الذين انتقدوا بومدين هم الذين منحوا ضباط فرنسا مناصب سامية
يتحدث العقيد المتقاعد شريف براكتية في هذا الحوار الذي خص به “الشروق” عن عديد المسائل التي تخص الرئيس الراحل هواري بومدين، حيث يدافع عن مساره خلال فترة الثورة، منوها بآليات تشكيله وهيكلته للجيش، كما يبرر أسباب لجوئه إلى توظيف خدمات الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، ومنتقدا في الوقت نفسه لجوء طاهر زبيري إلى محاولته الانقلابية الفاشلة، وقال العقيد شريف براكتية بأن بومدين منح إضافة نوعية للجيش، مثلما حاول توظيف جهود جميع الأطراف لخدمة مصالح الجزائر بعد الاستقلال، مشيرا بأن الذين انتقدوا بومدين هم الذين منحوا مناصب سامية لضباط فرنسا.
بداية، إن أمكن تعريف مختصر لشخصك قبل بداية الحوار؟
أنا براكتية شريف، التحقت بصفوف جيش التحرير سنة 1956، توليت العديد من المهام، من قائد فيلق إلى قائد كتيبة ثم قائد فيلق إلى غاية الاستقلال.
ما علاقتك بهواري بومدين، وهل كان لك اتصال مباشر به خلال الثورة؟
تعرفت على الرئيس الراحل هواري بومدين في بداية الستينيات، بعد تعيينه كقائد عام للأركان بجيش التحرير الوطني، وقبل هذا كان قائدا في الولاية الخامسة أثناء الثورة، ليصبح بعدها قائد الأركان في جهة الغرب، وفي سنة 1959 كانت الأوضاع مغلقة بالنسبة للثورة.
لماذا في رأيك؟
نتيجة عدة أسباب، ولو أن السبب الرئيسي يعود إلى الوضع الذي كان سائدا في وزارة التسليح التي كان يقودها كريم بلقاسم، حيث كان المخطط في ذلك الوقت يركز على إعادة هيكلة جيش التحرير عبر الحدود، وتزويد هيكلة الجيش بإطارات جديدة، من بينهم ضباط فروا من صفوف الجيش الفرنسي، وهذا المخطط أعتقد أنه كان السبب في الفوضى التي سادت تقريبا جميع وحدات الجيش عبر الحدود.
هل رفضتم هذا المخطط وكيف كنتم تنظرون للضباط الفارين من الجيش الفرنسي؟
الأمر لا يتعلق بقضية رفض، ولكن بالأسلوب المعتمد في تنظيم الوحدات أولا، الإجراء لم يكن معلنا للقادة الثوريين والمجاهدين الذين كانوا منذ البداية قادة الوحدات، ومن جهة أخرى كانت هناك مشاكل داخلية بين قادة الحكومة المؤقتة، وهو المشكل الذي زرع نوعا ما شبه تمرد في ذلك الوقت إلى غاية سنة 1959، وفي هذه الفترة فكرت القيادة في وضع حد للأزمة التي كانت موجودة، حيث اجتمع العقداء، من بينهم الراحل هواري بومدين، وتمخض الاجتماع إلى اتفاق بإعادة هيكلة جيش التحرير تحت إشراف القيادة العامة، التي عينت أثناء اجتماع قيادة الأركان العامة لجيش التحرير، وكان يترأسها هواري بومدين بمساعدة النّواب الثلاث قايد احمد وعلي منجلي وزراري عز الدين.
ما هي الجوانب التي ركّز عليها بومدين ونوابه بعد تسلمهم مهام قيادة الجيش؟
بمجرد استلامهم المهام، شرع بومدين في قضية إعادة هيكلة جيش التحرير من جديد، وذلك لاستكمال التصور الذي جاء به مؤتمر الصّومام، حيث تشكلت فيالق، لأنه قبل المؤتمر، كنا عبارة عن فصائل ليست لها صفة التنظيم العسكري الحديث.
جاء بومدين ووجد هذا التنظيم منبثقا عن مؤتمر الصومام وبدأ في إعادة التنظيم، فماذا حدث بعد ذلك؟
بعدما جاء بومدين وجد هذه الحالة التي وصفناها بشبه تمرد في أوساط قيادات الثورة الرافضة لضباط فرنسا، فشرع في إعادة الهيكلة، وبالتالي فإن المخطط الذي تكلمنا عنه بتكليف الضباط الفارين أصبح لاغيا، ومن بين ما قام به بومدين هو إعادة تشكيل الوحدات العسكرية، وأنا كنت ضمن القادة المعينين لقيادة الفيلق رقم 39، وكان ينوبني في قيادة الفيلق عبد الرزاق بوحارة رحمه الله، أما ما يتعلق بالضباط الفارين من الجيش الفرنسي فقد تم استخدامهم كتقنيين في التدريب على مستوى قيادة الأركان.
هناك رفض في أوساط قيادات الثورة لفكرة الاستعانة بهؤلاء من قبل بومدين، ما قولك؟
لم يكن هناك رفض، فالإجراءات التي قام بها بومدين قضت على أسباب التمرد، لأن الثوار الأوائل هم من كلفوا بالقيادة الفعلية للوحدات، وهؤلاء الضباط استعملوا في التدريب كتقنين فقط، وهذا الأمر بعث نوعا من الارتياح داخل وحدات جيش التحرير، واستمر العمل بكل ديناميكية، وأتذكر أنه بمجرد إعادة تشكيل الوحدات، أصدر أمرا بالهجوم لمدة عشرين يوما دون توقف على جميع الثكنات والوحدات العسكرية الفرنسية، وبعد 20 يوما عقد اجتماع بين القادة لتقييم العمليات العسكرية في أحد الفيالق.
هل ترى بأن بومدين منح الإضافة اللازمة لقيادة الأركان؟
العمل الذي قام به بومدين أشعر فرنسا بوجود نوع جديد من الثوار، وجاء نتيجة توحيد وتنسيق العمليات العسكرية، ففي السابق كنا نقوم بعمليات لامركزية، لكن بمجرد تعيين قيادة الأركان، تم توحيد العمل العسكري، وأعطيت الأوامر بإطلاق هجوم على طول الحدود، على الساعة الواحدة مع استمرار العملية للتصدي لأي رد فعل لقوات العدو، وبعد انتهاء العمليات كانت هناك اجتماعات تقييمية مع قيادة الأركان تحت إشراف بومدين ولم نكن نتكلم فيها عن الخلافات التي بدأت تظهر بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة.
وهل كانت تصلكم أخبار عن هذه الخلافات؟
كانت الأخبار تصلنا خلال الاجتماع الذي نحضره مع قيادة الأركان لكن بأسلوب ذكي، فكانت تصلنا على شكل توعية إزاء المشاكل التي تعيشها قيادة الأركان، ليس لأجل التمرد، بل حتى نكون على دراية بما يجري فقط.
كيف تابعتهم تزايد نفوذ بومدين، الذي كان طالبا في الأزهر في بدايات الثورة ليصبح قائدا للأركان في نهاياتها؟
حقيقة بومدين كان طالبا في الأزهر، لكن لما اندلعت الثورة، تزامن ذلك مع وجود بعثة في القاهرة وبومدين ضمنها، حيث رأى القادة أن انخراط مجموعة الشبان في العمل الثوري يكون بتكوينهم من خلال التدريب العسكري في الكلية الحربية، وكان بومدين ضمن المجموعة التي رافقت عبر باخرة “دينا” التي هرّبت كمية مهمة من السلاح للولاية الخامسة، وكونه شاب مثقف له مواصفات مهمة، فقد أصبح قائدا بارزا منذ التحاقه بالثورة.
لكن الكثير يحمّله مسؤولية تولي الضباط الفارين من الجيش الفرنسي لمناصب هامة بعد الاستقلال، ما رأيك؟
المنطق هو أن الثورة كانت منذ البداية بحاجة لجميع أبنائها، بدليل إعطاء أوامر بتخلي الموظفين عن المناصب في الإدارة الفرنسية، وحتى الشباب الجزائري بالجيش الفرنسي كانت تأمرهم بالفرار، لكن أن يتم رفضهم بعد الالتحاق بالثورة فهذا أمر مخالف للمنطق، وفي هذا السياق أتذكر حادثة وقعت سنة 1955 في جبل بوخضرة، حيث حاصرنا ثكنة جل إطاراتها جزائريون، وعائلاتهم تسكن بيتا يحيط بالثكنة، حيث هددناهم بالإعدام إن لم يقنعوا أبناءهم بالخروج من صفوف الجيش الفرنسي، وفي الليلة الثانية وصل الخبر إلى جماعة الأوراس، فنفذوا هجوما على نفس الثكنة، وأمروا السكان بالضغط على أولادهم من أجل الفرار من الجيش الفرنسي والالتحاق بالثورة، وعليه ليس من المنطق أن نرفض هؤلاء ونحن الذين ضغطنا عليهم للالتحاق بصفوفنا.
هل لبومدين دور في ازدياد عدد الضباط الفارين من الجيش الفرنسي؟
إن أغلب الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، كانوا في تونس، وبومدين كان في الغرب، ولم يكن هناك تنسيق بينهم، وبعودته وجد عددا كبيرا منهم قد التحقوا بالثورة، وكان من الطبيعي استغلالهم لمصلحة الوطن، وبالفعل تم تعيينهم قبل عودة بومدين، واستغلوا في مراكز التدريب، لكن الأمر غير المقبول هو البرنامج الذي كان موجودا على مستوى وزارة التسليح التي كان يشرف عليها كريم بلقاسم، والمتعلق باستخلاف القادة الثوريين بهؤلاء على رأس الوحدات العسكرية، وهو سبب الفوضى التي وقعت.
هل نفهم من كلامك أن بومدين قام بعمل معاكس لمخطط كريم بلقاسم؟
بالضبط، بومدين استغل معارف الضباط إداريا وتقنيا، وهذا هو المنطق في رأيي، فبعد الاستقلال لم يتمكن من الاستغناء عنهم بحكم الخبرة التي يمتلكونها، وقام ببعث دفعات من المثقفين للتكوين في الخارج، وكنت أنا من بين 100 ضابط للكلية الحربية بالقاهرة سنة 1963، وهذا كله لبناء الدولة والجيش بقيادات لها معارف عسكرية.
هناك من يقول إن بومدين الرئيس استخدمهم في الإدارة، ولم يترك مجالا للسيطرة عليهم بشكل كامل، لكن بعد وفاته سيطروا على مقاليد الحكم؟
من انتقدوه هم من أوصلوهم وسمحوا لهم بذلك، ولكل فترة رجالها.
مع نهاية الثورة شكّل بومدين وبن بلة ثنائيا قويا سيطر على المشهد، في رأيك من استغل قوة الآخر؟ بومدين أم بن بلة؟
بن بلة الذي رفعته الأحداث بوجوده في القاهرة، وبعد الاستقلال مباشرة أطلقت فرنسا سراح القادة الخمسة ونزلوا في تونس، وكنت من ضمن الضباط المستقبلين للقادة، وقيادة الأركان كانت على اتصال مع الزعماء وهم في السجن، لكن بومدين تصرف تصرفا سليما.
كيف ذلك؟
عوض أن يتصل بومدين ببن بلة اتصل ببوضياف كونه أهم الزعماء، وذلك عبر مبعوث خاص، لكن بوضياف لم يستقبل هذا المبعوث استقبالا لائقا، ورفض التعامل مع الجيش، وهذا الأمر ترك انطباعا سيئا وخيبة أمل لدى طرف قيادة الأركان التي مالت إلى بن بلة.
ما هو سبب الاستقبال الباهت لمبعوث بومدين من قبل بوضياف؟
لا أدري، لا أعلم تصرّف المبعوث من قيادة الأركان معه.
هل هذا يعود للعلاقة القريبة بين بن بلة وبومدين، باعتبار أن الأول كان عضو بعثة الوفد الخارجي، وبومدين كان طالبا في الأزهر، وبالتالي العلاقة توثقت هناك قبل 1954؟
لا أعتقد أنه السّبب، والمسألة تتجاوز هذه العلاقة، لأن المسؤولية كانت كبيرة، والسّبب تعامل قيادة الأركان مع بوضياف أثناء استقبالهم الجيش في الحدود، حيث كان لديه نظرة خاصة لجيش التحرير الوطني، هذا ما ترك تجاوبا بين بن بلة وقيادة الأركان في مجلس الثورة، وجعل الجيش ينحاز إلى جانب بن بلة الذي كان متفقا مع نظرية الجيش في المجلس المنعقد بعد الاستقلال، حيث تفجرت الأمور من هناك، وأصبح الجيش مساندا لبن بلة، ولهذا أعتقد أن الأمور انقسمت، وبوضياف أصبح في جهة وبن بلة في صف الجيش الذي قام بجميع العمليات لإنهاء الوضع، حيث حدثت تطورات مؤسفة بعد الثورة، وهكذا أصبح بن بلة مدعما من طرف الجيش، ولم تكن هناك نوايا أو خلفيات أخرى على شاكلة الذين يقولون بأن بومدين صاحب انقلابات، وكان لابد أن تقال خلال تولي بن بلة السلطة، حيث لم تكن تصرفاته مقبولة خاصة بعد إنشاء مليشيات موازية للجيش، أعطت انطباعا عن عدم ثقته في الجيش، بدليل تكوينه للمليشيات التي كانت تخضع له، وكانت هناك أسباب أخرى كقضية تعيين شعباني، وهي تراكمات أسفرت عن حادثة 1965.
كيف عايشت مرحلة الانقلاب والتصحيح الثوري؟
لم أشارك فيه مباشرة، كنت حينها في شرشال، ولم تكن العملية واسعة بل جاءت على نطاق ضيق، وبالنسبة لي كانت عادية.
بعد سنتين كانت هناك محاولة الانقلاب الفاشلة للطاهر زبيري، بحجة تغليب ضباط فرنسا من طرف بومدين، ما قولك؟
هذه الأسباب الظاهرة، لكن الغريب في ذلك، هو أن هناك مقال يشير بأن الطاهر زبيري لم يثر احتجاجا على ضباط فرنسا، وهذه التناقضات والاضطرابات في التصريحات غير مقبولة منطقيا وأخلاقيا، وكان على أي شخص يصرح أن يكون ملتزما بما يقوله.
لم تجب على السؤال بعد؟
رغم وجود حساسية في هذا الأمر، إلا أنها كانت تعالج عن طريق الاجتماعات لإنهاء موضوع ضباط الجيش الفرنسي، كانت هناك وساطة بين زبيري وبين بومدين، وقام بها السعيد عبيد الذي أتى قبل انطلاق عملية الطاهر زبيري، وأخبرني بالتفصيل عن محاولاته للتوفيق بينهم، والتي انتهت بالفشل لتعنتهما.
ماذا قال لك السعيد عبيد ومن تعنت أكثر؟
زبيري كان متعنتا أكثر حسب رأي السعيد عبيد، بسبب عدم قبول زبيري حلا وسطا، وكان يرى أن هناك أشياء لن يتمكن بومدين من القيام بها، واستمر في تعنته حتى النهاية.
كلمة أخيرة؟
أطلب من جميع المجاهدين أن يكونوا صادقين في أقوالهم لما يتطرقوا إلى المواضيع التاريخية، والمسائل التي تخص الثورة ومسار الجزائر بعد الاستقلال.
———————
طالع أيضا:

“الشروق” تستنطق مقربين ومجاهدين وسفراء سابقين في ذكرى وفاته:
لهذا بكى بومدين.. تفاصيل “إشاعة” تسميمه وهذه “أملاكه”

سفير الجزائر الأسبق في بغداد ودمشق عثمان سعدي للشروق”:
بومدين رفض أن تدفع وزارة المالية ثمن كتبه وهكذا طرد السفير الأمريكي

