الذّكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة المهن في الجزائر… رهان على مهارات المستقبل
ورشة دولية لبحث سبل تحويل التحولات التكنولوجية إلى فُرص للشباب
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مجال للبحث العلمي أو أداة لتطوير الحلول التكنولوجية، بل أصبح عاملا مؤثرا في رسم ملامح الاقتصاد العالمي وإعادة تحديد احتياجات سوق العمل، في تحول يفرض على منظومات التعليم والتكوين إعادة النظر في المهارات التي يتطلبها المستقبل.
وفي هذا السّياق، نظمت الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، بالمدرسة العليا الذكاء الاصطناعي بسيدي عبد الله بالعاصمة، ورشة عمل دولية خصصت لبحث انعكاسات هذه الثورة التكنولوجية على عالم المهن والوظائف، واستشراف التحولات المنتظرة في سوق العمل في بلادنا.
وفي الجزائر، حيث تتسارع خطوات التحول الرقمي وتتزايد الحاجة إلى تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، ناقش الخبراء كيفية إمكانية تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية مستوردة إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية.
من ذكاء يجيب إلى ذكاء ينجز
وقال في السياق، خبير الذكاء الاصطناعي، البروفسور جمال بوشفرة، أستاذ بجامعة باريس، إن الذكاء الاصطناعي التوليدي إذا كان قد أحدث تحولا لافتا بقدرته على كتابة النصوص، وإنتاج الصور، وتحليل المعلومات، وإعداد التقارير، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيلي يفتح مرحلة أكثر تقدما، إذ لا يكتفي بتقديم الإجابات، بل يستطيع، ضمن حدود صلاحياته، التخطيط لسلسلة من المهام، واستخدام الأدوات الرقمية، ومتابعة تنفيذ العمليات، وصولا إلى تحقيق هدف محدد.
وبعبارة أبسط، وبحسبه، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يساعد موظفا جزائريا على إعداد تقرير تجاري في وقت قصير، بينما يستطيع نظام وكيلي، إذا ربط بالأنظمة المناسبة ومنح الصلاحيات اللازمة، متابعة بيانات المبيعات، واكتشاف التغيرات في الطلب، وإعداد ملخصات دورية، واقتراح إجراءات للمؤسسة.
وهنا يكمن التحول الحقيقي، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بتسريع إنجاز مهمة واحدة، بحسبه، بل بإعادة تنظيم سلسلة كاملة من الأعمال، من جمع المعلومات إلى تحليلها، ومن اتخاذ القرار إلى متابعة التنفيذ.
الجزائر أمام مُنعطف اقتصادي وتكنولوجي
وأكد الأستاذ بوشفرة، عضو الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيا، أن هذه التحولات تأتي في وقت تعمل فيه الجزائر على تعزيز مسار الرقمنة وتطوير منظومتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، ففي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن خطوات لمتابعة تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، شملت التحضير لإنشاء مركز وطني للبحث في الذكاء الاصطناعي والبيانات، وبرمجة مشاريع تطبيقية، إلى جانب هدف تكوين 50 ألف مختص في هذا المجال بحلول سنة 2030، مشيرا إلى أن الخطط المطروحة شملت تطوير أنظمة لغوية وتطبيقات تخدم قطاعات وطنية مختلفة.
ويرى أن هذه التوجهات تكشف أن الرهان لم يعد مقتصرا على مواكبة التطور التكنولوجي، بل يمتد إلى بناء كفاءات وطنية، وتطوير حلول تتلاءم مع احتياجات المؤسسات والإدارة والمواطن الجزائري.
وبحسب الأستاذ جمال بوشفرة، فإن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد المنصات الرقمية أو البرامج التي يتم إطلاقها فحسب، بل بمدى انعكاسها على الإنتاجية، وجودة الخدمات، وقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة ومناصب عمل مستدامة.
من الإدارة التقليدية إلى المؤسسة الذكية
وقال ذات المتحدث، إن المؤسسات الجزائرية، سواء كانت عمومية أم خاصة، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغيّر طريقة إنجاز العديد من المهام اليومية، شريطة أن يكون كل شيء مرقمنا، وان تكون قاعدة بيانات رقمية في جميع القطاعات والمجالات.
وأوضح أن في الإدارات، قد تسهم الأدوات التوليدية في تلخيص الملفات وصياغة المراسلات وتصنيف الوثائق، بينما يمكن للأنظمة الوكيلية أن تساعد على متابعة الإجراءات والطلبات وربط مراحل العمل الرقمية، شريطة توفير البيانات الدقيقة والرقابة البشرية المناسبة.
وأما في المؤسسات الاقتصادية، بحسب الخبير بوشفرة، يمكن لهذه التقنيات أن تساعد على تحليل المبيعات، وتحسين إدارة المخزون، وتوقع احتياجات الزبائن، وتسريع خدمة العملاء. أما في الصناعة، فيمكن توظيفها لدعم مراقبة الجودة، وتحليل بيانات المعدات، والمساعدة على توقع الأعطال قبل حدوثها، وفقًا لطبيعة النظام والبيانات المتاحة.
وفي قطاع الفلاحة، الذي يواجه تحديات مرتبطة بالمياه والمناخ والإنتاج، قد تساهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بحسب المتحدث، في تحليل بيانات الطقس والتربة والري، ومساعدة الفلاحين على اتخاذ قرارات أكثر دقة.
ويرى أن التجارة الإلكترونية والخدمات، أتاح لها الذكاء الاصطناعي متنفسا جيدا، إذ إن المؤسسات الصغيرة والناشئة استفادت من بعض الإمكانات، بعد أن كانت تتطلب سابقا فرقا أكبر وموارد مالية أعلى، فقد توفرت المساعدة في التسويق، وإعداد المحتوى، وتحليل سلوك الزبائن، وأتمتة بعض المهام المتكررة.
وأفاد بأن هذه الاستخدامات تمثل فرصا قابلة للتطوير، وليست دليلا على أن جميع المؤسسات الجزائرية تعتمدها بالفعل أو تحقق منها النتائج نفسها.
وأكد خبير الذكاء الاصطناعي، الأستاذ جمال بوشفرة، أن التحدي الحقيقي أمام الجزائر ليس منع التكنولوجيا عن بعض المهن والوظائف، ولا ترك سوق العمل يتكيف معها بصورة عشوائية، بل استباق آثارها من خلال التكوين المستمر، وإعادة تأهيل العمال، وتطوير منظومة التعليم والتدريب المهني، وتشجيع المؤسسات على تبني التحول الرقمي بطريقة مسؤولة.
شبابنا… من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعة الحلول
وفي السياق، قال رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، الأستاذ محمد هشام قارة، إن الشباب الجزائري لديه فرصة مهمة للاستفادة من هذه المرحلة، خاصة في مجالات البرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير التطبيقات، والتسويق الرقمي، وبناء الوكلاء الذكيين، موضحا أن اغتنام هذه الفرصة لا يتطلب من الجميع أن يصبحوا مهندسي ذكاء اصطناعي، فالمحاسب الذي يتعلم استخدام الأدوات الذكية في التحليل، والصحفي الذي يوظفها في تنظيم المعلومات والتحقق منها، والمسوق الذي يستفيد منها لفهم الجمهور، وصاحب المؤسسة الصغيرة الذي يستخدمها لتحسين خدمة زبائنه، جميعهم قادرون على تعزيز قدراتهم المهنية.
والأهم، بحسبه، هو الانتقال من الاكتفاء باستخدام التطبيقات الجاهزة إلى تطوير حلول تعالج مشكلات محلية حقيقية، كتسهيل الخدمات الإدارية، ودعم المؤسسات الصغيرة، وتحسين الخدمات التعليمية، ومرافقة الفلاحين، وتطوير أدوات تفهم العربية والدارجة الجزائرية والأمازيغية، مع احترام خصوصية المجتمع واحتياجاته.
ويرى أن قيمة التكنولوجيا لا تكمن في حداثتها فقط، بل في قدرتها على حل المشكلات وخلق فرص اقتصادية ملموسة، مشيرا أن للمؤسسات الصغيرة والناشئة، فرصة لتقليص الفجوة، لكن الاستفادة من هذه الإمكانيات التكنولوجية ليست تلقائية، إذ تتطلب اتصالا موثوقا بالإنترنت، وتكوينا مناسبا، وبيانات منظمة، واختيارا دقيقا للأدوات، فضلا عن حماية المعلومات التجارية والشخصية.
وخلال الورشة الدولية التي بحثت سبل تحويل التحولات التكنولوجية إلى فرص للشباب، تطرق خبراء في الذكاء الاصطناعي، إلى السيادة الرقمية مؤكدين أنه من يملك البيانات يملك جزءًا من المستقبل، فلا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الجزائر دون التطرق إلى مسألة السيادة الرقمية، فبناء اقتصاد ذكي لا يعتمد فقط على امتلاك التطبيقات، وإنما أيضا على امتلاك المعرفة، وتطوير البنية التحتية، وحماية البيانات، وتأهيل الموارد البشرية.
وكلما استطاعت المؤسسات الجزائرية، بحسبهم، تنظيم بياناتها وتطوير حلول ملائمة لبيئتها القانونية واللغوية والاقتصادية، ازدادت فرصها في الاستفادة من هذه التقنيات دون التفريط في استقلالية قراراتها أو أمن معلوماتها.
وأشاروا إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في بناء الإنسان قبل اقتناء التكنولوجيا، على أن يشمل التكوين مختلف الفئات المهنية، لا المتخصصين التقنيين وحدهم، لأن التحول سيطال المحاسبة والإدارة والصحافة والتجارة والتعليم والصناعة وغيرها من المجالات.
والرهان، بحسب الأستاذ محمد هشام قارة، ليس في تخريج عدد أكبر من مستخدمي الأدوات الذكية فحسب، بل إعداد جيل قادر على فهمها، وتوجيهها، ومساءلة نتائجها، وتطوير بدائل محلية عندما تقتضي الحاجة، إذ قال إن الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكِيلي يفتحان أمام الجزائر آفاقا واسعة لتحديث المؤسسات، وتحسين الإنتاجية، ودعم الابتكار، وخلق أنشطة اقتصادية جديدة.