الرجال الذين يسمعون كلام زوجاتهم الأكثر نجاحا وسعادة
أشارت دراسة في علم النفس العلاقاتي والاجتماعي أن الرجال الذين يستمعون بوعي لزوجاتهم ويأخذون بآرائهن يتمتعون باستقرار نفسي أكبر وعلاقات زوجية أنجح ومستويات أقل من التوتر، ما ينعكس إيجابا على نجاحهم المهني والشخصي.
وأن قبول الرجل لتأثير زوجته عليه عامل حاسم في نجاح الزواج واستقراره على المدى الطويل. ورغم ذلك، فإن الكثير من الرجال في مجتمعنا ما زالوا يفكرون ويتعاملون مع الزوجة بمبدأ: “شاورها وخالف رايها”، غير مدركين أن ذلك من أسباب ارتفاع احتمالات الطلاق.
كشفت دراسة لعالم النفس الأمريكي الشهير، الدكتور جون غوتمان، من جامعة واشنطن، شملت متابعة طويلة لأكثر من 130 زوج وزوجة، منذ بداية زواجهم، أن 81% من الزيجات تفشل أو تتجه نحو الطلاق، عندما يرفض الرجل مشاركة السلطة، أو يرفض الاستماع والتأثر برأي زوجته. في المقابل، تبين أن الرجال الأذكياء عاطفيا، الذين يتقبلون تأثير زوجاتهم هم الفئة الأكثر نجاحا وسعادة. ولقد ربطت الأبحاث اللاحقة والمستمرة للمعهد بين الاستقرار الأسري والنجاح المهني والمادي للزوج، لأنه يتيح له فرصة اتخاذ قرارات مالية وحياتية أفضل وأصوب. فالاستماع لرأي الزوجة سيمنح الزوج زاوية رؤية أوسع وأشمل، مما يحد من قراراته المندفعة وخسائره، ويزيد من فرص نجاحه حتى على صعيد عمله. إذ أشارت البيانات الإحصائية المرتبطة بالذكاء العاطفي إلى أن الرجال المستمعين لزوجاتهم يمتلكون مهارات تفاوض وتواصل أفضل في بيئات العمل، مما يجعلهم أكثر عرضة للحصول على ترقية مهنية، بنسب تتجاوز المتوسط بنحو 20%. كما أن طاقة إنتاجيتهم ستكون أعلى، لأن الرجل المستقر عاطفيا في بيته لا يستهلك طاقته الذهنية في المشاحنات المستمرة، مما يرفع تركيزه وإنتاجيته في العمل.
جرح عاطفي
كما أظهرت الدراسة أن 35% فقط من الرجال يصنفون كأذكياء عاطفيا، ويتقبلون تأثير زوجاتهم بسهولة. بينما تقاوم النسبة المتبقية هذا التأثير دون وعي، لاعتقادهم أن ذلك يقلل من سلطتهم القيادية. وذلك بإتيان أربعة تصرفات أو سلوكيات مدمرة للحوار والعلاقة. وهي النقد، الازدراء، الدفاعية، الانسحاب أو الصمت الحجري. وما أكثر الأزواج الذين يتبعون مثل هذه السلوكيات المدمرة في مجتمعنا… والطامة الكبرى، أنهم يستندون في ذلك لمقولات مشهورة تنسب جهلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مثل عبارة: “شاوروهن وخالفوهن.” فالرجل الجزائري كثيرا ما يستأثر بحق تقرير مصير أي شأن من شؤون علاقته الزوجية أو حياته الأسرية، حتى دون العودة إلى رأي زوجته، وكأنه لا قيمة لرأيها أمام سداد رأيه ورجاحة عقله، رغم أن العكس قد يكون هو الصحيح أحيانا. ولكن، فقط، من باب العناد و”التاغنانت”، وهو ما قد يثير حنق وحقد زوجته ويخلق الكثير من المشاحنات بينهما. وقد ينتهي الأمر بالطلاق.
إذ من خلال معالجته الكثير من القضايا الأسرية، يجد الأستاذ عبد الرشيد بوبكري، إمام ومدرب في التنمية الأسرية، أن كثيرًا من المشكلات لا تبدأ من اختلاف الرأي نفسه، وإنما من طريقة التعامل معه، عندما تشعر الزوجة بأن رأيها لا قيمة له لمجرد أنها امرأة، يتحول الخلاف الفكري شيئًا فشيئًا إلى جرح عاطفي. وكذلك عندما يشعر الزوج بأن كل قرار يتخذه يُقابل بالتحدي والتقليل، تتوتر العلاقة.
القوامة ليست استبدادا
المشكلة، مثلما يوضح الأستاذ عبد الرشيد بوبكري، ليست في أن يستشير الرجل زوجته، وإنما في ثقافة اجتماعية خلطت أحيانًا بين القوامة والتسلط، وبين الرجولة ورفض التراجع، وبين احترام الزوجة وضعف الشخصية، رغم أن القوامة مسؤولية وليست استبدادًا، والقيادة الأسرية ليست إلغاءً للشريك. والقائد الناجح لا يخشى الرأي الآخر؛ بل يسمعه، ويميز بين صوابه وخطئه، ثم يتخذ القرار الذي يحقق مصلحة الأسرة.
ومن جهة أخرى، يضيف محدثنا، لا ينبغي أن نقع في المبالغة المقابلة فنقول إن الزوج ينبغي أن يأخذ بكل رأي تقوله زوجته، كما لا يلزم الزوجة أن تأخذ بكل رأي يقوله زوجها. القضية ليست: من ينتصر، الرجل أم المرأة؟ وإنما: أي الرأيين أقرب إلى الصواب والمصلحة؟
والرجل لا تنقص رجولته عندما يقول لزوجته: رأيك كان أصوب من رأيي، بل قد تكون هذه العبارة نفسها علامة على نضج شخصيته وثقته بنفسه.
الحكمة لا جنس لها
أما بالنسبة إلى مقولة «شاوروهن وخالفوهن»، فيؤكد الإمام عبد الرشيد بوبكري أنها ليست حديثًا نبويًا صحيحًا، ولا يصح أن تُنسب إلى رسول الله ﷺ، فضلًا عن تحولها إلى قاعدة تحكم العلاقة بين الزوجين.
والإسلام، كما يضيف: “لم يجعل الرجولة في مخالفة المرأة، كما لم يجعل القوامة إلغاءً لعقلها ورأيها. قال الله- تعالى- في وصف الحياة الزوجية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، والمعاشرة بالمعروف أوسع من النفقة والسكن؛ فهي تشمل الاحترام، وحسن التواصل، والإنصات، والتقدير.
بل إن القرآن نفسه يقرر مبدأ التشاور بين الزوجين في قضية أسرية دقيقة، وهي فطام الطفل، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233].
فتأملوا التعبير القرآني: تراضٍ وتشاور، لا استبداد أحد الطرفين بالآخر.
وأبلغ مثال عملي نجده في السيرة النبوية يوم الحديبية، لما دخل النبي ﷺ على أم سلمة رضي الله عنها وذكر لها ما حدث، فأشارت عليه بأن يخرج ولا يكلم أحدًا حتى ينحر هديه ويحلق، فعمل النبي ﷺ بمشورتها، فلما رأى الصحابة فعله قاموا وفعلوا مثله. لقد كانت مشورتها في لحظة شديدة الحساسية سببًا في معالجة موقف بالغ الصعوبة.”