الدخول المدرسي يثير شجون المتسرّبين
يعتقد بعض التلاميذ ممن هجروا مقاعد الدراسة في سن مبكرة مجبرين أو مخيرين وتوجهوا للحياة المهنية أن ما أقدموا عليه أو كما بدا لهم في تلك الفترة هو الخيار الصائب، غير أنهم وبمرور الزمن ومع كل دخول مدرسي تتجدد جراحهم ويزيد ألمهم ليعظّوا أصابهم ندما ويتمنون عودة الزمن للوراء ومواصلة تعليمهم. “الشروق” التقت بعينات من الجنسين فضلوا أن ينقلوا أوجاعهم الصامتة حتى تكون عبرة لكل تلميذ.
مازال سرطان التسرب المدرسي ينخر المنظومة التربوية منذ سنوات فبعد أن استنفدت جميع السبل بغية إيجاد حلول تحد منه، في ظل غلاء المعيشة وانعكاسات الفقر، البطالة وسن المراهقة ما شجع التلاميذ على البحث عن مصدر للرزق أو امتطاء زوارق الموت للوصول للضفة الأخرى من المتوسط، لكنهم وبعد مضي سنوات بعيدا عن مدارسهم يكتشفون الخدعة والوهم الكبير الذي عاشوا فيه وواقع لا يمنح فرصة العمل للمتعلمين وأصحاب الشهادات العالية فما بالك بمن غادروا المدارس و لا يملكون أي مستوى تعليمي؟
“بلال” شاب في العشرينات من العمر، فضل ترك مقاعد الدراسة بعد أن فشل في اجتياز امتحان شهادة التعليم الأساسي، ولأن مستواه الدراسي ضعيف جدا وهو من التلاميذ المشاغبين الذين يُحدثون الفوضى في القسم ويزعجون الأساتذة وزملائهم ولكبر سنه لم يسمح له بإعادة السنة، يقول: كنت متيقنا أنني سأطرد من المتوسطة ولم يحزنني الأمر لبرهة، فبدأت أفكر في مشاريع تجارية وأخطط للحرقة مع بعض أصدقائي وهي أحلام كل شاب يبلغ من العمر 17 سنة، غير أنني وبعد مضي 8 سنوات على الحادثة لم أحقق شيئا من أحلامي فمازلت بدون عمل أبيع في سوق الدلالة بـ”العقيبة” أي شيء و كل شيء المهم أن أجني القليل من المال، درست في عدة مراكز للتكوين المهني غير أنني لم أتمكن من الحصول على وظيفة والآن مع كل دخول مدرسي أشعر بالحسرة وأنا أشاهد أطفالا وشباناً يحملون محافظهم متَّجهين إلى المدارس، صحيح أن البطالة مرض استفحل في مجتمعنا لكن أن تكون جامعيا من دون عمل أرحم بكثير من البطالة والجهل، والحمد لله أنني لم أنحرف لأن الكثير من زملائي يتعاطون المخدرات ويسرقون وبعضهم يقبعون في السجون.
الأمر نفسه خلص إليه “ف. ز” بعد سنوات من توقفه على الدراسة ليجني حسرة وندما كبيرين، يحكي لنا عن تجربته عندما غادر المتوسطة وهو في السنة السابعة من التعليم الأساسي لأنه لم يكن منضبطا كثير التغيب والهروب مع افتعال المشاكل مع زملائه ومعلميه، وبعد أن أعاد السنة ثلاث مرات وجد نفسه خارج أسوار المدرسة فبقي لسنوات طويلة من دون عمل كابد خلالها الويلات، فلم يكن يملك حتى المال لشراء السجائر وما عمق حزنه عدم تمكنه من إجراء تربص يتناسب مع مستواه التعليمي، الآن بعد سنوات ومطلع كل شهر سبتمبر يقف بالقرب من المتوسطة ودموع الحسرة والألم تعتصره لقد ندم على كل لحظة شغب ضيعها، مستطردا يؤلمني كثيرا عندما أحاول مشاركة أصدقائي أو عائلتي أي موضوع الا أنهم يحتقرون رأيي ويستصغرونه لأنني أقل منهم مستوى.
هو فيض من غيض ومن معاناة يومية يرى أصحابها أنهم بتركهم للدراسة يتخلصون من أكبر عقبة ومشكلة في حياتهم ليكتشفوا أن بداية الآلام قد انطلقت من أول يوم ابتعدوا عنها فيه.