الدورات الإلكترونية تكسر عزلة المرأة وتفتح لها أبواب العمل والنجاح
انتهى الوقت الذي تحُول فيه الجغرافيا، والظروف الاجتماعية، ولا حتى أعباء الحياة الأسرية بين المرأة وبين التعلم والتطور المهني. فالانتشار الواسع للدورات التعليمية عبر الإنترنت خلال السنوات الأخيرة مكن آلاف النساء، خاصة المتزوجات والمقيمات في المناطق النائية والمعزولة، من اكتساب المعرفة والمهارات دون الحاجة إلى مغادرة منازلهن، بحيث أصبح الهاتف الذكي أو الحاسوب نافذة مفتوحة على العالم، تتيح للمرأة حضور الدروس والمحاضرات والتدريبات من أي مكان وفي أي وقت، وفق ظروفها الخاصة والتزاماتها الأسرية.
عندما تتحدى التكنلوجيا قيود الجغرافيا والمجتمع
تعاني كثير من النساء في المناطق الريفية والمعزولة من محدودية فرص التعليم والتكوين المستمر، سواء بسبب بعد مراكز التدريب، أم صعوبة التنقل، أم المسؤوليات العائلية التي تجعل فرص الخروج صعبة جدا أو مستحيلة، غير أن منصات التعليم الإلكتروني قلبت هذه المعادلة رأسا على عقب، إذ أصبح بإمكان المرأة أن تقوم بمتابعة دورة في اللغة الإنجليزية صباحا، وتعلم التسويق الرقمي مساء، ثم حضور ورشة تدريبية في التصميم أو الحرف اليدوية خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكل ذلك من منزلها. وهو ما طبقته بالفعل السيدة سناء، أم لطفلين: “بعد تخرجي تزوجت في منطقة نائية، حيث لا يمكنني العمل أبدا، وبعد الإنجاب انعدمت فرص خروجي، فاستغللت الوقت، وواصلت تعلم اللغات، وحضرت دورة مدفوعة في التصميم والطباعة، تمكنت بعدها من الحصول على العتاد اللازم لبدء مشروعي، من البيت، وعندما ذهب أبنائي إلى المدرسة كان بإمكاني حضور المعارض والتسويق لمنتجاتي حتى وصلت إلى مرحلة تصديرها إلى عدة بلدان”.
بهذا الخصوص، يرى الخبير الاجتماعي الأستاذ لزهر زين الدين أن: “التعليم عن بعد ساهم في تقليص ما يسمى بـ”العزلة المعرفية”، وهي حالة يعيشها الأفراد عندما تنعدم لديهم فرص الوصول إلى مصادر التعلم والتطوير الذاتي، ما يؤثر على ثقتهم بأنفسهم وفرصهم المهنية”.
الحرف واللغات… فرص للتكوين المريح والمربح
سمحت الدورات الإلكترونية بتلقين مئات المجالات المهنية والحرفية، فقد تعلمت نساء كثيرات الخياطة العصرية، وصناعة الحلويات، والتطريز، وتصميم الأزياء، وصناعة المحتوى، والتصوير، والتسويق الإلكتروني، وإدارة المشاريع الصغيرة، وحتى البرمجة والتصميم الغرافيكي… وأصبحت مقاطع الفيديو التعليمية والدورات المتخصصة بمثابة مدارس افتراضية تمنح المعرفة التطبيقية التي كانت تتطلب في السابق الالتحاق بمراكز تدريب أو معاهد متخصصة، وتمكنت سيدات كثيرات من إتقان اللغات، الأمر الذي فتح أمامهن آفاقا جديدة للعمل. فإجادة اللغات لم تعد مجرد مهارة ثقافية، بل أصبحت وسيلة للحصول على وظائف في الترجمة والتعليم عن بعد وخدمة العملاء والعمل الحر عبر الإنترنت، فضلا عن تعزيز فرص التواصل والانفتاح على ثقافات وتجارب جديدة.
من ربات بيوت إلى رائدات أعمال.. رحلة الارتقاء بالذات عبر الإنترنت
بفضل التعليم الإلكتروني، انتقلت العديد من النساء من مرحلة التعلم إلى مرحلة الإنتاج والاستقلال المالي. فبعد اكتساب المهارات اللازمة، أطلقت كثيرات مشاريعهن الخاصة من المنزل، مثل بيع الحلويات المنزلية، وتصميم الملابس، وصناعة الإكسسوارات، والتسويق للمنتجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتقديم خدمات التصميم والترجمة والكتابة عن بعد. وقد ساهمت المنصات الرقمية في تسهيل الوصول إلى الزبائن والترويج للخدمات والمنتجات، ما جعل إنشاء مشروع صغير أقل تكلفة وأكثر مرونة. فرص لم تكن متاحة سابقا، مكنت نساء كثيرات من الالتحاق بوظائف في مجالات خدمة العملاء، وإدخال البيانات، والتعليم الإلكتروني، وإدارة الصفحات الرقمية، والتسويق الإلكتروني، والترجمة، وصناعة المحتوى، والتصميم، وهذا أثر حتى على دور المرأة في المجتمع، ورفع من قيمتها أمام نفسها أولا. تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية مريم بركان: “التعلم المستمر منح المرأة شعورا بالإنجاز والثقة بالنفس، وعزز استقلاليتها وقدرتها على اتخاذ القرارات، كما وسع دائرة معارفها واهتماماتها، وكسر الإحساس بالعزلة الذي قد تعاني منه بعض النساء اللواتي يقضين معظم وقتهن داخل المنزل، بحيث سمح لهن بإعادة رسم مسار حياتهن، من ربات بيوت معزولات إلى صاحبات مشاريع وموظفات وخبيرات في مجالات متنوعة”.