الدور الخدماتي للسلطة الفلسطينية لن يستمر
فجّر نمر حماد، المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس، عدة مواقف في عدة اتجاهات سياسية مع إسرائيل وواشنطن وفي العلاقات الداخلية خصوصا مع حركة حماس، وتحدّث بصراحة مطلقة في حوار هام مع “الشروق اليومي” عن عدة قضايا.
قال حماد إن السياسة الفلسطينية ستتغير مع الاحتلال وأول خطوة ستكون في خطاب الرئيس عباس أمام العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة آخر الشهر الحالي، من خلال طرح الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وعدم تنفيذها وعدم احترام الالتزامات الموقعة مع المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية رغم وجود عملية تسوية برعاية دولية وتشكيل لجنة رباعية، وأمام ذلك سيكون الخيار الفلسطيني إما التزام الجانبين بعملية السلام وليس التزام جانب واحد، فيما ينتهك الطرف الآخر كل هذه الاتفاقيات، لذلك لا بد أن يُدوّل الصراع وعلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته فيما سيترتب على ذلك من إجراءات وتطورات.
وأضاف حماد: القضية الفلسطينية صعبة معقدة، وإسرائيل دولة تتصرف على عكس كل دول العالم وكأنها فوق القانون الدولي، ولا أحد يضغط على إسرائيل إلا دولة واحدة “ربما”، في إشارة إلى الولايات المتحدة.
واستحضرت “الشروق” تصريحا سابقا لعباس حول نيته تسليم مفاتيح السلطة لنتنياهو بمعنى حل السلطة، ووجهت سؤالاً لحماد: هل سيكون ذلك هو الإجراء الفلسطيني القادم؟ ليوضح الضيف الفلسطيني أن الرئيس يقصد بذلك أن استمرار الوضع الراهن والفلسطينيون سلطة بلا سلطة والاحتلال عمليا مستمر فيما الدول المانحة تقدم مساعدات للشعب الفلسطيني من أجل أن ينتقل من وضع الاحتلال إلى الاستقلال، واستمرار هذا الوضع يعني أن السلطة دورها خدماتي فقط، هذا الدور لن يستمر.
وشدّد حماد على أن السلطة الوطنية إنجازٌ وطني تحقق بعد كفاح طويل، وفي وقت سابق كان العالم يرفض الاعتراف بالشعب الفلسطيني ولم يكن لديه هوية وجواز سفر، والعَلم الفلسطيني ممنوع رفعه، لذلك لا نستطيع أن نقول إن قيام السلطة مصلحة إسرائيلية، ومن هنا نهدد بحل السلطة، الأمر مختلفٌ تماماً عن ذلك، لأن إسرائيل تحاول أن يبقى الوضع على ما هو عليه، وهذا مرفوضٌ فلسطينياً ويجب أن يتغير.
وأكد حماد أن إسرائيل تتعرض لعزلة في العالم الذي يجمع على ضرورة تغيير سلوك إسرائيل، ولم يبق لها إلا دفاع الولايات المتحدة عنها، وأحيانا يكون مركزا في الكونغرس الأمريكي، لأن إسرائيل وجهت للإدارة الأمريكية إهانات لا حدود لها بدءا من أوباما والحديث عن لونه، ووصف كيري بأنه ساذج، وحتى نائب الرئيس الأمريكي بايدن لم يسلم من الإهانة، والعالم يراقب ولم يعد يحتمل هذا السلوك العنجهي الإسرائيلي.
وكشف أن الحلول المطروحة حاليا هي المبادرة الفرنسية ذات النقاط العشر، وتشمل مجموعة اتصال دولي، ومفاوضات على أساس برنامج زمني غير مفتوح، ونقاط محددة بشأن الدولة الفلسطينية على حدود عام 67، عاصمتها القدس الشرقية، ضمن نقاط واضحة يرى الفرنسيون أنها تفسير لقرار 242 الذي ينص على عدم جواز احتلال أراضي الغير، والعودة لأسس عملية السلام وهي مبادرة أيّدها العالم، ما عدا إسرائيل التي رفضتها من اللحظة الأولى، والولايات المتحدة المترددة وتطالب بمرور الاتفاق النووي الإيراني أولا، قبل اتخاذ موقف من المبادرة الفرنسية، ونحن ننتظر موقفا أمريكيا من المبادرة الفرنسية خلال لقاء الرئيس عباس مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في 26 من الشهر الجاري قبل خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وحول طلب متوقع من الإدارة الأمريكية يقضي بتأجيل إعلان موقفها لما بعد الانتخابات الأمريكية القريبة، كما حدث سابقا، قال مستشار عباس السياسي، إذا استمرت إسرائيل في سلوكها ولم تحترم الاتفاقيات الثنائية والدولية، سنتجه لتدويل الصراع وتجميد ما يتعلق بنا من بنود خاصة سواء ضمن اتفاق أوسلو أو القاهرة _ طابا بعد ذلك، معرّفا مصطلح “تدويل الصراع” بالقول هو “أن لا تبقى العملية السياسية على أساس مفاوضات ثنائية برعاية أمريكية فقط”.
وقال إن المواقف العربية ايجابية ومؤيدة، رغم التفهم الفلسطيني لهموم كل بلد عربي ومشاكله، مبيّنا “نحن تعلّمنا ألا نحمّل العرب أكثر من طاقتهم” بدءا من الجزائر التي استمرت التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية، وبصراحة زادت في المرحلة الأخيرة، وكذلك باقي الدول الأخرى.
وأكد أن القيادة الفلسطينية تتواصل بشكل دائم مع القيادة الجزائرية وتتبادل وجهات النظر على أعلى مستوى خاصة بين الرئيسين بوتفليقة وأبو مازن، ومع مختلف الوزراء، لأن الجزائر لم تبخل على الشعب الفلسطيني بالدعم السياسي والاقتصادي والنصيحة، ونحن حريصون على التنسيق مع الجزائر والاستفادة من خبرتها النضالية وتجربتها الكفاحية، مشددا على أنه لا يوجد فلسطيني بمقدوره أن ينسى أن الجزائر هي التي أسست الكادر العسكري الفلسطيني والحصول على اعتراف هام جدا بمنظمة التحرير عبر الجزائر.
وأكد أن المواقف العربية مؤيدة ومتضامنة مع القضية الفلسطينية، مستدركا بالقول إن الوضع الحالي يحتاج أكثر من ذلك من خلال أن يتحدث العرب كمجموعة موحّدة مع الدول المؤثرة في العالم، لذلك اقترحت وقبلت القيادة الفلسطينية توسيع صيغة اللجنة الدولية لتشمل دولاً عربية بينها مصر والأردن والسعودية، وربما بلدا عربيا من المغرب العربي وهو لا يزال مجرد اقتراح.
وفي ملف العلاقة مع حركة حماس والانقسام الداخلي، أكد حماد أن الانقسام يُضعِف الموقف الفلسطيني وتستفيد منه إسرائيل التي تقول لكل وفود العالم التي تتحرك من أجل السلام والتسوية إنها “لا تعرف مع من نتحدث: مع غزة؟ ولا رام الله؟”.
وقال حماد إن خطاب المقاومة الشعبوي خدع العرب من خلال أمال وأحلام هدنة 15 عاماً مع إسرائيل مع الحفاظ على المقاومة، وكأن إسرائيل هلالٌ أحمر، أو كأن المقاومة هي الطرف القوي الذي يفرض شروط الهدنة، وهذا خطابٌ خدع كثيراً من العرب عبر إثارة مفهوم ومفردات السلاح، رغم أن الوضع الفلسطيني أصعب من ذلك بكثير، موضحا أن إسرائيل تسعى إلى جر الوضع الفلسطيني إلى دائرة العنف ولو مات عشرات الفلسطينيين حاليا أمام مآسي سوريا والعراق لن يكون موتهم حتى مجرد خبر، وسيؤدي إلى ما يحدث الآن في غزة ورغبة أغلب شبانها بالهجرة حتى لو تعرضوا للموت في البحر، ونحن نحاول منع ذلك في الضفة الغربية.
وبين حماد أن العدو الإسرائيلي “متمرد” وأهم عوامل مقاومة الاحتلال يتمثل في بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه في ظل الظروف الراهنة لأن “بقاء وتثبيت السكان على الأرض يحافظ على الأرض، وبمغادرة السكان تتغير الأرض”.
وحول إمكانية ضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لتصبح منظمة التحرير إطارا موحدا وشاملا لكل الفلسطينيين، قال إن أبو مازن أبلغ مشعل أن الإطار القيادي المؤقت ليس بديلا عن منظمة التحرير وقيادتها، والحديث عن إعادة صياغة المنظمة وتراثها السياسي وتاريخها، مجرد كلام.
وقال إن المصالحة تحتاج خطوتين: الأولى تشكيل حكومة وحدة وطنية فورا لخلق أجواء ايجابية، والخطوة الثانية إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حتى ننتهي من موضوع الأغلبية، وإذا الشعب اختار برنامج حماس عليها تحمّل المسؤولية في الرئاسة والبرلمان، وفي حال رفضت إسرائيل إجراء الانتخابات، أؤكد أن العالم سيقف مع مطلب الديمقراطية وحق الانتخاب، وستجد إسرائيل نفسها في وضع صعب، لكن السؤال المطروح: هل حماس موافقة على إجراء انتخابات؟ ولذلك لن نعود للحوار من جديد بعدما شبع الشعب الفلسطيني حوارات، ولن نفتح ملفات تحاورنا واتفقنا فيها سابقا.
وأوضاف حماد: بصراحة ما لم تقبل حركة حماس أن تكون كتائب القسام خاضعة لسلطة أمنية واحدة، لن تنجح الأمور في ظل وجود سلطتين ومليشيات مسلحة، المطلوب قرار سياسي واحد وأمن موحّد، حينها نستطيع صياغة إستراتيجية جماعية موحّدة لإدارة الصراع مع الاحتلال، حتى لا يبقى قرار الحرب بيد مجموعات مسلحة كما يحدث الآن مع الجماعات السلفية، لذلك المطلوب سلاح شرعي واحد.
وقال إن حركة فتح كانت تنظيما مسلحا، وبعد خبرة طويلة ونضال وشهداء، تأكد لنا أنه من دون اعتراف العالم لن يكون لنا شعبٌ والحق في دولة، مضيفا أن الذود عن عكا ويافا يحتاج لوجود قنابل نووية وذرية وليس عمل سياسي، لذلك يجب أن نتحدث مع شعبنا بلغة تنقذه وتحقق له الممكن من العدالة.
وفي حال لم تقبل حركة حماس الانتخابات بهذه الصيغة، ما هي خيارات السلطة الفلسطينية وحركة فتح؟ أجاب حماد أن الشعب الفلسطيني سيحسم الأمر، وفي ظل استمرار حماس في عمليات القمع بدون أفق سياسي لن يسمح لهم الشعب بالاستمرار.
وقال حماد إن الكل الفلسطيني ضحية للاحتلال ويجب أن لا نعود إلى الاقتتال الداخلي مرة أخرى، ونحن نرسل ذلك لحماس عبر أصدقاء من أجل وحدة حقيقة، بعيدا عن نشاط دول إقليمية معروفة بعلاقتها مع أمريكا وفجأة نجدهم يحملون راية المقاومة والنضال وبالتحديد تركيا وقطر، مؤكدا أن السلطة لا تمنع أي دولة من المساهمة في الإعمار، وما يزعج السلطة هو الحراك السياسي، في إشارة للجهود التركية – القطرية للوصول لتفاهمات بين حماس وإسرائيل.
وعن العلاقة مع إيران، قال حماد إن زيارتنا لطهران جيدة وبحثنا فيها كل الأمور، ولكن إيران تنتظر مدى التزام الولايات المتحدة بما اتفقت عليه، خاصة وأن لدى إيران أزمة اقتصادية وتريد بناء الدولة وتحسين مستوى المعيشة لشعبها، ونحن ذهبنا لإيران لنقول لهم موقفنا وسياستنا، وقلنا لهم إن شعار تدمير إسرائيل وإزالتها من الوجود يخدم نتنياهو وإسرائيل، والحل القابل للتحقيق هو إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية وحق العودة وعكس ذلك لا يخدم الفلسطينيين وهو عبارة عن مزاودات، لذلك نحن نمتلك لغة واحدة مع الجميع.
وعن توتر العلاقة بين حماس ومصر، قال: لا نستطيع التدخل، لأن الموضوع في يد الأمن والقضاء المصري، ومصر لديها قائمة كبيرة من المعلومات، والأمر يتجاوز الإعلام والإعلاميين.
وأضاف إن المصريين لن ينسوا أن فضائية “الأقصى” كانت مسخّرة لتغطية أحداث رابعة وما بعدها، لصالح رواية واحدة، ولذلك نتمنى أن تتحرر حركة حماس من كونها جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين وأن تتصرف كتنظيم فلسطيني بعيدا عن مبايعة المُرشد، متسائلا: ما هي مصلحة الشعب الفلسطيني وغزة من هذا الخطاب؟
وحول مقترح عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، أكد مستشار الرئيس الفلسطيني أن المؤتمر لن يعقد إلا في فلسطين وهذا حلم تاريخي وسنعمل على حضور الجميع للجلسة حتى لو مانعت إسرائيل، حينها ستتحرك القيادة لتجنيد العالم لعدم منع أي عضو من الحضور، ولنا سابقة في ذلك، وبصراحة لن يكون النائب الحمساوي أحمد بحر أكثر خطورة من أبو العباس بالنظر للتاريخ العسكري لهما، لكن يجب اتخاذ القرار أولا وبعد ذلك تطرح الأسئلة.