الرأي

الخوف على الرّزق: معضلة العصر!

سلطان بركاني
  • 63
  • 0

الخوف على الرّزق أن ينقطع أو ينقص أو يأخذ منه مخلوق آخر، هو ما يملأ قلوب كثير منّا في هذا الزّمان. وبسببه قست قلوبنا وضيّعنا ديننا ونسينا آخرتنا وأخّرنا صلواتنا وهجرنا مساجدنا، وقطعنا أرحامنا وأسأنا جوارنا، وأقبلنا نتنافس على الدّنيا في شره عجيب وإصرار غريب، على الرّغم من أنّنا نسمع ونقرأ في كتاب ربّنا آيات كثيرة ترسّخ لحقيقة أنّ الرّزق مضمون لكلّ مخلوق في هذا الوجود، ولا يحتاج إلا إلى بذل الأسباب الميسورة، ونقرأ في المقابل أنّ الشّيطان هو من يسعى جاهدا لينسي العبد هذه الحقيقة ويملأ قلبه خوفا على رزقه لينسيه ما خلق لأجله! ((الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)).

إنّنا ما تهاونّا في صلواتنا فأخرناها عن أوقاتها وهجرنا المساجد إلا لأنّنا نخاف على أرزاقنا أن تنقص! حتّى أنّ الواحد منّا ربّما لا تطاوعه نفسه في أن يمكث في مجلسه بضع دقائق بعد الصّلاة يذكر فيها مولاه ويشكره ويثني عليه! ما إن يسلّم من الصّلاة حتّى ينطلق كما ينطلق السّهم من الرمية، أو كما يخرج المحبوس من سجنه!

إنّنا ما قطعنا أرحامنا وأسأنا جوارنا، ولا تحاسدنا وتباغضنا وتعادينا، إلا بسبب خوفنا على أرزاقنا من الأموال والمساكن والأراضي أن تنقص أو تخرج من أيدينا لتذهب إلى غيرنا!

إنّه ما بخل كثير منّا بأموالهم عن بيوت الله وعن الفقراء والمساكين والمحتاجين، إلا لأنّنا نسمع نزغات الشيطان الذي يصوّر لنا الفقر بين أعيننا!

إنّه ما تنافس بعضنا في القروض الربوية (Crédits bancaires)؛ وقروض شراء السيارات وبناء السكنات، وقروض الاستفادة من عتاد البناء والعتاد الفلاحي؛ إلا لأنّنا نخاف على ألا تصل إلينا أرزاقنا كاملة، ونظنّ أنّ أرزاقنا التي كتبها الله لنا لا تمرّ إلا على طرق الحرام!

ضعف إيماننا بالله ويقيننا برزق الرزاق ذي القوة المتين، وتعلّقت قلوبنا بالبشر المرزوقين! أصبح بعضنا يظنّ أنّ الوظيفة لا يمكن الحصول عليها إلا بالرشوة، وأنّ النّجاح في مسابقات التوظيف لا يكون إلا بإعطاء شيء تحت الطاولات لأصحاب البطون المنتفخة، حتى أصبح القائل يقولها بملء فيه من دون حياء من الله: “لو كان ما تمدش الرشوة، انس الخدمة”… أصبح بعضنا يظنّ أنّ السكن الريفي والاجتماعيّ ورخص البناء واستغلال الأراضي، ورخص فتح المحلات، لا يمكن الحصول عليها إلا بالرشوة؛ حتى أضحت القاعدة تقول: “لو كان ما تمدّش الرشوة غير انس”. وكأنّ الرزق بيد البشر وليس بيد الله! حتّى فيما يتعلّق بحقوقنا الخالصة؛ أصبحنا نرضخ للواقع ولرغبات الطمّاعين وآكلي الحرام لأجل أن نأخذ ما هو حقّ شرعيّ وقانونيّ لنا. هذا فضلا عمّا هو ليس من حقنا وقد يكون وبالا علينا؛ فتجد الواحد منّا -مثلا- يتّصل بهذا وذاك، ويستعين بفلان وعلان، ويقدّم الرّشوة لكلّ من يطلبها، لأجل أن يحصل على قرض ربوي يبني به مستقبله! وكأنّ المستقبل لا يبنى إلا بالحرام والرزق لا يصل إلى صاحبه إلا إذا وضع قدمه على طريق الحرام!

حتّى بعض المسلمات، يسمعن لوساوس الشّيطان الذي يخوّفهنّ من الفقر، وربّما اقترفت الواحدة منهنّ ما يسخط الله لأجل أن تنال رزقا لو صبرت واتّقت الله لنالته أو نالت ما هو خير منه في الحلال؛ تجد الفتاة المسلمة ربّما تتفنّن في حجابها وتخضع بقولها وتتمايل بحركاتها، لأجل أن تظفر بمنصب عمل هنا أو هناك، وربّما تتخلّى عن حجابها لأجل أن تقبل في وظيفة في هذه المؤسّسة أو في تلك المصلحة. ترضى لنفسها أن تعصي أمر ربّها بالحجاب لأجل رزق تظنّ أنّه لا يأتي إلا بمعصية الله ومخالفة أمره وطاعة من يريدونها عوجا.. وهذا ليس خاصا برزق الوظيفة، بل إنّ بعض النّساء يعصين الله ويخالفن أمره لأجل الظّفر برزق الزّواج؛ كثير من بناتنا -الآن- يعدهنّ الشّيطان الفقر ويأمرهنّ بالمعصية، يقول للواحدة منهنّ: إذا لبست الحجاب الواسع، فسيُنظر إليك على أنّك عجوز، ولن تتزوّجي أبدا، لن يلتفت إليك أحد فتظلّين عانسا كما حصل لفلانة! وتنسى المفتونة أنّ الرزق والفضل والزّواج بيد الله.. نعم قد تتزوّج بتبرّجها، لكنّها بالتّأكيد لن تتزوّج رجلا، بل ستتزوّج ذكرا ربّما لا يحمل من الرّجولة إلا اسمه، تذوق معه المرّ والمرارة. ولو أنّها اتّقت الله وصبرت أوشك الله أن يرزقها زوجا صالحا، رجلا يتّقي الله فيها ويغار عليها ويكفيها ويصونها ويحميها ويفديها بنفسه، وحتّى لو تأخّر عنها الزّواج فلن تخسر شيئا ما دامت تسير على الطّريق التي ارتضاها الله لها. وقد يأخذ الله منها في الدّنيا ليدّخر لها رزقا واسعا حسنا في الجنّة، وماذا خسرت من صبرت سنوات معدودات، وفي الأخير ظفرت بالجنّة؟ وفي المقابل: ماذا كسبت من تبرّجت وتزوّجت ذكرا ألهاها عن الله واليوم الآخر، وتحوّل كلامه المعسول الذي كانت تسمعه قبل الزّواج إلى سبّ ما كان يخطر لها على بال ومعاملة سيئة ما كانت تتوقّعها ممّن كان بالأمس يسمعها أرقّ العبارات ويعدها ويمنّيها بما لا تجده حتّى في الأحلام؟!

وبين إخواننا الشّباب، كم من شابّ ضاقت به الأحوال، وأوصدت أمامه الأبواب، وبدل أن يراجع نفسه ويتوب إلى الله وينظر في حاله، لعلّه مقيم على معصية يحرم بسببها الرزق، أو لعلّ يقينه بالله ضعيف، أو لعلّه يطمع في المخلوقين وينسى الرزاق وحده؛ بدل هذا، يوسوس له الشّيطان بأن يستعجل رزقه في الحرام، فيفتيه بأنّه مضطرّ، وأنّه في وضع يبيح له أن يأخذ قرضا ربويا، وقد يبيح له أن يبدأ حياته بتجارة محرّمة، فيسوّل له مثلا أن يبيع السجائر، فينصب طاولة في شارع من الشّوارع أو أمام مقهى من المقاهي، وربّما يكون ربّ أسرة فيطعم زوجته وأبناءه من عوائد وفوائد هذه التجارة المحرّمة، فيأتيه من الرزق ما كتب له، لكنّه من طريق حرام، لا خير فيه ولا بركة، معه الهمّ والغمّ والضّيق والمشاكل.

هذا هو واقع كثير منّا في هذا الزّمان؛ ضعف إيماننا ويقيننا بالله سبحانه، ونسينا أنّه وحده من يملك الأرزاق والآجال، وأنّه لا أحد غيره يملكهما، وأصبح كثير منّا يسمعون هذه الآيات بآذانهم لكنّها لا تدخل إلى قلوبهم: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)). ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)).. يقول أحد العلماء: “قرأنا في تسعينَ موضعًا من القرآنِ أنَّ اللهَ قدَّرَ الأرزاقَ وضمِنها لخلْقِه، وقرأنا في موضعٍ واحدٍ ((الشيطانُ يعدكمُ الفقرَ))، فشككنا في قولِ الصادقِ في تسعين موضعًا، وصدّقنا الكاذبَ في موضعٍ واحد”! يقول النبي الأكرم -صلـى الله عليه وسلم-: “إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملن من أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته”.

الله -جلّ وعلا- بحكمته قد يعجّل لعبده البديل والرزق الحلال فور ترك الحرام، وقد يؤخّره الله قليلا لينظر صدق عبده وثقته بموعود الله، فإن صبر العبد ووثق بمولاه وأحسن به الظنّ أنّه سينجز له ما وعد، فتحت للعبد أبواب الخيرات وأغدقت عليه البركات، وعدَ الله لا يخلف وعده.. عن أبي قتادة –رضـي الله عنه- قال: أتيت على رجل من أهل البادية، فقال لي: أخذ بيدي رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- فجعل يعلمني مما علمه الله -عز وجل- وقال: “إنك لا تدع شيئاً اتقاء الله تعالى، إلا أعطاك الله -عز وجل- خيراً منه” (رواه أحمد).

هذه سنّة الله في الأرزاق، ما من عبد إلا وكتب الله له رزقه في الحلال، وما عليه إلا أن يقدّم ما في وسعه من الأسباب لينال رزقه كاملا مستوفى، لكنّ الشّيطان ينسي العبد هذه الحقيقة، ويخوّفه ويستعجله لينال رزقه في الحرام، فيأتيه الرزق أو شيء منه بالحرام، وتأتيه معه العقوبات والمنغّصات، ولو صبر لأتاه هنيئا مريئا في الحلال.

روى الأبشيهي في كتابه المستطرف في كل فن مستظرف، أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضـي الله عنه- وصل إلى باب المسجد يوما فقال لرجل واقف عند الباب: أمسك عليّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامها، ومضى وترك البغلة، فخرج علي وفي يده درهمان نوى أن يكافئ بهما الرجل؛ فوجد البغلة بغير لجام، فركبها ومضى، ودفع لغلامه الدرهمين يشتري بهما لجاما، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين، فقال علي –رضـي الله عنه-: “إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قدر له”، وفي رواية أنّه قال: “سبحان الله! استعجل الرّجل رزقه في الحرام، ولو صبر لأخذه في الحلال”.

مقالات ذات صلة