الرأي

الرياح تتجه جنوبا

عمار يزلي
  • 1081
  • 0

مع التحولات الجديدة في الغرب الأوروبي وأمريكا وشرق آسيا، تحولت إفريقيا خلال السنوات الأخيرة إلى قارة استقطاب، بعد ما بقيت لقرون قارة نهب واستعباد، بدأت خاصة مع العهد الفيكتوري ونشوء المستعمرات الأنجلوسكسونية والفرنسية في شمال القارة المكتشَفة، وقبلهما البرازيل والشيلي وباقي دول أمريكا اللاتينية مع الاكتشافات الاستعمارية الإمبراطورية لكل من البرتغال وإسبانيا خلال القرنين 14 و15 الميلاديين.

بقيت لقرون إفريقيا رمزا للقهر والعبودية والاستعباد ومهد الاستعمار الأوربي الغربي، خاصة من طرف القوى الرأسمالية ما بعد الثورة الصناعية: فرنسا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا.

منتصف الخمسينات من القرن العشرين، بدأت حركات التحرر الإفريقية التي حرّكتها فيها التجربة الجزائرية، ولكن أيضا تجارب أخرى في فيتنام والجزيرة الكورية والهند الصينية ومناطق أخرى في أمريكا اللاتينية.

بالتأكيد، كان عامل الحركة البلشفية الروسية وقيام الاتحاد السوفيتي عاملا مهمًّا في دعم حركات التحرر الوطنية في كل القارات، إيمانا وعقيدة منها ومن القوى الاشتراكية الثورية الصاعدة، أن الاشتراكية العالمية لا يمكن أن تنجح إلا بثورة شاملة ودائمة على رأي “تروتسكي” وبالقضاء المبرم على الرأسمالية في دولها الأصلية أوَّلا، ثم من خلال مستعمراتها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

ما يحدث الآن في القارة الإفريقية وفي جنوب خط الاستواء هو محاولة التخلص ليس من الاستعمار، بل من التبعية الاقتصادية للاستعمار، والذي زال في إفريقيا بشكله المباشر، ما خلا مستعمرة واحدة اليوم هي الصحراء الغربية.

الديناميكية الجديدة اليوم التي أحدثها الشرخُ الغربي الشرقي في العلاقات الدولية والتي كانت سنة 1991 بداية له وليس “نهاية للتاريخ” كما يقول فوكوياما، كون أن 2014، كان إعلان العودة للقوى المفتَّتة من بقايا جمهوريات الاتحاد السوفيتي وحلف وراسو، وبقي هذا الإعلان يستعر، لكن على نار ورماد هادئ، إلى أن تجلى ذلك في حرب أوكرانيا التي بدأت في 24 فيفري 2022.

حرب أوكرانيا التي أخلطت الأوراق، بدأت اليوم في تشكيل العالم من جديد على أسس قطبية جديدة عمادها جزء من الجمهوريات السوفياتية المستقلة. هذه الدول التي بقيت وفية للحلف القديم، فيما التهم بعضها، خاصة دول البلطيق في حلف النيتو وفكي الاتحاد الأوروبي كمنطلق متقدّم استراتجي لأي مستقبل توسّع ضد ما تبقى من أراضي روسيا الاتحادية اليوم، وريثة أسلاف الاتحاد السوفيتي الذي كان له السبق قوة وعزيمة على التوسع، مستغلا ثورات المقهورين في كل أنحاء العالم اجتمعت كلها في تكتل دول عدم الانحياز.

اليوم، هذا التوجُّه الآسيوي بدْءا من الصين وروسيا، والذي سمح بتشكل فكر متحرِّر من جديد ضد التبعية الاقتصادية والهيمنة الغربية، تحاول الدول الغربية والأوروبية أن تعطله قبل أن تدخل أمريكا على الخط في شكل منافسة حادة على الكعكة الإفريقية وتأثيرها ومكانتها كقارة كبرى، وقف الزحف الاقتصادي ونفوذ الصين وروسيا في هذه القارة مهد العبودية والاستعباد وخزان المواد الأولية لدول الشمال.

في هذا الصدد، تؤدّي الجزائر دورا محوريا في هذا التوجه نحو تجدد العلاقات الدولية والاقتصادية والتعاون شمال – جنوب بعيدا عن الاستنزاف والفوقية الاستعمارية دون الوقوع في فخ النيو ليبرالية.

الجزائر وهي تنخرط في هذا المسعى كخط تماس وبوابة نحو القارة السمراء المقبلة على تغييرات جيو سياسية واقتصادية وتحولات كبرى، تريد أن تشرف وتتموقع على خط هذا التحول، خاصة في جزئها الجنوبي المتاخم لحدودها الوطنية، ولكن أيضا في العمق القاري، رغبة منها في أن تكسب إفريقيا المستقلة استقلالها الاقتصادي وسيادتها الكاملة على مواردها وإرادتها السياسية.

مقالات ذات صلة