الدولة في الميدان
خلّفت سلسلة الحرائق المشتعلة منذ نحو أسبوعين، عبر عديد ولايات الوطن، مشاهد مرعبة لألسنة اللهب المتصاعدة، وهي تلتهم كل ما في طريقها من أخضر ويابس، ما استدعى تدخل السلطات العمومية لتفعيل مخططات النجدة الولائية في الولايات المعنية، وتسخير كل الإمكانات المتوفرة، في محاولة لمحاصرة البؤر المستعرة في مناطق متفرقة في تلك الولايات وإخمادها، وحماية الأرواح البشرية، وخلّفت تلك الحرائق خسائر معتبرة في الممتلكات والغطاء الغابي والنباتي والتهمت مساحات شاسعة من المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة، ولم تسلم حتى الثروة الحيوانية من لهيب النيران. واستدعى الوضع نزول وفد وزاري هام على رأسه وزير الداخلية إلى ولاية عنابة، اين أعلن تكفل الدولة بتعويض المتضررين من الحرائق، التي هي محل تحقيق في أسبابها.
وفد وزاري يهرع إلى عنابة.. وسعيود يعلن:
التحقيقات جارية في أسباب الحرائق والدولة ستعوض المتضررين
أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود صباح الأربعاء بعنابة، أن “الدولة ملتزمة بالوقوف إلى جانب المواطنين والمواطنات المتضررين من حرائق الغابات التي شهدتها عدة ولايات من الوطن خلال الأيام الأخيرة”، مشددا على أن “السلطات العمومية مجندة لتقديم كل أشكال الدعم والمرافقة للمتضررين”. وأوضح السيد سعيود، الذي كان مرفوقا بوزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة صورية مولوجي ووزير الصحة محمد الصديق آيت مسعودان ووزير الشباب مكلف بالمجلس الأعلى للشباب مصطفى حيداوي والمدير العام للحماية المدنية العقيد بوعلام بوغلاف ووالي عنابة عبد الكريم لعموري، أن “رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يولي أهمية كبيرة للتكفل بالمواطنين المتضررين ويحرص على أن تكون الدولة حاضرة إلى جانبهم في مثل هذه الظروف والمحن”، وهذا وفقا لما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية.
كما أكد الوزير، في ذات السياق، على أن “الدولة ستتكفل بإحصاء جميع الخسائر المادية الناجمة عن هذه الحرائق مشيرا إلى أن عملية الإحصاء ستتم ميدانيا وبالتنسيق مع مختلف المصالح المعنية لتحديد حجم الأضرار التي لحقت بالمواطنين وممتلكاتهم قبل الشروع في إجراءات التعويض في أقرب الآجال”.
وفيما يتعلق بالحرائق التي اندلعت منذ نهاية الأسبوع الماضي، أوضح السيد سعيود أن “السلطات الأمنية تواصل تحقيقاتها لتحديد الأسباب الحقيقية التي كانت وراء اندلاعها”، مشيرا إلى “تسجيل حوالي 160 حريقا عبر مختلف ولايات شمال الوطن”. وأكد أن “التحقيقات الأمنية متواصلة لمعرفة طبيعة هذه الحرائق وما إذا كانت ناجمة عن أسباب طبيعية أو ذات طابع إجرامي لتحديد المسؤوليات والأسباب الحقيقية وراء اندلاعها”.
طالت الغابات والمحاصيل الزراعية
تسجيل 195 حريقا في ظرف 24 ساعة
كشفت الحماية المدنية، الأربعاء، عن حصيلة آخر التدخلات في إخماد حرائق الغابات والأدغال والأحراش والمحاصيل الزراعية عبر مختلف الولايات. وأعلنت المديرية العامة للحماية المدنية عن تسجيل 195 حريقا عبر مختلف أنحاء الوطن خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، تمكنت فرق التدخل من إخماد 142 حريقا منها، فيما تتواصل عمليات الإطفاء لإخماد 53 حريقا عبر 15 ولاية، وفق حصيلة موقوفة على الساعة السابعة صباحا.
وأوضحت الحماية المدنية أن الحرائق المتواصلة تتوزع على ولايات عنابة (3 حرائق)، سوق أهراس (3)، سكيكدة (18)، قالمة (3)، البويرة (1)، المدية (2)، معسكر (2)، ميلة (1)، الطارف (7)، جيجل (4)، قسنطينة (1)، بجاية (5)، تلمسان (1)، سعيدة (1)، وتيميمون (1).
وشهدت ولاية بجاية أربعة حرائق وصفت بالمهمة ببلدية بوخليفة، حيث لا تزال عمليات الإخماد متواصلة. وفي ولاية عنابة، تواصل فرق التدخل مكافحة الحرائق ببلدية سرايدي، على مستوى منطقتي سيدي بومدين وبوزيزي، حيث تم إجلاء مرضى من مستشفى سرايدي، إضافة إلى إخلاء فندق “المنتزه” وعدد من المساكن، كما تتواصل عمليات الإطفاء ببلدية التريعات بمنطقة عين السبسي.
أما ولاية سكيكدة، فقد سجلت أكبر عدد من الحرائق المتواصلة، خاصة ببلديات المرسى، والشرايع التي تشهد ثلاثة حرائق مهمة، إلى جانب عين شرشار، وجندل سادي، والسبت، فيما تتواصل عمليات الإخماد. وفي ولاية الطارف، تتواصل الجهود لإخماد سبعة حرائق، منها حريقان بكل من بلدية الزيتونة وعين الكرمة والشافية، إضافة إلى حريق ببلدية واد الزيتون. كما تستمر عمليات الإطفاء في ولاية جيجل، حيث تشهد بلدية أولاد يحيى خدروش ثلاثة حرائق مهمة، إلى جانب حريق ببلدية بوسيف أولاد عسكر.
وسجلت ولاية قالمة حريقا ببلدية قلعة بوصبع، فيما تتواصل عمليات الإخماد ببلدية الهاشمية في ولاية البويرة، وبلدية حناشة بولاية المدية. وفي ولاية معسكر، تواصل مصالح الحماية المدنية مكافحة حريقين ببلديتي نسمط ونقعة، كما تتواصل عمليات الإطفاء ببلدية عين الزانة في ولاية سوق أهراس، وبلدية العياضي برباس بولاية ميلة، إضافة إلى حريق ببلدية ضاية ثابت في ولاية سعيدة.
سماء قالمة تمطر رمادا
إنقاذ 100 نزيل حاصرتهم النيران بمستشفى سرايدي في عنابة
عاشت بلدية سرايدي بعنابة الثلاثاء، اندلاع حريق مهول، في المناطق الغابية، وانتشر بسرعة بسبب الرياح وارتفاع درجة حرارة الجو، لتمتد ألسنة اللهب، إلى المحيط الحضري، بعد ما واجهت فرق الإطفاء للحماية المدنية ومحافظة الغابات ومختلف الهيئات التي تم تجنيدها لإخماد النيران، صعوبة كبيرة في السيطرة على النيران المشتعلة.
وعلى الرغم من المجهودات الكبيرة المبذولة من طرف فرق الإطفاء بمساعدة المواطنين، غير أن سرعة انتشار النيران وامتداد لهيبها، دفع بالسلطات العمومية إلى إعلان حالة استنفار قصوى، وإجلاء العائلات القاطنة ببعض المناطق التي اقتربت منها ألسنة النيران، حيث تم نقلهم بأمان نحو مركز تجمع رياضيي النخبة “الكرابس”، وذلك بحضور والي ولاية عنابة، عبد الكريم لعموري، الذي أعطى تعليمات ميدانية بضرورة حماية الأرواح أولا، وتسخير كل الإمكانات المتاحة لذلك، غير انه وبعد ساعات الليل ازداد لهيب النيران المشتعلة وامتد إلى الوسط الحضري، حيث ارتأت السلطات بعد اقتراب النيران من مستشفى سرايدي، إخلاءه وتحويل المرضى المقيمين فيه إلى مستشفى خان عبد الرحمان بالبوني، لضمان سلامتهم من النيران المشتعلة والدخان الكثيف المنبعث منها، مع تواصل جهود إخماد النيران، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من ممتلكات، المواطنين ومنشآت حيوية.
وفي السياق، وفي ظلّ استمرار جهود إخماد النيران، أشرف والي الولاية، عبد الكريم لعموري، صباح الأربعاء، بمقر بلدية سرايدي، على تنصيب خلايا المعاينة والإحصاء، للشروع فورا في الوقوف ميدانيا على الخسائر والأضرار الناجمة عن الحرائق، وإحصاء العائلات المتضررة على مستوى البلدية، تطبيقا لأوامر السيد رئيس الجمهورية، القاضية بضمان التكفل التام ومرافقة جميع العائلات المتضررة.
وغير بعيد عن عنابة، تعيش ولاية قالمة، منذ أسبوعين كاملين، على وقع سلسلة الحرائق المدمرة، التي تسببت منذ الثامن من شهر جويلية الحالي، في وفاة ثلاثة أشخاص، وإتلاف العديد من المنازل والممتلكات، وزحفت ألسنة اللهب لتلتهم مساحات شاسعة من الغطاء الغابي والمحاصيل الزراعية، على الرغم من الإمكانات المادية والبشرية، الهائلة التي تم تسخيرها لإخماد الحرائق المشتعلة والتي لم تشهد لها الولاية مثيلا.
وقد واجهت فرق الإطفاء صعوبة كبيرة، في إخماد النيران المشتعلة في مناطق متفرقة من إقليم الولاية، ومست الكتل الغابية بجبل هوارة وبني صالح، وحتى ماونة، وتخطتها إلى المحاصيل الزراعية المتواجدة بالقرب من المحيط الحضري في عدّة بلديات، لتهدد المنشآت، بالإضافة إلى مساكن المواطنين وممتلكاتهم، أين تم إجلاء العشرات من العائلات نحو المدارس وغيرها، كما هو الحال ببلديات بني مزلين وجبالة لخميسي، وبومهرة أحمد، وحتى بوشقوف وحمام النبائل ومجاز الصفاء وحمام دباغ والفجوج وبوعاتي محمود وقلعة بوصبع، وغيرها من البلديات التي تضرر فيها الفلاحون، بعد ما التهمت النيران حظائر تربية الدجاج، حيث سجل نفوق أعداد من المواشي وحتى الحيوانات البرية، ما جعل والي الولاية السيد “سمير شيباني”، يتنقل خلال ساعات الليل والنهار، بين بؤر اشتعال النيران في مختلف البلديات، لمتابعة عمليات الإطفاء، المستمرة بجهود متواصلة لرجال الحماية المدنية وأعوان الغابات والجيش الوطني الشعبي وعمال مختلف القطاعات الأخرى بالإضافة إلى جموع المواطنين، الذين اطلقوا نداءات استغاثة لباقي الولايات، فيما تكفلت بعض الجمعيات المحلية بتقديم الدعم الوجستيكي وتوفير المياه الباردة والدواء والغذاء في الجبال والمناطق الغابية.
وقد تسببت ألسنة النيران المشتعلة في مختلف مناطق الولاية، التي فقدت جزءا هاما من غطائها الغابي والنباتي، على مدار الأيام الماضية، في انبعاث دخان كثيف وتشكل سحب سوداء، تبعث برمادها ليسقط في الأوساط الحضرية بالمناطق القريبة عبر كامل بلديات الولاية، التي يعيش سكانها حالة من القلق، تواجهها بإطلاق التكبيرات من المساجد.
إجلاء عائلات بمركز الإيواء بفرجيوة
حرائق متزامنة تجتاح ست بلديات في ميلة وتتلف عشرات الهكتارات
شهدت ولاية ميلة، سلسلة حرائق متزامنة مست ست بلديات، حيث تدخلت مصالح الحماية المدنية لإخماد أكثر من عشرة حرائق اندلعت في الغابات والأحراش وبساتين الأشجار المثمرة، مهددة منازل وبيوتا بلاستيكية لتربية الدواجن. وأسفرت الحرائق عن إتلاف عشرات الهكتارات من أشجار الزيتون والزعرور البري ومختلف الأشجار المثمرة، في وقت أرجعت فيه الجهات المختصة اندلاعها إلى الارتفاع الكبير في درجات الحرارة التي تجاوزت 45 درجة مئوية خلال أوقات الذروة، واستدعت تدخل السلطات العمومية التي سخرّت إمكانات مادية وبشرية هائلة لإخمادها، وحماية الأرواح والممتلكات.
وسجل أكبر الحرائق بمشتة قرقوس ببلدية العياضي برباس، حيث أتت النيران على نحو 70 هكتارا من الأشجار المثمرة والأحراش. واستغرقت عملية الإخماد أكثر من 20 ساعة بمشاركة عدة وحدات للحماية المدنية والرتل المتحرك لمكافحة حرائق الغابات، كما تم إجلاء تسع عائلات إلى مركز إيواء ببلدية فرجيوة، مع إنقاذ منازل وبيوت بلاستيكية لتربية الدواجن.
وفي مشتة بوداود ببلدية تسالة لمطاعي، تواصلت جهود الإخماد لأكثر من يوم و17 ساعة، وانتهت بالسيطرة على الحريق وإنقاذ منازل وأشجار مثمرة وخلايا نحل، تحت متابعة والي ميلة وقيادة مدير الحماية المدنية.
نفوق مواش في حريق بباتنة
تمكنت مصالح الحماية المدنية، مساء الثلاثاء، من السيطرة على الحريق الذي اندلع بمنطقة مزوالة التابعة لبلدية المعذر في ولاية باتنة، بعد عملية ميدانية واسعة شاركت فيها وحدات الحماية المدنية، ومصالح الغابات، إلى جانب مواطنين ومختلف المتدخلين.
وجرت عملية الإخماد في ظروف مناخية بالغة الصعوبة، تميزت بارتفاع درجات الحرارة وهبوب رياح قوية، ما ساهم في اتساع رقعة النيران وصعّب من مهام الفرق المتدخلة، قبل أن تتمكن من تطويق الحريق ومنع امتداده إلى مناطق أخرى. وحسب الحصيلة الأولية، خلف الحريق نفوق سبعة رؤوس من الماشية، إضافة إلى احتراق ثلاث خيم تعود لبدو ورحل، في حين لم تُسجل أي خسائر بشرية.
بعد موجة الحرائق… غابات سكيكدة تتحول إلى حطام
تحولت مساحات شاسعة من غابات ولاية سكيكدة إلى أراض متفحمة بعد موجة الحرائق التي اجتاحت الولاية منذ 17 جويلية، مخلفة خسائر بيئية معتبرة مست الغطاء الغابي والأحراش والأشجار المثمرة، في ظل موجة حر قياسية بلغت 49 درجة مئوية. وأحصت مصالح الحماية المدنية أكثر من 90 حريقا بمعدل 15 حريقا يوميا، مست 16 بلدية، أبرزها أم الطوب، قنواع، عين قشرة، الشرايع، خناق مايون، بن عزوز وعين شرشار، حيث ساهمت الرياح القوية وارتفاع درجات الحرارة في سرعة انتشار ألسنة اللهب واتساع رقعتها.
وأكد المقدم نسيم برناوي، المدير الفرعي للإعلام والعلاقات العامة بالمديرية العامة للحماية المدنية، في تصريح له من سكيكدة، أن مختلف الوحدات العملياتية والأرتال المتنقلة والمفارز الجهوية، مدعومة بطائرات الإخماد التابعة للحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي، واصلت تدخلاتها للسيطرة على الحرائق رغم وعورة التضاريس والظروف المناخية الصعبة.
وخلفت الحرائق فقدان المواطن محقون الربيعي بغابات أم الطوب منذ الجمعة الماضي، وإصابة العشرات بحالات اختناق، إلى جانب إجلاء عدد من العائلات نحو المدارس الابتدائية، خاصة ببلديات الجهة الشرقية للولاية.