الرأي

الخوف من سياسة الناس بالتخويف

حبيب راشدين
  • 2174
  • 6

غالبا ما كان يُتهم الإعلام بالمتاجرة بخطاب التهويل والتخويف، لكن الحاصل أن السلطة والمعارضة قد تقاطعتا في الترويج لخطاب يضع الرأي العام الجزائري على صفيح ساخن، وقد اختار كل طرف التهويل والتخويف بما بين يديه من جمل مقتبسة من قواميس مستورَدة، حتى أصبح الخوف من خطاب التخويف، أخطر على مشاعر المواطن من الأسباب الموضوعية الداعية إلى الحذر، وإلى التقدير السريع لتداعياتها قبل وقوعها.

المعارضة انتقلت من خطاب تخويف الجزائريين من تعطل وظيفة الرئاسة، ومعها أداء مؤسسات الدولة بسبب ما كان ينقل عن مرض الرئيس وغيابه عن بعض الاستحقاقات البرتوكولية، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى التهويل وتعظيم التهديدات الأمنية المحيطة بالبلد، في حين تفطنت السلطة إلى الحاجة إلى ملء المسارات الدودية في خطابها المعتلّ، بتركيب مكوّنات بعبع انهيار أسعار النفط، في محاولة مرتجلة لتحضير الرأي العام لتقبّل إجراءات تقشفية مؤلمة، قال عنها الوزير الأول الأسبق بن بيتور إنها قد تطال سياستيِ الدعم والمجانية.

لا مراءَ في أن من مسؤوليات السلطة كما المعارضة أن يشتغلا في كل الأحوال على السيناريوهات الأسوإ، ومحاولة إشراك الرأي العام بقدر من الشفافية فيما قد يتهدد أمن البلد، أيا كان مصدر التهديد: أمنيا، اقتصاديا، أو اجتماعيا، وما كان لأحد وقتها أن ينتقد الدور المنوط بالمعارضة كشريك في التفكير في مستقبل البلد، أو ينتقد حرص الحكومة على سبر رأي المواطنين حيال الإجراءات الوقائية أو العلاجية الممكنة.

غير أن ما حصل بدا وكأنه استثمارٌ مبتذل في المخاوف الطبيعية الدائمة عند المواطنين، في بلدٍ تغيب فيه الشفافية من جهة حقيقة موارد البلد، كما من جهة المواطن التي تصرّف فيها، كما غابت الشفافية في الملف الأمني منذ بداية أحداث الربيع العربي، الذي تعاملت معه المعارضة كـفرصة محتملةفيما تعاملت معه السلطة بسياسة النعامة، وبتصدير خطاب تهريجي، كان ينسب للاحتياطي المالي الضخم صفةبوليصة التأمينضد ميادين التحرير.

كمواطنين محرومين من المعلومة الصادقة، كنا سنقبل بمخاوف المعارضة المعلنة من التهديدات الأمنية، لو أنها تعالت مع بداية قصف النيتو لليبيا، أو مع بداية التدخّل الفرنسي في مالي، وكنا سنشارك الحكومة مخاوفها من تهاوي أسعار النفط، لو أنها امتنعت زمن الرخاء عن شراء الأمن الاجتماعي بذلك الصرف الجنوني في مشاريع مكلفة، وبفتح باب القروض الاستهلاكية على مصراعيه، فضلا عما التهمه الفساد المالي المحصّن من المتابعة والمحاسبة، وكنا سنرضى عن الطرفين لو أنهما اغتنما تزامن الأزمة العالمية مع برنامج تفكيك الدول العربية، للدخول في شراكة سريعة وجادّة، تبحث عنتوليدتوافق وطني واسع، يجند الجبهة الداخلية، ويهيّئها للصمود أمام التهديدات التي نخوّف بها اليوم.

 

وحيث لم نلمس من الطرفين مثل هذا السلوك السياسي المتوقع عادة من النخبة، مع رفضهما المعلن بشتى الطرق الدخول في مسار جادّ يبحث في الحلول لما هو أخطر من التهديدات الأمنية، فإننا بحاجة إلى من يصرف مخاوفنا لما يتهدّد الدولة من تسفّل سلوك النخبة، وتآكل أداء مؤسساتها، وسقوط مصداقية الساسة على الضفتين

مقالات ذات صلة