الرأي

الرؤية الجزائرية لإصلاح جامعة الدول العربية

أ.د بوحنية قوي
  • 75
  • 0

منذ انضمامها إلى جامعة الدول العربية في 16 أوت 1962، عقب أسابيع من استرجاع السيادة الوطنية في جويلية من العام ذاته، نسجت الجزائر مسارًا دبلوماسيًّا متدرّجًا داخل المنظومة العربية، جمع بين الشرعية الثورية والسعي إلى إعادة بناء الفعل العربي المشترك، مستندة إلى إرث تأسيسي عربي يعود إلى سنة 1945 مع أول أمين عام للجامعة عبد الرحمن عزام.

دخلت الجزائر هذا الفضاء وهي تحمل رصيد ثورة تحريرية استثنائية، جعلها منذ البداية فاعلًا ذا وزن سياسي وأخلاقي، خاصة عبر دبلوماسية نشطة قادها رجال دولة بارزون، في مقدمتهم محمد خميستي، ثم عبد العزيز بوتفليقة، الذي منح الحضور الجزائري بُعدًا مؤثرًا في القمم العربية، خصوصًا في أعقاب حرب يونيو 1967 وحرب أكتوبر 1973، إذ دافعت الجزائر عن ضرورة الانتقال من ردود الفعل إلى بناء موقف عربي استراتيجي موحّد.

وقد تجسّد هذا الحضور في محطات دقيقة، أبرزها احتضان الجزائر لثلاث قمم عربية مفصلية بأسمائها وتواريخها الكاملة، فقد استضافت القمة العربية السابعة (مؤتمر القمة العربي السابع) من 26 إلى 28 نوفمبر 1973، برئاسة الرئيس الراحل هواري بومدين، في سياق تعبوي أعقب حرب أكتوبر، وركّزت النقاشات  والمداولات على تثبيت المكاسب السياسية والعسكرية، ودعم الجبهتين المصرية والسورية، وتبنّت قرارات تتعلق باستخدام النفط كأداة ضغط، وتعزيز التنسيق الاقتصادي والعسكري، مع تأكيد مركزية القضية الفلسطينية ودعم منظمة التحرير الفلسطينية. ثم عادت الجزائر لتحتضن القمة العربية السابعة عشر (قمة الجزائر 2005) يومي 22 و23 مارس 2005، في سياق إقليمي اتسم بتداعيات غزو العراق سنة 2003، وناقشت القمة إصلاح ميثاق الجامعة، وتفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتعزيز العمل الاقتصادي العربي، إلى جانب إعادة طرح مبادرة السلام العربية والتأكيد على مبدأ السيادة ورفض التدخلات الخارجية. أما المحطة الثالثة فتمثلت في القمة العربية الحادية والثلاثين (قمة الجزائر 2022 – قمة لمّ الشمل) التي عُقدت يومي 1 و2 نوفمبر 2022، برئاسة عبد المجيد تبون، تزامنًا مع الذكرى الثامنة والستين لاندلاع الثورة التحريرية.

وفي هذا السياق بالذات، برز الموقف الجزائري اللافت بشكل يعكس تمسّك  الجزائر بثوابتها رغم التحولات الإقليمية، إذ لم تنخرط الجزائر في موجة التطبيع التي شهدها العالم العربي في السنوات الأخيرة، بل اختارت أن تعيد توجيه البوصلة نحو القضية الفلسطينية. فقد بادر عبد المجيد تبون إلى دعوة مختلف الفصائل الفلسطينية إلى الجزائر قبيل القمة، وعقدت في أكتوبر 2022 لقاءات موسعة تُوّجت بـ”إعلان الجزائر”، الذي جمع أطرافًا رئيسية من الساحة الفلسطينية في محاولة جادة لتحقيق المصالحة الوطنية. وقد شكّلت هذه الخطوة، في عمقها السياسي، رسالة واضحة داخل جامعة الدول العربية مفادها أن الجزائر ترى في وحدة الصف الفلسطيني شرطًا أساسيًّا لأي تحرك عربي ذي مصداقية، وأنها تفضّل منطق التوحيد والدعم على منطق الاصطفافات الجديدة.

وبين هذه المحطات، برزت لحظة مفصلية أخرى حين احتضنت الجزائر في 15 نوفمبر 1988 إعلان قيام دولة فلسطين، وهو حدث تاريخي أعاد توجيه البوصلة العربية ورسّخ مكانة الجزائر كحاضنة للقضايا المركزية. كما واصل دبلوماسيون جزائريون بارزون ترسيخَ هذا النهج القائم على دعم حركات التحرر والتمسك بالسيادة الوطنية. وخلال الفترة الممتدة إلى غاية 2025، واصلت الجزائر، بقيادة عبد المجيد تبون، تحرّكها داخل جامعة الدول العربية برؤية إصلاحية نقدية، تدعو إلى تفعيل آليات التنفيذ، وتعزيز الحلول العربية- العربية للأزمات، بما يعكس سعيًا دؤوبًا للانتقال بالعمل العربي من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل الاستراتيجي المؤثر.

المسارات التاريخية للجزائر في جسم جامعة الدول العربية

  1. يتبيّن من المسار التاريخي للجزائر داخل جامعة الدول العربيةأن سياستها الخارجية تأسست على مبدأ السيادة الوطنية بوصفه قاعدة لا تقبل المساومة، وهو ما انعكس في مواقفها الثابتة الرافضة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. فقد حافظت الجزائر، منذ 1962، على خط دبلوماسي متوازن يقوم على احترام خصوصيات الدول، والدعوة إلى حلول سياسية توافقية، بعيدًا عن منطق الإملاءات أو الاصطفافات الظرفية.
  2. تؤكد التجربة الجزائرية أن عدم التدخل لم يكن موقفًا سلبيًّا أو انسحابيًّا، بل خيارًا استراتيجيًّا مرفقًا بدور إيجابي في الوساطة وتقريب وجهات النظر، خاصة في الأزمات العربية المعقّدة،فقد سعت الجزائر إلى دعم الحلول العربية- العربية داخل جامعة الدول العربية، معتبرة أن استقرار الإقليم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار، لا عبر التدخلات الخارجية أو الضغوط السياسية.
  3. يعكس التزام الجزائر الدائم بتسديد مستحقاتها المالية تجاه جامعة الدول العربيةبانتظام، رغم التحديات الاقتصادية التي مرت بها في بعض الفترات، إدراكها العميق لمسؤوليتها المؤسسية داخل العمل العربي المشترك. كما لم تكتفِ بالدعم المالي، بل ساهمت بفعالية في مختلف المبادرات العربية، سواء السياسية أو الاقتصادية، ما يؤكد أنها عضوٌ فاعل لا يكتفي بالشعارات بل يترجم التزاماته إلى ممارسات ملموسة.

تتبنّى الجزائر داخل جامعة الدول العربية مقاربة قائمة على التزام مؤسسي منتظم إذ حرصت على تسديد مساهماتها المالية بشكل دوري ومنتظم، بما يعكس رؤية تعتبر الانتماء إلى الفضاء العربي التزامًا سياديًّا مستمرًّا لا مجرد حضور رمزي. وإلى جانب هذا البعد المؤسسي، تواصل الجزائر مساهماتها في الجهود الإنسانية الموجهة إلى القضية الفلسطينية، خصوصًا خلال محطات التصعيد الكبرى مثل 2008- 2009، 2014، و2021، إلى غاية اليوم  عبر دعم برامج الإغاثة وإعادة التأهيل، ومنها مشاريع مرتبطة بـمخيم جنين الذي شهد تدخلات إنسانية وإعادة إعمار متتالية. وفي المقابل، ترفض الجزائر الانخراط في سياسة المحاور داخل الجامعة، متمسكة بخطّ مستقلّ يقوم على الحياد الإيجابي ورفض أي اصطفافات تُوظَّف لشق الصف العربي.

  1. تُظهر مواقف الجزائر، خاصة في القمم التي احتضنتها، أنها اختارت دائمًا الدفاع عن القضايا المركزية من دون الانخراط في محاور متصارعة، وهو ما برز بوضوح خلال قمة 2022، إذفضّلت توحيد الصف الفلسطيني بدل الانجرار وراء موجات التطبيع. هذا السلوك يعكس تمسّكًا بمبدأ عدم التدخل مقرونًا بالالتزام الأخلاقي تجاه قضايا التحرر، في إطار رؤية مستقلة داخل جامعة الدول العربية.
  2. في استطاعة الجزائر أن تعمل على ترسيخ نموذج دبلوماسي داخل جامعة الدول العربيةيقوم على الجمع بين الاستقلالية والالتزام، إذ حافظت على ثوابتها السيادية، واحترمت مبدأ عدم التدخل، وفي الوقت نفسه واصلت الإسهام في دعم العمل العربي المشترك، ماليًّا وسياسيًّا، بما يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن قوة النظام العربي تنبع من توازن أعضائه لا من هيمنة بعضهم على بعض.

الجزائر داخل النظام العربي

تراهن الجزائر من خلال حضورها المتوازن في جامعة الدول العربية الى تحقيق المكتسبات التالية:

  1. ترقية الدبلوماسية القِممية إلى فضاء مبادرة
    لا تكتفي الجزائر بالحضور في القمم العربية، بل تسعى إلى أن تكون من يسبق الحدث ويصوغ الإشكال. فالقمة، في هذا المنظور، ليست محطة بروتوكولية، بل لحظة لإعادة تعريف الأولويات العربية عبر أوراق سياسية مُعدّة سلفًا، تجعل من الجزائر “مهندسًا للأجندة” لا مجرد مشارك فيها.
  2. إعادة هندسة ميثاق الجامعة
    تدفع الجزائر نحو تجاوز منطق الإجماع الجامد الذي كثيرًا ما عطّل القرار العربي، لصالح آليات تصويت أكثر مرونة وفعالية. الهدف ليس تقويض التوافق، بل تحرير القرار العربي من أسر الفيتو غير المعلن الذي يُفرغ الجامعة من مضمونها التنفيذي.
  3. تثبيت النفوذ داخل البنية اليومية للجامعة
    في العمل المؤسسي اليومي داخل مجلس المندوبين، تراهن الجزائر على دبلوماسية هادئة، تراكمية، تُحوِّل المواقف التقنية إلى اتجاهات سياسية، وتُرسِّخ حضورها كطرف مرجعي في القضايا الإقليمية الحساسة.
  4. التحكُّم في هندسة اللجان المتخصصة
    رئاسة اللجان لا تُفهم هنا كمنصب إداري، بل كأداة لتوجيه التفكير الجماعي العربي،فالتحكم في لجان الأمن والسياسة يعني عمليًّا التأثير في “المطبخ العميق” للقرار العربي قبل أن يصل إلى مستوى القمة.
  5. تحويل الوساطة إلى وظيفة مؤسسية
    تسعى الجزائر إلى ترسيخ نفسها كوسيط بنيوي داخل النظام العربي، لا كفاعل ظرفي. نجاحها في تقريب الفصائل الفلسطينية في “إعلان الجزائر 2022″يُقدَّم كنموذج قابل للتوسيع نحو أزمات أكثر تعقيدًا.
  6. الانتقال من القرار إلى التنفيذ
    أحد أعطاب الجامعة يتمثل في انفصال القرار عن التطبيق. ومن ثمّ، تقترح الجزائر إنشاء آليات متابعة صارمة تجعل من القرار العربي مسارًا زمنيًّا ملزمًا لا إعلانًا سياسيًّا عابرًا.
  7. ترسيخ التكامل الاقتصادي كقوة سياسية
    تدرك الجزائر أن القوة العربية لا تُبنى سياسيًّا فقط، بل اقتصاديًّا أيضًا. لذلك تدفع نحو تحويل السوق العربية إلى فضاء مندمج يرفع القدرة التفاوضية الجماعية في النظام الدولي.
  8. هندسة محور طاقوي عربي
    باعتبارها فاعلًا طاقويًّا، تسعى الجزائر إلى عقلنة العلاقة بين الدول المنتِجة للنفط والغاز داخل فضاء تنسيقي عربي، بما يعزز الاستقرار السعري ويمنح العرب وزنًا تفاوضيًّا أكبر عالميًّا.
  9. 9. تأهيل بنية أمن عربي مشترك
    في حال تفعيل هياكل الأمن العربي، تقدِّم الجزائر نفسها كمرجعية في إدارة الأزمات دون تدخل خارجي، مستندة إلى تجربتها في مكافحة الإرهاب واستقرار الدولة.
  10. 10. مركزية القضية الفلسطينية
    تتعامل الجزائر مع الملف الفلسطيني باعتباره معيارًا لجدية النظام العربي. ومن هنا جاء دورها في “إعلان الجزائر”الذي أعاد إدراج وحدة الفلسطينيين ضمن الأجندة العربية.
  11. 11. مرونة التحالفات داخل الجامعة
    تتبنى الجزائر منطق “التحالفات المتحركة”، إذيُبنى التأثير على حسب الملف لا على أساس اصطفاف دائم، ما يمنحها استقلالية عالية داخل التوازنات العربية.
  12. 12. إعادة إحياء آليات التضامن
    تسعى إلى تفعيل أدوات التمويل العربي المشترك، بما يحوِّل التضامن من شعار إلى سياسة اقتصادية فعالة.
  13. 13. ترسيخ القرار العربي السيادي
    الغاية النهائية هي تحرير القرار العربي من الارتهان الخارجي، وبناء استقلال استراتيجي يجعل الجامعة فاعلًا لا تابعًا في النظام الدولي.

مسوغات إصلاح الجامعة العربية

تنطلق المبررات والمسوغات التي تقدّمها الجزائر لإصلاح جامعة الدول العربية من قراءة جيوسياسية ترى أن النظام العربي يواجه أزمة “فعالية مؤسسية” أكثر مما يواجه أزمة مواقف سياسية؛ فالجزائر تعتبر أن الجامعة، منذ تأسيسها سنة 1945، بقيت محكومة بمنطق الإجماع والتوافق الشكلي، ما جعل قراراتها في أغلب الأحيان غير ملزمة وغير قابلة للتنفيذ، الأمر الذي أضعف قدرتها على التحول إلى فاعل إقليمي مؤثر في بيئة دولية شديدة التنافس.

أحد أهم المبررات التي تستند إليها الجزائر هو تكرار الأزمات العربية من دون وجود آلية ردع جماعي فعّال؛ فالحروب على غزة في مختلف مراحلها، والاعتداءات المتكررة على لبنان، والأزمات الداخلية في سوريا واليمن وليبيا، كشفت أن الجامعة تفتقر الى  أدوات التدخل السياسي الدبلوماسي الحاسم والقادر على وقف التصعيد أو فرض تسويات. هذا العجز البنيوي، في نظر الجزائر والنخبة الجزائرية أيضا، جعل الفضاء العربي عرضة لتدخلات قوى إقليمية ودولية خارج الإطار العربي، بشكل يضعف السيادة الجماعية.

كما تستند الجزائر في طرحها الإصلاحي إلى تجربة الانقسام العربي الحاد، خاصة خلال أزمة الخليج سنة 2017، حين فشلت الجامعة في أداء دور الوسيط الفعّال بين الدول الأعضاء، ما أبرز محدودية بنيتها التوافقية. وترى الجزائر أن استمرار هذا النمط من إدارة الخلافات يُكرّس منطق المحاور داخل النظام العربي بدل منطق التضامن، وهو ما يتناقض مع فلسفة العمل المشترك.

ومن المبررات أيضًا ضعف التكامل الاقتصادي العربي، رغم وجود أدوات مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، إذ ما تزال المبادلات البينية في مستويات متدنية مقارنة بالتكتلات الإقليمية الأخرى. وتعتبر الجزائر أن غياب سوق عربية مندمجة يُضعف القدرة التفاوضية الجماعية للدول العربية ويجعلها أكثر هشاشة أمام التقلبات الاقتصادية العالمية، خصوصًا في مجالات الطاقة والغذاء.

إلى جانب ذلك، تؤكد الجزائر أن أحد  إشكالات أداء جامعة الدول العربية يتمثل في غياب آليات تنفيذ ومتابعة فعّالة لقرارات القمم والوزارات، إذ تبقى معظم القرارات في مستوى التوصيات دون تحويلها إلى سياسات عملية. وهذا ما يدفعها إلى الدعوة لتطوير دور الأمانة العامة، وتوسيع صلاحياتها، وإدخال آليات تقييم ومتابعة ملزمة.

كما ترتبط هذه الدعوة بمبدأ ثابت في السياسة الخارجية الجزائرية، يقوم على احترام السيادة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إذ ترى الجزائر أن إصلاح الجامعة يجب أن يعزز الحلول العربية- العربية للأزمات بدل اللجوء إلى الوساطات الخارجية، وأن يقوّي قدرة النظام العربي على إنتاج قراراته من داخله.

وفي المحصلة، فإن الطرح الجزائري لإصلاح الجامعة لا يقوم على نقد شكلي، بل على تشخيص بنيوي هادئ  يعتبر أن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء النظام العربي في موقع “الفاعل المتأثر” بدل “الفاعل المؤثر”، وهو ما يتعارض مع متطلبات التحوُّلات الجيوسياسية المعاصرة.

تجسّد هذا الحضور في محطات دقيقة، أبرزها احتضان الجزائر لثلاث قمم عربية مفصلية بأسمائها وتواريخها الكاملة، فقد استضافت القمة العربية السابعة (مؤتمر القمة العربي السابع) من 26 إلى 28 نوفمبر 1973، برئاسة الرئيس الراحل هواري بومدين، في سياق تعبوي أعقب حرب أكتوبر، وركّزت النقاشات  والمداولات على تثبيت المكاسب السياسية والعسكرية، ودعم الجبهتين المصرية والسورية، وتبنّت قرارات تتعلق باستخدام النفط كأداة ضغط، وتعزيز التنسيق الاقتصادي والعسكري، مع تأكيد مركزية القضية الفلسطينية.

يتبيّن من المسار التاريخي للجزائر داخل جامعة الدول العربية أن سياستها الخارجية تأسست على مبدأ السيادة الوطنية بوصفه قاعدة لا تقبل المساومة، وهو ما انعكس في مواقفها الثابتة الرافضة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. فقد حافظت الجزائر، منذ 1962، على خط دبلوماسي متوازن يقوم على احترام خصوصيات الدول، والدعوة إلى حلول سياسية توافقية، بعيدًا عن منطق الإملاءات أو الاصطفافات الظرفية.

تؤكد التجربة الجزائرية أن عدم التدخل لم يكن موقفًا سلبيًّا أو انسحابيًّا، بل خيارًا استراتيجيًّا مرفقًا بدور إيجابي في الوساطة وتقريب وجهات النظر، خاصة في الأزمات العربية المعقّدة، فقد سعت الجزائر إلى دعم الحلول العربية- العربية داخل جامعة الدول العربية، معتبرة أن استقرار الإقليم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار، لا عبر التدخلات الخارجية أو الضغوط السياسية.

الحروب على غزة في مختلف مراحلها، والاعتداءات المتكررة على لبنان، والأزمات الداخلية في سوريا واليمن وليبيا، كشفت أن الجامعة تفتقر الى  أدوات التدخل السياسي الدبلوماسي الحاسم والقادر على وقف التصعيد أو فرض تسويات. هذا العجز البنيوي، في نظر الجزائر والنخبة الجزائرية أيضا، جعل الفضاء العربي عرضة لتدخلات قوى إقليمية ودولية خارج الإطار العربي، بشكل يضعف السيادة الجماعية.

مقالات ذات صلة