الخروج من السقف
لكل أزمة في الحياة، سقف، إذا تعدّته وجب أن تُعلن لأجلها حالة الطوارئ القصوى، وأظن بأن حوادث المرور التي شهدتها الجزائر خلال الصائفة الأخيرة هي تجاوز لكل صور الحزن في كميتها وبشاعتها. وسماع أخبار إبادة الطريق لعائلات بالكامل وبأعداد رهيبة، لا يجب أن يدخل ضمن الروتين اليومي المفجع الذي نستمع إليه ولا أحد يُحرك ساكنا، أو لا أحد يستطيع أن يجد حلا ولو نسبيا لهذه الأزمة، التي صارت تقتل أكثر مما تقتل الحروب والأوبئة في العالم، بل إن ما اقترفته جائحة كورونا في سنة عز وعنفوان الفيروس، أقل مما يقترفه إرهاب الطرقات في سنة، في أقل مواسمه فتكا.
تجاوزت حوادث المرور في الأشهر الأخيرة كل الأرقام المؤلمة وخرجت من السقف، وصار من المؤكد فشل محاولات التوعية والتحسيس التي تشارك فيها مختلف الفعاليات من أمن وحماية وصحافة ودين وتربية وتعليم.
وتبدو الآن الإحصائيات التي تتفضل بها مصالج الحماية المدنية والدرك الوطني عن أسباب هذه الحوادث، وهي في الغالب بسبب أخطاء بشرية، تبدو من دون معنى، إذا لم تتحرك الجهات الوصية فعلا، وليس الجمعيات، التي تقوم بأعمال توعية عابرة، وأحيانا تحت الطلب ومن دون جدية ولا تمكّن من الشيء، فالمنحنى التصاعدي لحوادث المرور هو دليل على فشلنا جميعا في مواجهة حرب الطرقات الضروس، والتي اختلفت فيها التسميات ما بين الإرهاب والوباء والمجازر، وبقي الموت واحدا.
فقد قتلت سيارات آخر طراز، كما قتلت السيارات البالية، وتحوّلت الطرقات السيّارة إلى مقابر، كما هو الشأن في الطرقات المهترئة في الجبال والأرياف، وهلك مهندس السياقة وأهل الخبرة في قواعد المرور، كما هلك الذي يسوق من دون جواز سياقة، أو برخصة سياقة اشتراها وهو في بيته لا يفرق بين المقود والمكابح، وصار من الضروري تشخيص الحالة في كونها وباء عام، لا يجب أن نلصقه بما يسمى بالشباب المتهور والمغامرين في الطرقات، لأن هذا الشاب المتهور حصل على رخصة سياقته من جهة معتمدة وغير متهورة وله مرافقون وأولياء غير متهورين، ولكن اللامبالاة هي ما جمعتنا وأوصلتنا إلى هذه الجريمة التي اشتركنا فيها بسبق الإصرار.
قرأت مرة خبرا، قادما من دولة اسكندنافية، تابعت فيه السلطات الأمنية والقضائية شابا كان يسير لوحده بسيارة فاخرة، فانقلب لوحده ولم يدهس أحدا، وأجبرته على الامتثال للمحاكمة رغم حالته الصحية المعقدة، إلى أن توفي أمام القاضي، ورغم ذلك حجزت سيارته المنقلبة، وأرغمت عائلته الجريحة بفقدان ابنها على دفع غرامة مالية كبيرة، وعلمت بعد ذلك بأن هذا البلد الاسكندنافي هو أقل بلدان العالم تسجيلا لحوادث المرور، حتى أنه في إحدى سنوات بداية الألفية الجديدة، لم يسجل طوال السنة سوى حالتي وفاة بسبب حوادث المرور.
هناك نماذج ناجحة في مكافحة إرهاب الطرقات، طبقتها بعض البلدان الرائدة في صناعة السيارات والمبدعة في طرق تقديم دروس السياقة النظرية والتطبيقية، ولم يعد هناك وقت للبكاء على الضحايا والتوعية، لأن الحادث الذي وقع جنوب مسعد بولاية الجلفة وأباد عائلة من أحد عشر فردا يجب أن يكون نقطة نهاية الأحزان.