الخضر أضاعوا على أنفسهم فرصة العمر في التأهل للدور الثاني
لا خيار للجزائر حتى تلتحق بالمغرب والمملكة العربية السعودية، في بلدان العالم العربي التي لعبت لحد الآن في تاريخها، 13 مباراة، سوى تحقيق التأهل للدور الثاني، حتى تجتاز رقم 12 مباراة مونديالية التي ضمن الخضر لعبها، منذ أول مشاركة عام 1982، وهي السنة التي ضيّعت فيها الجزائر أهم فرصة للتأهل للدور الثاني، وربما الدور نصف النهائي، رغم أن التاريخ يشهد على أن كأس العالم لعام 1982 كانت ضمن المونديالات الأقوى بمنتخبات قوية جدا، وأيضا بنجوم كبار لا يمكن للعالم نسيناهم مثل آلتوبيلي وأنطونيوني من إيطاليا وماردونا وأرديلاس من الأرجنتين وسقراطس وزيكو من البرازيل وشيفو من بلجيكا وبلاتيني وتيغانا من فرنسا ورومينغي وبرايتنير من ألمانيا، وجميعهم من النجوم الخالدين في عالم الكرة المستديرة، ومع ذلك بصم الجزائريون على تواجدهم وقدّموا عرضا كان يمكن أن يضعهم ضمن أقوياء المعمورة، بدليل أن مباراة ألمانيا لم تكن مفاجئة، حيث سيطر الخضر بالطول وبالعرض على المواجهتين المتبقيتين، أمام النمسا والشيلي، ولكن نقص الخبرة وغياب مدرب خبير بخر الحلم، حيث كان خالف محي الدين في تلك الدورة الأصغر سنا، والأقل خبرة وضيّعت الجزائر تحت قيادته تألقا في النتائج وليس في الأداء فقط.
جزائر غنية ومنتخب قوي
لم يحدث في تاريخ الجزائر المستقلة وأن عاش الجزائريون بحبوحة مالية ورغد الحياة، كما عاشوها في بدايات ثمانينات القرن الماضي، كانت الأموال تتهاطل من ريع النفط بعد أن ارتفع سعره وبلغ لأول مرة أكثر من أربعين دولارا للبرميل الواحد، ولم يكن مطروحا مشكلة اقتراب نضوبه، في هذه الفترة المادية التي دخل فيها الموز والجبن، وسيارات هوندا وريتمو حياة الجزائريين في عهد الشاذلي بن جديد، ومنحت الجزائر لأول مرة أيضا لمواطنيها من المسافرين منحة السفر من العملة الصعبة، وعندما حقق الخضر تأهلهم الأول للمونديال، كانت المؤسسات الأوروبية قد دخلت الجزائر بقوة خاصة المؤسسات الإيطالية في مجالات السكة الحديدية والبناء، فمكّنت الدولة أنصار الخضر من السفر مع المنتخب الجزائري، بمبلغ زهيد، حتى إذا قيس مع أسعار ذاك الزمن الجميل، حيث وفرت سفريات إلى مدينتي أوفييدو وخيخون مقابل 4500 دج مع توفير تذاكر المباريات الثلاث للدور الأول، ووجبات العشاء وفطور الصباح مع المبيت في فنادق من ثلاثة إلى أربعة نجوم، ناهيك عن النقل بين المدن الإسبانية والفندق والملعب، وأقل من ميلون سنتيم لمن يريد متابعة كل المونديال، وهو ما حقق للخضر الغلبة من حيث حماس الجماهير، وكثرتهم، مقارنة بمنافسيهم الثلاثة وأصبحوا علامة طوال مباريات الدور الأول، ولم يكن تواجد الجمهور الجزائري معزولا عن الكلّ، حيث بدا منذ المباراة الأولى أن الجزائر تمتلك منتخبا قويا كان في أساسييه ثلاثة لاعبين ينشطون في القسم الأول الفرنسي هم قريشي ونصوري وأهمهم الكبير مصطفى دحلب نجم باريس سان جرمان، ولاعب ينشط مع كورتري البلجيكي، هو جمال زيدان.
هكذا سقطت ألمانيا بالضربة القاضية
المكان ملعب المولينون بخيخون الإسبانية.. والزمان السادس عشرة من شهر جويلية عام 1982، بمناسبة لقاء الخضر أمام ألمانيا الغربية الأولى، حضرها 42 ألف متفرج، كان أكثر من عشرة آلاف جزائري في الملعب ولم يكن عدد الألمان يزيد عن خمس مئة مناصر فقط، يخيّل للناظر أن المباراة تجري في ملعب 17 جوان بقسنطينة الذي شهد مغامرة التأهل، ودخل الخضر بالتشكيلة التالية: سرباح ومرزقان ومنصوري وقريشي وڤندوز وفرڤاني وماجر ودحلب وزيدان وبلومي وعصاد، في الوقت الذي تم إقحام بن ساولة في مكان زيدان، بعد أن كانت النتيجة لصالح الخضر بهدف يتيم، وتم استبدال ماجر بصالح لارباس لقتل الوقت عندما كان الخضر متغلبين بهدفين مقابل واحد، وقاد الخضر محي الدين خالف ورشيد مخلوفي، بينما لعبت ألمانيا التي كانت بطلة أوربا ببعض اللاعبين الذين أحرزوا كأس العالم عام 1974 وجميعهم من مشاهير العالم، وهم شوماخر وكالتز وفوستر وستيليكي وبريغل ودراملير وبرايتنير وماغات وليتبارسكي وروباش ورومنيغي، وأقحم المدرب دروال في الشوط الثاني فيشر، في مكان ماغات، بينما أدار المواجهة حكم من بيرو يدعى لايو وساعده ثنائي من إيطاليا وكولومبيا.
وكانت أولى لقطات المباراة في الدقيقة الثامنة، عندما انفلت بلومي عبر كرة ذكية من عصاد في وسط الدفاع، ولكنه لم يلحق بالكرة التي شتتها كالتز للركنية، وكاد سرباح بسبب قصر قامته أن يتلقى هدفا عندما علا رومينيغي أطول منه، ولكن كرته خرجت جانبية، لتسيطر ألمانيا الغربية على المباراة، فضيّع رومينيغي مرة أخرى في الدقيقة 14، ثم توازن اللعب بين قذفة لزيدان ومحاولة لروباش، ولكن مع مرور الدقائق صار بإمكان الجزائريين أن يحلموا بما هو أحسن من الدفاع فقط، عن مرماهم وتفادي الأسوأ، وهذا ما تجلى في الشوط الثاني، حيث استرجع اللاعبون توازنهم وآمنوا بإمكانياتهم، وكانت اللقطة التي جاء منها الهدف الأول في الدقيقة 54 تحفة تكتيكية، بين سرعة وتنفيذ دقيق، وصلت فيه الكرة لبلومي من جمال زيدان، وحدث أول انفراد بالحارس شوماخر في المباراة، ولكن كرة بلومي ارتطمت بالذراع الأيمن للحارس شوماخر وتحوّلت إلى ماجر الذي وجد المرمى مغطى بالمدافعين كالتز وفوستر، فوضعها فوق رأسيهما، وأعلن أول أهداف المباراة وسط فرحة هستيرية للجماهير الجزائرية، وكان بإمكان الجزائريين تسجيل هدف آخر عندما عبث زيدان بفنياته وإرادته أيضا بلاعبين ومرّر كرة لعصاد قذفها فوق المرمى في الدقيقة 65 كما قدم مرزقان واحدة من طلعاته الشهيرة من مرمى سرباح إلى مرمى شوماخر، ولكن هذا الأخير أسرع والتقط الكرة من قدم مرزقان، ليسجل رومنيغي في الدقيقة 69 هدفا بعد سوء تمركز في وسط الدفاع الجزائري.
ظاهرة مرزقان
ثواني بعد هدف التعادل للألمان، ومن ضربة الوسط مرّر بلومي لفرقاني الذي حوّلها لعصاد ثم لدحلب الذي قدم بسرعة كرة المباراة لصالح عصاد المنطلق، فرفع رأسه ومنها بدقة بلومي الذي هزّ الشباك، أمام دهشة الألمان الذين صعقهم مرزقان بنشاطه في الدقيقة الـ 74، حيث طار كالسهم من الدفاع إلى الهجوم دون أن يتمكن كل لاعبي ألمانيا من توقيفه أو اللحاق به، وبينما ظن الألمان أن شعبان مرزقان سيسدّد أو يُكمل مراوغا، مرّر كرة ساحرة لماجر، الذي سدد من حوالي 20 مترا مرّت بسنتيمترات قليلة على يمين شوماخر، وتحوّلت المباراة بعد ذلك إلى معركة وقعت بين منتخب يريد تحقيق الانتصار مهما كلفه ذلك، وآخر صار يبحث عن التعادل بعد أن كان لاعبوه قد وعدوا صديقاتهم، بأهداف كثيرة، وخلال المباراة ارتطمت كرة واحدة بالعارضة، من رأس روباش، وكانت الفرص الأخطر من أقدام اللاعبين الجزائريين، الذين خرجوا كالأبطال بعد أن اكتسح بعض المناصرين الملعب، بينما عاشت الجزائر واحدة من أكبر أفراحها، في شوارع المدن والقرى، وهناك من صار يطالب بالفوز بكأس العالم.
وبعد نهاية المباراة أدلى المدرب الألماني في الندوة الصحفية، بتصريح قال فيه بأن الجزائريين لعبوا بذكاء، واعترف بأن اللاعبين الألمان أعمتهم الثقة بأنفسهم، رغم نصيحته لهم، وتكهن ببلوغهم الدور الثاني رفقة ألمانيا، أما محي الدين خالف فتحدث عن الربع ساعة الأول الذي أخاف اللاعبين، واعتبر الخطة المعدّة لمواجهة الألمان هي مفتاح الفوز، ثم ذكر للصحافيين العالميين فوزا حققه الخضر على ألمانيا عام 1964، ولم يزد بلومي عن كلمة واحدة وهو إهداءه الفوز لوالديه وللشعب الجزائري بمناسبة الذكرى العشرين للاستقلال.
كان الوضع الدولي في ذلك الوقت متأزم جدا، حيث اكتسحت إسرائيل لبنان وأحدثت مجازر في حق اللاجئين الفلسطينيين، وتم تدمير لبنان بالكامل، ومع ذلك جاء الانتصار مثل البلسم وربما المخدر بالنسبة للعرب، حيث لحقه تعادل الكويت ضد منتخب تشيكوسلوفاكيا، وخرج الجزائريون كما لم يفعلوا في تاريخهم في احتفالات كبيرة، وحتى في سوريا وفي مصر والعراق وتونس خرج الآلاف احتفالا بانتصار الجزائر على ألمانيا الغربية، وهو أول انتصار عربي وإفريقي على منتخب بلد فاز بكأس العالم في المونديال، في الوقت الذي فازت النمسا على الشيلي، في نفس الفوج الثاني بهدف نظيف سجله شاشنير في الدقيقة 21 أمام 22 ألف متفرج، كان يكفي الفوز على النمسا المنتخب المتواضع مقارنة برفقاء ماجر ليحقق الخضر التأهل مباشرة للدور الثاني، من دون انتظار المقابلة الثالثة وكانت كل الترشيحات تصبّ في خانة الخضر، حتى النمساويين كانوا في أشد حالات الرعب ولكن؟
السقوط أمام النمسا
لم تجد ألمانيا صعوبة في سحق الشيلي برباعية مقابل واحد، سجل رومنيغي منها ثلاثية، ووينديرس هدفا واحدا، وردّ موسكوزو بهدف وحيد، في العشرين من شهر جوان، وسافر الخضر إلى أوفييدو ولعبوا في اليوم الموالي أمام 22 ألف متفرج لقاء أضاعوه من أيديهم بطريقة غريبة وحكمه الأسترالي بوسكوفيتش، وآمن محي الدين خالف في هذه المقابلة بالمقولة التي تصب في كون الفريق الذي يفوز لا يجب تغييره، وغامر بلاعبين كان واضح على بعضهم التعب الشديد، حيث شاركت نفس التشكيلة التي فازت على ألمانيا مع سرباح ومرزقان، ومنصوري وقريشي وڤندوز وفرقاني وماجر ودحلب وزيدان، وبلومي وعصاد، وفي الشوط الثاني، بعد تسجيل الهدف النمساوي الأول أقحم خالف بن ساولة في مكان بلومي في الدقيقة 64، وبعد تسجيل الهدف النمساوي الثاني تم إقحام جمال تلمساني في مكان مصطفى دحلب في الدقيقة 76 .
بينما مثل منتخب النمسا الحارس كونسيليا وكريس وأوبورماير ودي جورجي، وبيزي، وهيتنبارغ، وشاشنار، وبروهاسكا، وكرانكل، وهينترماير، وبومستير.
وكان يدربه الألماني شميديت، وكان أول أخطاء المنتخب أنه دخل بثوب الكبير أمام الصغير النمسا، ومن دون مقدمات لعب من أجل قتل المباراة منذ الشوط الأول، وتموقع النمساويون في منطقتهم، وكان نجم الشوط الأول من دون منازع هو الحارس كونسيليا وحتى مرزقان صعد إلى الهجوم ولامست إحدى كراته العارضة الأفقية، وأبدع عصاد بمراوغاته ولم يُحرج النمساويون إطلاقا سرباح، إلى درجة أن الجزائريين صاروا يفكرون في الحصة التي يفوز بها الخضر، وضاعت على زيدان فرصة سانحة لفتح باب التسجيل في الدقيقة 24، حيث تألق الحارس النمساوي، ولكن أهم الفرص كانت لماجر الذي تلقى كرة من فرقاني في قلب العمليات، فراوغ المدافع أوبرماير، ثم أرسل الكرة قي زاوية سفلية مستحيلة، ولكن الحارس النمساوي أنقذ فريقه، ليدخل الخضر في شبه لعب استعراضي تواصل في الشوط الثاني، وحتى الدقيقة 55 كان صالح عصاد يراوغ بسهولة بعض مدافعي النمسا، ولكن الكرة ارتدت لصالح النمساويين، ثم أخطأ قندوز في كرة حوّلها شاشنير إلى هدف ضد مجريات المباراة، ودخل الخضر في شبه تيهان وتعقدت أمورهم بهدف أيضا من قلب الدفاع الجزائري بهدف من أشهر لاعب نمساوي عبر التاريخ هو كرانكل في الدقيقة 67، ليدخل الفريق في لعب ارتجالي لا أحد فهمه، حيث حاول مرزقان الصعود كعادته فكانت كل محاولته فاشلة، وانتقدت الصحافة الإسبانية المدرب الجزائري، خاصة أن التعادل كان يكفي للتأهل، وقوة الجزائريين في ذلك الوقت في الكرات المرتدة والهجوم المعاكس عندما يصنع اللعب خصومهم، ولكن خالف حاول أن يصنع المقابلة فهاجمه النمسا بسلاحه القوي، رغم ثقل اللاعبين النمساويين الذين خرجوا سعداء ولم يحلموا أبدا بالفوز على الجزائر وبنتيجة هدفين مقابل صفر.
مهرجان الشيلي الذي بخّره الشوط الثاني
أمام 16 ألف مناصر في ملعب أوفييدو لعب الخضر آخر حظوظهم أمام منتخب الشيلي، لأنهم لم يثقوا في اللقاء الأخير بين النمسا وألمانيا، وكان فوز الخضر برباعية نظيفة يعني تأهلهم المضمون، أما في حالة الفوز بثلاثية نظيفة فإن إقصاءهم يتطلب فوز ألمانيا أمام النمسا بثلاثية مقابل هدفين أو أربعة مقابل ثلاثة أو خمسة مقابل أربعة، وهي نتيجة معقدة وربما مستحيلة، أي أن الثلاثية النظيفة ستعني تأهل الخضر بنسبة تفوق 99 بالمئة.
ودخل الجزائريون بتشكيلة مغايرة تماما، حيث منح المدرب قيادة الأوركسترا لصالح عصاد، وضم الفريق التشكيلة التالية وهي سرباح ومرزقان ولارباس، وقريشي، وقندوز، ومنصوري، وبوربو، وفرقاني، وبن ساولة، وعصاد، وماجر، وتم إقحام دحلب في مكان منصوري في الشوط الثاني في الدقيقة 73، كما لعب ياحي وهو أصغر لاعب للخضر، حيث كان في سن 22 في مكان منصوري، ومثل الشيلي: أوسبان، جيلندو، فاينزيلا، فيغورا، بغورا، ديبو، بونفالت، نيارا، وانز، كاسزلي، موسكوزو، تحت قيادة المدرب سانتي بانيز، وأدار المباراة الحكم الأرجنتيني مانيز، ولم يحدث في تاريخ الجزائر وأن لعب الخضر شوطا مماثلا، حيث سجل عصاد من تمريرة بن ساولة في الدقيقة السابعة، وأضاف هدفا ثانيا في الدقيقة 31 ثم بصم بن ساولة هدفه الثالث من قذفة عن بعد 20 مترا، كما ارتطمت الكرة بالخشبة والعارضة في ثلاث مناسبات كاملة، أمام ذهول الألمان والنمساويين وتيهان الشيليين، وأصبح أمر التأهل مجرد وقت قصير من الشوط الثاني، ولكن الطاقم الفني واللاعبين عجزوا عن تسيير المباراة فتلقى سرباح هدفين يتحمل وسط الدفاع مسؤوليتهما، أحدهما من ضربة جزاء في الدقيقة 59 والثاني في الدقيقة 73 من نييرا ولتيليي، وحلم الخضر لن يتحقق إلا بهزيمة النمسا بهدفين أو تعادلها أو فوزها ليتأهلوا، ولكن الهدف الكافي لألمانيا، حيث لُعبت المباراة أمام 41 ألف متفرج كاد فيها الحكم الأسكتلندي بوب فالونتين أن ينام منذ الدقيقة العاشرة عندما سجل روباش الهدف، المتفق عليه بين الفريقين، واكتملت المسرحية بحصة تدريبية بين المنتخبين أمام صفير الجمهور وحمل الإسبان للمناديل وخرج الخضر وفي جعبتهم انتصارين وخرجوا وهم في المقدمة، من حيث النقاط، ولكن فارق النقاط أخرجهم من المنافسة، ولو تأهلوا في المركز الثاني لتواجدوا في الدور الثاني في فوج ضم إيرلندا الشمالية وفرنسا لأجل بلوغ المربع الذهبي..ولكن.