الجزائر
أولياء‮ ‬يخصصون‮ ‬لها‮ ‬نحو‮ ‬15‮ ‬ألف‮ ‬دينار‮ ‬شهرياً

الدروس‮ ‬الخصوصية‮.. ‬وزارة‮ ‬تعليم‮ ‬موازية‮ ‬من‮ ‬دون‮ ‬وزير

الشروق أونلاين
  • 3176
  • 1
الأرشيف

يفرض بعض المعلمين، أسعارا تتراوح ما بين الـ800 و5000 دينار في الشهر، للمادة أو المقياس الواحد، وهناك من التلاميذ من يدفع مليون سنتيم شهريا، بسبب مشاركته في دروس الدعم لأكثر من مادة، بين الفرنسية والانجليزية، والرياضيات والفيزياء، والعلوم الطبيعية وغيرها.‮ ‬

 بالرغم من أن وزارة التربية الوطنية، جمدت مؤقتا المرسوم المتعلق بمنع ممارسة الدروس الخصوصية من طرف الأساتذة والمعلمين، في كل الأطوار التعليمية، إلا أن مجرد إثارة هذه القضية التي دخلت المجتمع بقوة وصارت أمرا واقعا ارتضاه الجميع وغرق في أوحاله، يعدّ نقطة نحو‮ ‬إما‮ ‬تقنين‮ ‬الظاهرة‮ ‬أو‮ ‬إزالتها‮ ‬نهائيا،‮ ‬رغم‮ ‬أن‮ ‬ما‮ ‬زُرع‮ ‬في‮ ‬عهد‮ ‬وزير‮ ‬التربية‮ ‬السابق‮ ‬السيد‮ ‬أبو‮ ‬بكر‮ ‬بن‮ ‬بوزيد‮ ‬عندما‮ ‬صارت‮ ‬الدروس‮ ‬الخصوصية‮ ‬وزارة‮ ‬تربية‮ ‬موازية،‮ ‬لا‮ ‬تبدو‮ ‬له‮ ‬أغصان‮ ‬حان‮ ‬قطافها‮.‬

 على بعد ساعات عن عطلة نوفمبر، وهي أول الفرص للأساتذة، لكي يضعوا الطلبة على سكة الدروس الخصوصية، رغم التحذيرات التي تحاول توقيف هذا الغول الذي التهم الأموال والوقت، وقطع نهائياً شريط الثقة بين الأستاذ وتلميذه، حيث صار المعلم يرى تلميذه مبلغا ماليا وصار التلميذ يرى أستاذه مستغلا وجشعا، واشتد البحث على مشارف عطلة نوفمبر 2013 عن معلم أو أستاذ للغبن أو الابنة، وهو ما يشجع الأساتذة الذين صاروا يمارسون في مجملهم هذه المهنة الموازية، التي يقدِّمون فيها حقيقة ما يملكون من معلومات ومعارف، وليس ما يقدّمون في الأقسام.

 والأمرّ أن المستوى التعليمي في انحدار منذ أن أصبحت الدروس الخصوصية وزارة تعليم قائمة بذاتها من دون أن تنضمّ إلى الحكومة، وقليلون هم الأساتذة والتلاميذ الذين يدخلون في عطلة نوفمبرية مدفوعة الأجر من وزارتهم فقط دون الخوض في الدروس الخصوصية، إذ دبّت منذ بداية العطلة الحركة بشكل كبير في المدارس الموازية التي قدمت على مدار أسبوعي التوقف للتلاميذ دروسا خصوصية وطبعا بمقابل، عرف ارتفاعا كبيرا منذ سبتمبر 2013، وحتى حكاية 800 دج التي كانت مخصصة للتلميذ الواحد تبخرت الآن وارتفع عددُ التلاميذ في القسم الواحد لينافس الأقسام العادية، ومن النادر أن نجد الآن تلميذا واحدا لا يدعّم نفسه بالدروس الخصوصية، حتى في المدارس الابتدائية، رغم أثمانها الغالية خاصة بالنسبة للعائلات الكثيرة العدد حيث أن هناك أرباب أسر يخصصون مرتبا كاملا للدروس الخصوصية لأبنائهم يقارب 15000 دج شهريا.

 وإذا كانت الدروس الخصوصية قد بدأت بمجانيتها في زمن الصحوة الإسلامية أواخر السبعينيات داخل المساجد، فإنها تحولت الآن إلى المساكن وفي المستودعات، في الصباح وفي المساء وحتى في الليل.. هي أزمنة مختلفة تُستغل للدروس الخصوصية التي تميزت هذا العام بكونها بدأت منذ شهر رمضان المنقضي، ولأن الدروس الخصوصية هي الممنوع المسكوت عنه، فإن الأساتذة صاروا الآن يمارسونها من دون أي حرج أو خوف، وكل الذين سألناهم عن المرسوم الوزاري في عهد بابا أحمد عبد اللطيف بدوا غير مهتمين إطلاقا ومقتنعين أنه كلام للاستهلاك وقالوا إن مديري التربية وحتى الوزراء والولاة ورجال الأمن يدفعون أبناءهم لتلقي الدروس الخصوصية التي صارت مثل الإدمان أو الشر الذي لا بد منه، وهم مقتنعون أن صيحة الوزارة وعزمها على محاربة الظاهرة سيمرّ من دون أدنى تأثير، خاصة أن أبناء كل الجزائريين يلجؤون إليها، ولا يجدون أي إشكال في دفع الأموال لأجل أن يتفوق أبناؤُهم وهم الذين ساهموا في التهاب أسعارها وشيوعها حاليا في كل المواد التعليمية بما في ذلك المواد التي لم تكن تجلب الشغف مثل الاجتماعيات من تاريخ وجغرافيا وحتى أساتذة الألمانية صاروا يقدمون دروسا خصوصية وحوّلوها إلى مدارس‮ ‬موازية‮ ‬ومنظومة‮ ‬تربوية‮ ‬قائمة‮ ‬بذاتها،‮ ‬لكنها‮ ‬تختلف‮ ‬عن‮ ‬المنظومة‮ ‬التربوية‮ ‬الرسمية‮ ‬في‮ ‬كونها‮ ‬فوضوية‮ ‬وتُمارس‮ ‬بعيدا‮ ‬عن‮ ‬قوانين‮ ‬التأمين‮ ‬وأحيانا‮ ‬في‮ ‬مستودعات‮ ‬غير‮ ‬آمنة‮.‬

 أما عن الأسعار فإن بعض الأساتذة يطلبون من التلميذ الواحد إذا أراد وليّ أمره أن يخصه لوحده بدروس الدعم ما لا يقل عن 6000 دج في الشهر، أما بالنسبة لعامة الناس فهي حاجة إجبارية لدى التلاميذ، من جميع الفئات والأطوار التعليمية، وبعد أن كانت تقتصر على أقسام النهائي بالنسبة للمقبلين على امتحان شهادة التعليم المتوسط أو البكالوريا، امتدت لتشمل تلامذة الصف النهائي من التعليم الأساسي، ثم ما لبثت أن اكتسحت جميع الأقسام، من الصف الأول ابتدائي إلى النهائي في الثانوي، بسبب مراوغة بعض المعلمين والأساتذة، الذين ساهموا في أن‮ ‬تتحول‮ ‬هذه‮ ‬الظاهرة‮ ‬إلى‮ ‬برنامج‮ ‬تربوي‮ ‬مواز‮ ‬قائم‮ ‬بذاته،‮ ‬شعاره‮ “‬من‮ ‬شارك‮ ‬في‮ ‬الدروس‮ ‬الدعم‮ ‬ينجح،‮ ‬والبقية‮ ‬مصيرهم‮ ‬مجهول‮”.‬

 وللأسف فإنّ الظاهرة اكتسحت الأرياف والقرى والمداشر، التي افتتحت فيها مستودعات و”ڤاراجات” لتقديم دروس الدّعم، وسط غياب تام لكل ما له علاقة بالظروف التربوية، ومنها انعدام كلي للتدفئة، وحتى المراحيض، وغيرها من الأمور الضرورية التي يعتبرها الأساتذة تافهة، مادام همهم الوحيد، كيفية اقتطاع ميزانيات ضخمة، من أجور أولياء التلاميذ، على حساب الضمير المهني، ويفرض بعض المعلمين، أسعارا تتراوح ما بين الـ800 و5000 دينار في الشهر، للمادة أو المقياس الواحد، وهناك من التلاميذ من يدفع مليون سنتيم شهريا، بسبب مشاركته في دروس الدعم‮ ‬لأكثر‮ ‬من‮ ‬مادة،‮ ‬بين‮ ‬الفرنسية‮ ‬والانجليزية،‮ ‬والرياضيات‮ ‬والفيزياء،‮ ‬والعلوم‮ ‬الطبيعية‮ ‬وغيرها‮.‬

 وهناك أساتذة طبعا ليس جميعهم، باتوا يميزون بين تلامذتهم داخل القسم الواحد، فمن يشارك في دروس الدعم لدى الأستاذ، يحظى بالاهتمام والرعاية والنقطة الممتازة، ومن لا يستطيع والدُه توفير مصاريف الدروس الخصوصية، فذاك مغضوب عنه، وهي صورة، أقرب إلى بزنسة أطباءٍ في المستشفيات العمومية، بالمرضى، حينما يوهمونهم بأن التجهيزات الطبية في المستشفيات العمومية عاطلة، ويقومون بتحويلهم نحو عيادات خاصة، هم في الأصل موظفون فيها، من جهة ثانية، ويأخذون منهم مقابل ذلك مبالغ مالية ضخمة، ولا نظن أن هناك فرقا شاسعا بين من يبزنس بأرواح الناس وصحة العباد، ومن يبزنس بمستقبل التلاميذ من هذا الجيل الذي برغم أنه يعيش العمر كله على مقاعد الدراسة إلا أن تحصيله ناقص وربما معدوم، لأنه وإلى 15 سنة مضت، لم تكن هناك دروسٌ خصوصية، ولكن كانت هناك في المقابل نتائج حقيقية وعملية تربوية نزيهة والكل مساهمٌ‮ ‬في‮ ‬ذلك،‮ ‬فما‮ ‬الذي‮ ‬تغير‮ ‬الآن‮ ‬حتى‮ ‬تصبح‮ ‬دروس‮ ‬الدعم‮ ‬الفيصل‮ ‬في‮ ‬مسألة‮ ‬النجاح‮ ‬والانتقال‮ ‬من‮ ‬عدمها؟

 وبالرغم من وجود أساتذة ومعملين مازالوا يقدمون رسالتهم النبيلة على أكمل وجه، ولم يلجؤوا يوما إلى الدروس الخصوصية، إلا أن الواقع يقول بأن دروس الدعم هي “غولٌ” آخر صار يلتهم جيوب الفقراء من الناس، وهناك من لا يتجاوز راتبه الـ10 آلاف دينار، وعندما يتقاضاها، يجد أستاذ مادة الرياضيات لدروس الدعم لابنته يطالبه بـ1000دينار منها، ومعلم الصف الخامس لابنه يطالبه بحقه منها والمتمثل في 800 دينار، عبارة عن الدروس الخصوصية التي تلقاها ولدُه على يده، ويبقى لهذا الوالد المسكين من المنحة ما يحتسي به قهوته فقط.

 سؤال وجهناه لعدد من الأولياء عن رأيهم في المرسوم الذي تم تجميده عن منع تقديم الدروس الخصوصية وكان الإجماع على أهمية المرسوم والخوف على مستقبل الأبناء وأيضا القناعة بأن المرسوم لن يُطبق أبدا، لأن الكثير من الأستاذة سيتجاوزونه بدعم من الأولياء والتلاميذ وتحت‮ ‬قيادة‮ ‬مسؤولين‮ ‬كبار‮.

مقالات ذات صلة