الرأي

الدكتور عبد الله حمادي… ومدرسة الكريب ! (2)

محمد بوعزارة
  • 239
  • 0

إذا كانت قرية كريب التونسية في بداية استقرار عائلة حمادي بها خالية من وجود مدرسة فإن السنوات اللاحقة شهدت ميلاد مدرسة ابتدائية أصبح الطفل عبد الله من بين تلامذتها الأوائل.
انكب التلميذ عبد الله على الدروس بالعربية والفرنسية إلى أن حل عام 1960 وهوعام الحسم لاجتياز امتحان السنة السادسة الذي يؤهله للدخول للثانوية التي كان التعليم فيها مدمجا بين المتوسط والثانوي كما كان عليه الحال في الجزائر خلال الأعوام الأولى من استعادة الاستقلال حيث كانت تلك المرحلة تتضمن سبعة أعوام إلى غاية الباكالوريا.
ومع إعلان النتيجة كان التلميذ عبد الله من بين خمسة تلاميذ من الناجحين في ذلك الامتحان المصيري.
مر صيف ذلك العام والطفل الشغوف لمواصلة الدراسة الثانوية يترقب نتيجة الامتحان، فقد شغل نفسه تلك الفترة بين مساعدة أحد طباخي القرية وبين متابعته بفضول كبير لبعض المزارع وكيف يقوم المزارعون بعملية درس القمح والشعير .
يقول صاحب (مسيرة حياة ) في الصفحة 115:
( ها هي البشائر تعم أطراف القرية بإعلان نتائح امتحان السنة السادسة فيسارع الجميع إلى باب المدرسة ويعلن مديرها عن قائمة الناجحين في تلك السنة من عام 1960 ، ويصادف أن يكون اسمي من بين الناجحين ، فيا لها من سعادة ويا لها من فرحةٍ لا توصفـ، الزغاريد والصراخ والجري وسط الفيلاج ).
كانت فرحة العائلة كبيرة، فرغم حالة الفقر والعوز فإن العائلة قامت بذبح أحسن ما لديها من طيور الدجاج .
ورغم هذه الفرحة الكبيرة فإن عملية مواصلة الدراسة كانت من الأعباء الثقيلة التي تلقى بكاهلها على العائلة.
عين الجبهة …
ومع ذلك أصرت العائلة على أن يواصل ابنها الدراسة ، غير أن الخبر من مدير المدرسة جاء صاعقا للتلميذ عبد الله ولعائلته ، فقد أخبرهم المدير أن التلميذ عبد الله قد تم توجيهه للدراسة بثانوية مدينة باجة التي تبعد بثمانين كيلومترا عن مقر السكن العائلي في قرية كريب، ثم إن العائق الثاني والثالث كان يتمثل في عدم وجود منحة للتلميذ وعدم تمتعه بالنظام الداخلي الذي يكفل له المبيت بالثانوية الأمر الذي يجعل من الدراسة مستحيلة نظرا لبعد المسافة، ناهيكم عن عدم قدرة العائلة على توفير اللباس والأدوات المدرسية لابنها المتعطش لمواصلة الدراسة .
( كانت الصدمة كبيرة والخطب جلل ، فنجاحي سيذهب أدراج الرياح ، ضاقت الأرض بما رحبت وانكفأنا قي بيتنا نتدبر الأمر وننتظر افرج )..
انتشر ذلك الخبر في القرية ووصل إلى قيادة جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني بغار الدماء التي لم تكن بعيدة عن سكن عائلة حمادي .
كانت جبهة التحرير الوطني تتابع أخبار الجالية الجزائرية بحرص كبير ( تتوسط لحل قضاياهم لدى السلطات التونسية وتقدم حتى المساعدات المادية للمحتاجين من الجزائريين).
وكانت عين الجبهة مفتوحة على كل صغيرة وكبيرة تعترض سبيل المهاجرين الجزائريين وتتبع أخبارهم وحركاتهم وسكناتهم.
ويذكر الدكتور عبد الله بأنه عايش هذه الحقيقة وأنه يقر بها اليوم كحقيقة لا تقبل الجدل ، وأن التكاتف الشعبي بين أبناء الجزائر أيام الثورة كان من بين العناصر الأساسية في نجاح هذه الثورة العظيمة.
ولهذا الغرض فإن قيادة جبهة التحرير الوطني نصبت ولاةً جزائريين في كل ولاية تونسية يوجد بها وال تونسي للتكفل بقضايا المهاجرين الجزائريين.
وهكذا فإن عيون قادة جبهة وجيش التحرير الوطني التي كانت لا تنام تلقت قضية التلميذ عبد الله حمادي على محمل الجد واعتبرتها من أولويات الثورة مثله مثل آلاف الأطفال الجزائريين الآخرين الذين تكفلت بهم الجبهة في تونس مثلما أرسلت العديد من الطلبة للخارج للتحضير لليوم الموعود يوم استعادة الحرية والاستقلال.
وهكذا فإن حيرة العائلة قد زالت بشأن دراسة ابنها الحزين ، فقد تحول الحزن إلى فرح بعد أن أبلغت قيادة الجبهة العائلة بأنها قررت التكفل بالتلميذ عبد الله، إذ قررت تزويده بمنحة مالية معتبرة ومنحه سكنا غير بعيد من ثانوية باجة .
وأقبل الطالب عبد الله الذي كان أخوه قد التحق بالجبهة مجاهدا في صفوف جيش التحرير الوطني على الدراسة بمعنويات مرتفعة يحدوه الأمل لنيل أعلى الشهادات قصد العودة إلى أرض الوطن بعد تحريره.
ولم تمض سوى فترة تقل عن العامين حتى لاحت بشائر الحرية، فمع صيف 1962 قررت العائلة مثلها مثل آلاف الجزائريين العودة إلى أرض الوطن بعد غربة طالت تمتد من عشرينات القرن الماضي إلى 1962.
بشائر العودة إلى الوطن …
في صيف ذلك العام شهدت المناطق التونسية إحصاءا دقيقا لمختلف المهاجرين الجزائريين بتونس من قبل جبهة التحرير الوطني مثل باقي البلدان التي هاجر إليها الجزائريون قصد تهيئتهم للعودة إلى أرض الوطن وتم لهذا الغرض إعداد الحافلات التي تنقل هؤلاء المهاجرين لمختلف مناطق الوطن حسب رغبة كل عائلة في العودة للجهة أوالمدينة التي تعود أصول العائلة لها .
وكان اختيار عائلة حمادي أن تعود إلى قسنطينة حيث مرابع الآباء والأجداد .
ويذكر الدكتور عبد الله أن الفرحة التي كانت تغمر قلوب عائلات اللاجئين الجزائريين المتوجهة إلى قسنطينة سرعان ما اعتراها الحزن وخيم عليها اليأس بعد أن وجدت نفسها بعد نزولها بأرض مرابع الأجداد تراب قسنطينة في مركز لإيواء اللاجئين.
كان ذلك المركز التعيس عبارة عن حي بائس تسوده الفوضى أقيم لعائلات عائدة من تونس تتجاوز خمسة آلاف فرد .
وكان يشرف على ذلك الحي البائس الذي هوأشبه ما يكون عن محشر على حد تعبير الدكتور حمادي (جزائريون) من أعوان الإدارة الموروثة عن العهد الاستعماري.
كان اللاجئون يقفون ثلاث مرات في اليوم في طوابير طويلة لاستلام فطور الصباح والأكل، وظل حالهم هكذا سنوات قبل أن ترحل عائلة حمادي لتستقر في حي آخر أقل تعاسة وبؤسا .
ومع كل البؤس الذي كانت العائلات الجزائرية تعيشه في ذلك الحي فإن فرحة الحرية كانت تنسي تلك العائلات من المهاجرين الجزائريين همومهم رغم وصفهم من طرف الأعوان الذين كانوا يشرفون على الحي باللاجئين ومن بينهم عائلة حمادي التي راح الوالد بومنجل يقوم بتحفيظ الناشئة فيها للقرآن بعد أن منحه أحد المواطنين من حي آخر محلا متواضعا لتحفيظ القرآن الكريم .

العودة للدراسة الثانوية في أرض الجزائر …

وجد الطالب عبد الله نفسه في ثانوية حيحي المكي التي كانت تحمل في ذلك الوقت اسم الثانوية الفرنسية المسلمة (ليسي فارنكوميزيلمان ) ، حيث كان من بين زملائه في القسم المدرب الوطني الأسبق لكرة القدم رابح سعدان والمناضل الأفلاني والوزير الأسبق بوجمعة هيشور .
في تلك الثانوية وقع اختياره على اللغة الإسبانية كلغة إضافية حيث كانت تدرسه إحدى السيدات بطريقة جدية وبإتقان جعلته يعشق اللغة الإسبانية بعد أن أيقن أنها أكثر ثراء من الفرنسية سواء من حيث الشكل أوالبنية.
كانت دراسة تلك اللغة بالنسبة له عملية وجد فيها كل المتعة ، ولعل هذا الإعجاب باللغة الإسبانية هوالذي جعله لاحقا يختار إسبانيا لمواصلة دراسته العليا للحصول على الماجيستير والدكتوراه إذ كان بذلك أول طالب جزائري ينال شهادة عليا في هذا البلد حيث كانت الغالبية من الطلبة الجزائريين تتوجه إلى فرنسا أوإلى بلدان أخرى بأقل درجة من فرنسا من حيث الدراسات العليا.

عبد الله المعلم …
انهى طالب ثانوية حيحي المكي عبد الله دراسته الثانوية عام 1967 في تلك الثانوية .
كانت المدرسة الجزائرية في تلك الأعوام لا تتوفر على المعلمين رغم الفراغ الذي حاول عدد من المعلمين والأساتذة من المشرق العربي سده في تلك الفترة المبكرة من عمر الاستقلال .
وهكذا اتجه الشاب عبد الله للتعليم الابتدائي ليصبح معلما وليخفف عن والده أعباء الحياة القاسية .
كانت المدرسة التي عين فيها بعين سمارة بعيدة عن السكن العائلي ولذلك فإن رئيس البلدية منحه سكنا كان عبارة عن قصر رائع .
لكن المعلم الشاب عبد الله فضل أن يشتري درَّاجة ليعود بها كل مساء إلى البيت ويترك ذلك السكن الضخم الذي ما يزال قائما شامخا إلى غاية اليوم حيث استخدم كمرفق عمومي .
وبعد فترة تم نقل المعلم عبد الله إلى إحدى المدارس بوسط قسنطينة وهوما جعله يقرر دخول الجامعة التي كانت 1969 عبارة عن ورشة فتحت بعض الأقسام فيها خاصة في الأدب .
قال له والده رحمه الله وقد رآه يميل إلى دراسة القانون عقب ما كان يعرف بالجذع المشترك بأن اختياره لدراسة هذا التخصص محفوف بالمخاطر من خلال (الإخفاق في العدل بين الناس ).
وهكذا اختار الطالب عبد الله دراسة الأدب العربي، إذ وجد في عدد من الأساتذة المميزين وخاصة القادمين من المشرق العربي دافعا لحب الأدب ، فراح الطالب الجامعي يحفظ آلاف القصائد ، بل إن الطالب عبد الله حمادي راح يَنظم الشعر كأي شاعر مبتدئ في تلك المرحلة التي كانت فيها الجزائر ومختلف المدن الكبرى عموما والجامعة خصوصا تشهد ندوات لكبار الكتاب والشعراء والمفكرين من مختلف الدول وخاصة الدول العربية .
وفي عام 1972 حدث تحول كبير في حياة الشاب عبد الله الذي أصبح معيدا في معهد الآداب والثقافة العربية بجامعة قسنطينة ، ولم تطل المدة حتى أسندت له بعد أن أظهر كفاءته العالية في التدريس رئاسة القسم المذكور .
وفي تلك الأعوام التي شهدت انتعاشة كبيرة لما عرف بالأدباء الشباب من أمثال أحمد حمدي وعبد العالي رزاقي رحمه الله وحمري بحري ومحمد زتيلي وجروة علاوة وهبي وغيرهم بدأ اسم عبد الله حمادي يبرز في الساحة الأدبية كشاعر يشق طريقه ضمن تلك الموجة الشبانية من ذلك الجيل، ثم راح يكتب بعض المقالات في العديد من الصحف مثل الشعب والنصر والمجلات والملاحق خاصة ملحق الشعب الثقافي .
يتبع…

مقالات ذات صلة