي على مستوى جميع الأطراف. وعليه، هذا هو المجال الذي يسهل فيه “الانفتاح” أكثر على اليسار، لاسيما وأن B. Kouchner كان أحد شخصيات اليسار الأكثر “نزعة أطلسية” والأكثر إعجابا بالولايات المتحدة الأمريكية.
ر. كايرول: لا شك أن ساركوزي، أكثر من سلفه، يحس أنه صديق للولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل. غير أنني أفترض أنه قد يغير من لهجته بعض الشيء بعد صعوده إلى الحكم؛ علما أن الأسلوب مهم في الساحة الدولية. لكن، من حيث الجوهر، وفي مواجهة واقع العلاقات الدولية، لن تعرف السياسة الخارجية الفرنسية تغييرا محسوسا.
ر. كايرول: بطبيعة الحال، لا! لا تنسى أن الديمقراطية الاجتماعية في حد ذاتها تمر حاليا بأزمة، ببلدان شمال أوروبا!. الحزب الاشتراكي مدعو، اليوم، إلى إجراء إصلاح حقيقي، مع اعتماد أجوبة تتماشى والواقع، من دون أي لف أو دوران ومن دون أي مسلمات في تعامله مع مشكلات المجتمع الفرنسي اليوم. هذا بالذات ما نجح فيه Tony Blair في مواجهته لـ M. Thatcher، في بريطانيا حتى وإن اختلف السياق واختلفت الاستجابة. هناك، إذن، عمل كبير ينتظر الحزب الاشتراكي الفرنسي.
ر. كايرول: هذا أمر يعود إلى مناضلي الحزب أنفسهم، تحت الرقابة اليقظة لعمليات سبر الآراء! ومع ذلك، لا شك أن الأمر يتعلق بتغيير في الاجيال على مستوى القيادة، لكننا لا نستطيع اليوم أن نرى بوضوح من سيكون المستفيد من هذا التغيير.
ر. كايرول: من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، لا سيما وأن القانون يمنع جمع المعطيات حول أصول الناخبين. فإذا اعتمدنا على الجنسية الشمال إفريقية لآباء الناخبين أو أجدادهم، فإن معظم أفراد هذه الفئة قد صوتوا في صالح Ségolène Royal.
ر. كايرول: لا شك أنه من المفيد أن نعرف هموم كل واحد. لكنه من الواجب علينا، في الوقت ذاته، أن نتفادى السقوط في فخ “الطائفية” ((communautarisme. نعم لـ “التمييز الإيجابي” على الطريقة الفرنسية، لا للمحتشدات الثقافية!
ر. كايرول: من المحتمل. الفرنسيون يرغبون في منح الرئيس الذي انتخبوه هذه المرة أغلبية مريحة حتى ولو اقتضى الأمر ضرورة القيام بحصيلة لحكمه بعد خمس سنوات من الآن.
ر. كايرول: يا لها من سخافة ومن شتم صريح! اسمحوا لي أن أذكر، فقط، أنني أعمل مع جميع التشكيلات السياسية الفرنسية…
ر. كايرول: التقنيات الأساسية هي ذاتها في كل مكان. لكن في الولايات المتحدة الأمريكية يتم إنجاز عمليات سبر الآراء انطلاقا من عينات مشكلة بحسب الطريقة العشوائية (أي على أساس الصدفة)، بينما نستعمل، نحن في فرنسا، طريقة الحصص (أي تكون عيناتنا عبارة عن إعادة تشكيل مصغر للمميزات المعروفة لدى المجتمع الفرنسي). وقد سعدنا، منذ سنوات، حينما التحق بنا زملاؤنا البريطانيون بعدما كانوا من “عبدة” الطريقة العشوائية التي كلفتهم غاليا. اليوم تحسنت كثيرا عمليات سبر الآراء عندهم بفضل اعتمادهم لتقنياتنا. ومع ذلك، يبقى النقاش مستمرا!
ر. كايرول: لكن تلك هي الحقيقة بعينها! فمن ناحية، تجد رجال السياسة يطلبون منا إجراء دراسات ويعتمدون عليها؛ ومن ناحية أخرى يقابلوننا بالجفاء، إذا لم ترضيهم النتائج، ويبلغ الأمر ببعضهم حد القول “نحن لا نؤمن بعمليات سبر الآراء”!
ر. كايرول: لا يجدر بالمسبرين أن يدعوا القيام، بأنفسهم، بتأويل النتائج التي توصلوا إليها. ينبغي احترام حرية الصحافة. الصحفيون هم المطالبون باستخلاص الدروس من عملياتنا. لكن، بطبيعة الحال، يقتضي ذلك، في الوقت ذاته، من هذه المهنة النبيلة كثيرا من الصرامة والصدق؛ وهي خصال غالبا ما تتوفر لدى الصحفيين. ومع ذلك، تبقى دائما الحاجة إلى مزيد من التقدم.
ر. كايرول: طبعا! نحن لسنا سحرة! نحن مجرد مستعملين لـ “محارير” (thermomètres). إنه عمل تقني، غامض بعض الشيء، مهم حقيقة لأنه يبرز موازين القوى… لكنه خال من أي سحر.
ر. كايرول: في الأنظمة المتسلطة بالمعنى الدقيق للكلمة، عمليات سبر الآراء ممنوعة. في الأنظمة الديمقراطية هذه العمليات صارت مبتذلة. بين النظامين، في تلك الأنظمة التي تتطلع إلى الديمقراطية، أو الأنظمة شبه الديمقراطية، يمكن أن تكون هناك شبه عمليات سبر آراء تقوم بها شبه معاهد. كما يمكن أن تكون هناك، في بعض الحالات، جهود شجاعة يقوم بها مسبرون حقيقيون يحاولون التغلب على الظروف المستحيلة التي يفرضها النظام على عملهم.
ر. كايرول: لعلني قلت ذلك ذات يوم كنت فيه متعبا! بالعكس، الطريقة التي جرت بها الانتخابات الأخيرة زادتني رغبة في الحضور أثناء الانتخابات الرئاسية المقبلة… وربما التي تليها وما بعدها!
<font class="ro