اقتصاد
"الشروق" تستنطق خبراء حول سلبيات العودة إلى الإجراء وإيجابياته

“الدوفيز” و”الخردة”.. يُلغمان استيراد السيارات المستعملة

الشروق أونلاين
  • 39301
  • 0
ح م

احتار المواطن الحالم باقتناء سيارة مستعملة بمواصفات أوربية، مثلما كانت الحال قبل 2005، في أمره بسبب التصريحات والتصريحات المضادة بين وزراء معنيين بالملف في حكومة الوزير الأول، عبد المالك سلال، وعلق آماله على تدخل حاسم من قبل القاضي الأول ينهي هذا الجدل الذي أربك الرأي العام. وبينما يعتبر بعض الخبراء أن العودة لاستيراد السيارات القديمة، من شأنه أن يضر الاقتصاد الوطني من خلال الإضرار بصناعة السيارات في الجزائر، التي لا تزال وليدة، يذهب آخرون غير ذلك، ويعتبرون قرارا من هذا القبيل، يخدم فئة واسعة من الجزائريين، لأن ورقة الاحتكار ستسقط من أيدي الوكلاء ومن ثم تراجع الأسعار. فأي القراءتين أقرب إلى المصداقية؟ وهل تأكيد وزير الصناعة خلو مشروع قانون المالية من أي إشارة إلى رفع الحظر عن استيراد السيارات المستعملة، يعني أن المشروع سقط في الماء؟ أم إن هناك منافذ تشريعية أخرى لتمرير المشروع على غرار ما حدث مع استيراد السيارات الجديدة؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها الملف السياسي لهذا العدد.

 

حرب التصريحات والتصريحات المضادة 

من نصدق… بختي أم بوشوارب ؟

رغم كثرة تصريحات المسؤولين الذين خاضوا في مسألة استيراد السيارات المستعملة، إلا أن هذه القضية لا تزال محل تضارب كبير، بسبب استمرار وزارة التجارة في تأكيد ما جاء على لسان مسؤولها الأول، مقابل تشكيك من قبل جهات أخرى لها وصاية مباشرة على هذا الملف، على غرار وزارة الصناعة والمناجم.

آخر ما جدّ على هذا الصعيد، كان تأكيد وزير الصناعة والمناجم، عبد السلام بو شوارب، أن استيراد السيارات المستعملة غير مدرج بالمرة في قانون المالية 2017: “لقد صادقنا على القانون (قانون المالية) وفصلنا فيه، وربما الصحافيون لم يفهموا صديقي (وزير التجارة بختي بلعايب)”، غير أنه لم ينف بالمقابل توجه الحكومة نحو قرار من هذا القبيل بعد نحو سنتين.

لكن ومباشرة بعد تصريح بو شوارب من قصر المؤتمرات بنادي الصنوبر، أكد مصدر مسؤول بوزارة التجارة لـ “الشروق”، أن استيراد السيارات المستعملة هو قرار تم اتخاذه على مستوى الحكومة وبعد عقد عدة جلسات بين القطاعات الوزارية المكلفة بالملف، وليس قرار وزارة التجارة مثلما تم تداوله.

ويعني تأكيد وزارة التجارة مشاركة مختلف القطاعات الوزارية المعنية في صياغة القرار المذكور، أن وزارة الصناعة التي يتقلد بو شوارب حقيبتها، كانت حاضرة بغض النظر إن كانت موافقة أو غير موافقة..

لكن السؤال الذي لا زال يبحث عن إجابة بعد كل هذا الجدل، هو لماذا تصر وزارة التجارة على الاستمرار في التأكيد، رغم أن المقترح غير مدرج في قانون المالية الذي سيناقشه البرلمان بداية من الشهر المقبل، كما قال الوزير بو شوارب؟

لا شك أن مسألة استيراد السيارات المستعملة تتجاذبها أطراف جد نافذة ولا زالت محل شك، على الأقل إلى حد الساعة، طالما أنها غير مدرجة في قانون المالية المقبل كما ليس هناك من الملموس ما يشير إلى ذلك، غير أن هذا المعطى لا يعني بالضرورة أن القضية مؤجلة إلى ما بعد 2017، بعدما يتم تنظيم القطاع كما قال وزير الصناعة.

فمشروع قانون المالية وإن تمت المصادقة عليه في مجلس الحكومة، فهو يبقى مجرد مشروع تمهيدي يمكن أن يضاف إليه أو يحذف منه، في المحطة الحاسمة الموالية، وهي مجلس الوزراء الذي سيعقد قريبا ويترأسه، كما هو معلوم، الرئيس بوتفليقة.

ومادامت هذه القضية توجد محل خلاف في الحكومة حتى بين مسؤولي القطاعات المعنية باستيراد السيارات، بحسب ما يتم تداوله هذه الأيام، فالقاضي الأول سيكون هو صاحب الكلمة الفصل في مجلس الوزراء القادم، إن بتثبيت القرار أو حذفه إن كان موجودا في مشروع قانون المالية المقبل، أم بإضافته إن لم يكن موجودا.

ومعلوم أن الرئيس بوتفليقة سبق له أن تدخل في حالات مشابهة على مستوى مجلس الوزراء وأضاف مواد لم تكن موجودة في مشاريع قانونية، والإشارة هنا إلى ما حصل في أحد اجتماعات مجلس الوزراء الذي صادق على مشاريع الحزمة الأولى من قوانين الإصلاحات السياسية في العام 2012. كما يوحي إصرار وزير التجارة على مشروعه، بوجود منفذ تشريعي يمكن اللجوء إليه، في حال عدم احتواء قانون المالية على قرار يسمح باستيراد السيارات المستعملة، على غرار دفتر الشروط الذي تم بواسطته تنظيم سوق السيارات الجديدة المستوردة من قبل الوكلاء، غير أن هذا الأمر يتطلب قرارا حاسما من قبل القاضي الأول، بدعم توجه من هذا القبيل.

 

المستشار السابق بالرئاسة عبد الرحمان مبتول

استيراد السيارات المستعملة قد يحسم خارج قانون المالية

يؤكد الخبير الاقتصادي، عبد الرحمان مبتول، أن قرار العودة إلى استيراد السيارات المستعملة، لا يتم تشريعه بالضرورة عبر مادة في قانون المالية، بل يمكن أن ينظم وفق دفتر شروط، كما حصل مع تنظيم سوق السيارات الجديدة المستوردة من قبل الوكلاء، كما يرى أن الجدل الذي أثير حول هذه القضية بين وزراء في الحكومة، تسييس لقضية كان يجب أن تبقى في إطارها الاقتصادي بعيدا عن التأويلات والحسابات.

 

ما تعليقكم على التضارب الذي يلف ملف استيراد السيارات المستعملة؟

حقيقة، عندما استمعت إلى تصريحات وزير التجارة التي أدلى بها مؤخرا، وأكد أنه سيتم إحياء القرار من بوابة قانون مالية 2017، وبعده عبد السلام بوشوارب، لاحظت أن هناك تناقضا وغموضا يلفان الإجراء، فرغم أن تصريحات بوشوارب جاءت لتؤكد ما قاله زميله في الحكومة، بشأن العودة إلى الإجراء الذي توقف قبل 11 سنة، إلا أنها مناقضة خاصة أنه أكد أن القرار لن يتم تضمينه في الموازنة القادمة أي في قانون مالية 2017 ، بل عبر دفتر شروط، ولذا فإن الغموض لا يزال يشوب هذا القرار وهو ما أطال عمر القرار.

 

في نظركم، ما الذي سيقدمه القرار للمواطن الذي استبشر خيرا بذلك، وهل من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى التخوفات التي أبدتها بعض الأطراف؟

حاليا، يجب انتظار قرار واضح من الحكومة حول عودة استيراد السيارات القديمة من عدمه، لأن الأمر لا يزال حبيس تصريحات وزيرين فقط، كما يجب توضيح إن كان سيتم عبر مادة في قانون المالية لسنة 2017، وتحديد الضرائب التي تترتب على عملية الاستيراد، على الجهة المسؤولة الموردة للمركبات، أم من خلال دفتر شروط يحدد من سيقوم بعملية الاستيراد، حتى  لا تخسر الدولة من الإجراء، وإن كان عبر دفتر شروط أي المتعاملين كما صرح به بوشوارب، فهل سيتم الاستيراد عبر عملة صعبة مصدرها البنك المركزي، أو من السوق السوداء؟ حقيقة هذا التناقض أظهر افتقار الحكومة لسياسة  اقتصادية واضحة.

 

بعبارة أخرى، هل يمكن الحديث عن رابح وخاسر في حالة بعث عملية استيراد السيارات المستعملة؟

يجب التنويه إلى أن الدولة أو الحكومة ترافع من أجل تخفيض  فاتورة الاستيراد، وهذا الإجراء يجب أن يقنن ويكون مدروسا بشكل جيد حتى لا تكون آثاره سلبية على الاقتصاد الوطني، بمعنى أن القرار إذا طبق قد يساعد المواطنين خاصة البسطاء الذين لا يستطيعون شراء سيارات بـ200 مليون أو 300 مليون بعد ارتفاع سعر المركبات في الجزائر، لكن يجب أن نوضح هل سيتم استيراد السيارات بسعر الأورو المتداول في البنك المركزي، أو بالسعر المتداول في بالسوق السوداء.

 هناك شيء آخر تجدر الإشارة إليه، وهو هل السيارات التي نستوردها ستكون وفقا معايير السلامة أو سنبحث في السوق الأوروبية عن سيارات أقل من 3 سنوات وفقط، وبعدها نكتشف أنها خردة، وسنكون مضطرين إلى استيراد قطع غيار لها، وهنا نقول إن القرار ليس سهلا ويجب دراسته من كل الجوانب حتى  يستفيد المواطن، ولا تخسر الحكومة.

 

برأيكم، لماذا تعرض القرار منذ البداية لهجمة شرسة، ومن يقف وراء هذه الهجمة؟

جميعنا نعرف أن الوزير الذي أعلن عن القرار بختي بلعايب من الأرندي، لكنه تعرض لهجمة من طرف حزبه، وبعض القياديين والنواب الذين تهجموا عليه وعارضوا القرار، لأنه غير صائب في نظرهم، والأكيد أن هذه الانتقادات كانت بتوجيهات من أحمد أويحيى لأنه لطالما انتقد ما يسميه بـ”القرارات الشعبوية”، لكن عبد السلام بوشوارب، أيضا من الأرندي وناقض أويحيى، ما يعني أنه “كلام سياسة”.

 

ألا تعتقد أن مفاوضات الجزائر مع منظمة التجارة العالمية كانت من بين الأسباب التي دفعت الحكومة إلى تبني القرار؟

أستبعد ذلك، ولا علاقة للقرار بتوصيات منظمة التجارة العالمية، لأن الجزائر”اغتصبت” توصيات المنظمة التي تفرض فتح السوق، وتحرير المبادلات التجارية مع  فرض ضرائب جمركية، بالإضافة إلى  المنافسة وليس الاحتكار الذي نعيشه، كما أنها لجأت إلى رخص الاستيراد، وهذا غير موجود في تقاليد وأعراف منظمة التجارة، كما أن تصريحات الجزائر تدل على أنها غير جادة بالإنضمام “الأومسي” فكيف يمكن لها أن تفرض مثل هذا الإجراء.

 

الخبير الاقتصادي فارس مسدور

عودة استيراد السيارات المستعملة لا يخدم إلا فرنسا

يؤكد الخبير الاقتصادي فارس مسدور من خلال هذا الحوار أن قرار عودة استيراد السيارات المستعملة هو قرار غامض فرضته لوبيات الاستيراد لضرب الاقتصاد الجزائري، وتحطيم مشاريع صناعة السيارات التي لا تزال في بدايتها في الجزائر، فيما أرجع تضارب تصريحات الوزراء حول آليات تطبيق هذا القرار إلى الضغوط التي تمارسها هذه اللوبيات على الحكومة، التي توجد في موقع ضعف نتيجة ما تعانيه الجزائر من أزمة مالية خانقة.

 

كيف تقرؤون تضارب التصريحات بين الوزراء فيما يتعلق بآليات تطبيق قرار عودة استيراد السيارات المستعملة؟

لا يوجد قرار يتعلق بعودة استيراد السيارات المستعملة على مستوى الحكومة، بل يوجد نقاش فرضته لوبيات استيراد السيارات، التي تريد استنزاف ما تبقى من احتياطات وثروات البلاد، من خلال إعادة بعث استيراد السيارات الأوروبية، الذي سيخدم بالدرجة الأولى فرنسا، التي تحاول التخلص من مركباتها المستعملة بتصديرها إلى الجزائر. أما بخصوص تضارب التصريحات بين وزيري التجارة والصناعة، فهو يدل على عدم وجود رؤية واضحة لهذا الإجراء الذي سيضر الاقتصاد الوطني ويخدم أطرافا داخلية انتهازية وأطرافا خارجية ترى في السوق الجزائرية مصدرا لتحقيق الثراء.

 

هناك من يعتبر عودة هذا النشاط خدمة للمواطن وإنهاء للاحتكار وضبطا لأسعار السيارات من جديد، ما تعليقكم؟

من يعتقد هذا الاعتقاد فهو مخطئ، لأن إعلان عودة استيراد السيارات المستعملة سيكسر جميع مشاريع صناعة السيارات في الجزائر، خاصة فيما يتعلق بمصانع السيارات الألمانية والآسيوية، التي ستعمل على خلق المزيد من مناصب الشغل وخفض الأسعار وجعل الجزائر قطبا صناعيا في تركيب وتصنيع السيارات. هذه المشاريع يبدو أنها لم تعجب الكثير من الأطراف الداخلية والخارجية، التي سارعت إلى فرض نقاش “عقيم” يتعلق ببعث استيراد السيارات الأوروبية إلى الجزائر على شاكلة استيراد “الشيفون”. هذه الأطراف تعمل على استنزاف الثروة الجزائرية وتحطيم كل مشاريع التنمية، لأنها ستعيش في الخارج ولا يهمها مستقبل ومصلحة الجزائر.

 

وزير التجارة أكد تمرير الإجراء من خلال قانون المالية، على عكس وزير الصناعة الذي أكد أن القرار سيطبق بعد عامين وهو عبارة عن تنظيم للسوق لا غير.. في تقديركم علام يدل هذا التناقض؟ وكيف سيمرر القرار؟

الحكومة ليس لها مخاوف من تمرير القوانين على البرلمان، لأنها تعلم أنه برلمان مهلهل ويسهل توجيهه عن بعد، فعرض الإجراء من خلال قانون المالية سيكون محلا لإثارة الجدل وخلق البلبلة، وهذا ما ستتفاداه الحكومة قدر الإمكان، لعدم تكرار سيناريو قانون المالية لسنة 2016، وأسهل طريق لتمرير هذا الإجراء هو إحالته على لجنة وزارية مشتركة تحت شعار تنظيم السوق وإحالته بعد ذلك على الوزير الأول على غرار ما حدث مع دفتر الشروط المتعلق بتنظيم سوق السيارات الجديدة.

 

وزير الصناعة أكد أن نشاط استيراد السيارات المستعملة سيمنح للمهنيين وليس لعموم المواطنين، هل تعتقدون أن هذا القرار سيعمق الاحتكار ويضر المستهلك؟

تصريح وزير الصناعة بخصوص توجيه نشاط استيراد السيارات المستعملة للمهنيين يعد تصريحا خطيرا وهدفه خلق نشاط مواز لاستيراد السيارات، سيساهم في تشجيع تجارة الأرصفة وتمكين السماسرة من خلق نشاط منظم لاستيراد السيارات وقطع الغيار الأوروبية، وهذا ما سيعزز تبعية السوق الجزائرية لفرنسا. الوزير تحدث عن منح النشاط للمهنيين وليس لوكلاء السيارات ما يعني خلق مؤسسات “سمسرة” تعمل بالموازاة مع وكلاء السيارات المعتمدين الذين انتقدوا بشدة هذا الإجراء الذي يضر بمشاريعهم الصناعية في الجزائر ويحرجهم أمام شركات صناعة السيارات العالمية، التي ستعتبر السوق الجزائرية سوقا فوضويا وستضطر إلى الانسحاب منها نهائيا مضطرة.

مقالات ذات صلة